الدفاع و الامن

«إسقاط» الطائرة الروسية: حرب العقول!

كان يكفي أن تتحطّم طائرة الركاب الروسية فوق شبه جزيرة سيناء بعد شهر من بدء «عاصفة السوخوي» الروسيّة في سوريا، كي تثور الشكوك حول طبيعة الحادثة وأبعادها والجهة التي تقف وراءها؛ فكيف إذا سارع تنظيم «داعش» إلى تبنّي «إسقاط» طائرة «ايرباص ايه 321» والادّعاء أنَّه قام بذلك «نصرةً لأهل الشام»؟ من الطبيعي حينها أن تتزايد الشكوك، وأن تصبح المهمة ذات الأولوية هي التأكد من صحة ادّعاءات التنظيم المتشدّد وحقيقة وقوفه وراء العملية، نظراً لما يمكن أن يؤدّي إليه ذلك من تغييرات كبيرة في استراتيجيّة مواجهته من قبل السلطات الروسية وحلفائها.
ويبدو أنَّ هذه الحادثة ستكون من أبرز الشواهد على نوع من الحروب تجري في الخفاء وتبقى تفاصيلها عادةً بعيدة عن متناول الإعلام. ويحبّذ البعض أن يطلق عليها «حرب العقول» في إشارة إلى أنَّ إدارتها من قبل كلا الطرفين، تحتاج إلى خبرات عالية في الاستخبارات والحروب النفسيّة.
وقد كان آخر تطورات هذه الحادثة، خروج زعيم «ولاية سيناء» أبو أسامة المهاجر بتسجيل صوتي حمل عنواناً يشير بوضوح إلى مضمونه «نحن من أسقطها فموتوا بغيظكم»، يجدّد فيه تبنّي تنظيمه لعملية إسقاط الطائرة، دون الكشف عن طريقة التنفيذ. قال: «موتوا بغيظكم فنحن من أسقطها، ولسنا مجبرين عن الإفصاح عن آلية سقوطها». وفي ما يشبه التحدّي، أضاف المهاجر: «هاتوا حطام الطائرة وفتشوا، أحضروا صندوقكم الأسود وحلّلوا، واخرجوا علينا بعصارة أفكاركم، وخلاصة خبرتكم، وأثبتوا أنّنا لم نسقطها، أو كيف سقطت»، مشدداً على أنَّ «ولاية سيناء ستفصح عن آلية سقوط الطائرة في الوقت الذي تريده، وبالشكل الذي تراه».
النقطة الجوهرية في هذا التسجيل هي إشارة المتحدث إلى أنَّ «الطائرة سقطت في اليوم السابع عشر من محرم، وهل تدرون أنَّ هذا اليوم يوافق ذكرى بيعتنا لخليفتنا حفظه الله»، لأنَّ هذه الإشارة بالإضافة إلى كونها تعني أنَّ العملية جرى التخطيط لها بعناية ودقّة كي يصادف تنفيذها في الذكرى السنوية الأولى للبيعة؛ فإنَّها من جهة ثانية، تعني صعوبة أن يكون البيان كاذباً لأنّ المتحدث – وهو زعيم «ولاية سيناء» – ربط بين العملية وبين مناسبة تخص «الخليفة» نفسه، وهو لم يكن مضطراً لذلك لولا ثقته بما يقول. وهكذا بات من الواضح أنَّ «فرع داعش في سيناء» مُصرّ على تبنّي إسقاط الطائرة، خصوصاً أنَّ التسجيل الصوتي لأبي أسامة المهاجر جاء بعد بيان مكتوب أعلنت فيه «ولاية سيناء» مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة بعد ساعات من تحطمها يوم السبت الماضي.
في المقابل، بدا لافتاً أنَّ السلطات الروسيّة التي كانت قد شرعت في حملة جوية ضخمة ضدّ الإرهاب فوق الأراضي السورية، لم تسارع إلى تضخيم الحادثة والمبالغة في ردة الفعل تجاهها، على نحو يمكّنها من اتخاذها سبباً لتصعيد حملتها الجوية أو توسيع مداها نحو دول أخرى كما كانت ستفعل بعض الدول العظمى لو تعرضت لمثل هذا الاعتداء، بل جاء موقفها الأوّلي منسجماً مع المواقف الطبيعية في مثل هذه الحوادث، وهو انتظار نتائج التحقيقات لمعرفة سبب تحطّم الطائرة. واللافت أكثر أنَّ الموقف العقلاني للسلطات الروسية لم يتغيّر حتى بعد صدور البيان المكتوب الذي تبنّت فيه «ولاية سيناء» العملية، وهو ما يدل على نحو قاطع أنَّ موسكو لا تتحرّى البحث عن الذرائع بهدف إكساب حملتها في سوريا مزيداً من الشرعيّة الدولية، بل هي تنطلق من سياسة محددة سلفاً ولا تحتاج إلى أيّ إضافات عليها، وذلك برغم الانتقادات التي توجهها بعض الدول للغارات الروسية والجدوى منها.
وبالمقارنة مع بعض العمليّات التي امتنع تنظيم «داعش» عن تبنّيها، برغم أنّه ضالع بتنفيذها كالتفجيرات التي ضربت تركيا في سوروتش وأنقرة، بحسب السلطات التركية، يظهر جلياً أنَّ التنظيم يتوخّى من وراء مسارعته إلى تبنّي إسقاط الطائرة تحقيق أهداف معينة؛ وهذا بدوره يشير إلى أنَّ التنظيم قادر من خلال قراءته للمعطيات الإقليمية والدولية على اتخاذ قرارات تناسب مصالحه، فهو يتبنى عندما يشعر بأنّ ذلك سيحقّق له بعض الأهداف، ويمتنع إذا كان التبني سيضر به. فتبنّي عمليات التفجير في تركيا، سيجعله عرضة للانتقادات بأنه يستهدف بلداً مسلماً (سنياً) له دوره البارز نتيجة موقعه الحدودي في دعم الجماعات الإسلامية في سوريا، في حين أنَّه لم يستطع تنفيذ أيّ عملية ضدّ إيران. أما تبنّي عملية إسقاط الطائرة، ورغم أنّه من حيث الظاهر يبدو ضاراً بالتنظيم لأنّه يمكن أن يؤدّي إلى تصعيد الحملات الروسية ضدّه، إلّا أنّه في الحقيقة يحقّق له عدة أهداف، إذ أظهره وكأنّه يستهدف الدولة التي حاربها «المجاهدون» في أفغانستان في أكثر الحروب «الجهادية» رمزية في التاريخ الحديث. ولا شك أنَّ اللعب على هذا الوتر، سيزيد أعداد أنصاره وبالتالي أعداد المنضمين إليه.
ولكن، لماذا لم يعلن التنظيم صراحةً عن كيفية تنفيذ العمليّة؟ للإجابة على هذا السؤال، هناك ثلاثة احتمالات: إمّا أنّه ليس هو من نفّذ العمليّة وبالتالي من الطبيعي ألّا يكون قادراً على تقديم الأدلة. أو أنّه لا يمتلك بالفعل أدلة من شأنها إثبات قيامه بالعملية برغم أنه قام بها فعلاً، وبالتالي هو يحاول ممارسة ضغوط نفسيّة على السلطات الروسية لإجبارها على إظهار ما تثبته التحقيقات من أدلة تؤكد قيامه بالعملية فيكون قد ضرب عصفورين بحجر واحد. والاحتمال الثالث هو أنَّ التنظيم يحتفظ بالأدلة بانتظار صدور نفي رسمي ونهائي من السلطات الروسية بعدم وجود عمل إرهابي وراء تحطّم الطائرة، ليعمد عندئذ إلى إظهار أدلته وإحراج السلطات الروسية، فيكون قد نجح باستهداف الطائرة ومصداقية التحقيقات دفعة واحدة.
في المقابل، يوجد وراء إصرار السلطات الروسية على عدم الربط بين «داعش» وتحطم الطائرة ثلاثة احتمالات أيضاً: إمّا أنّ موسكو واثقة من ضلوع «داعش» في العملية، ولكنها تريد حرمانه من جني ثمارها من خلال منعه من استغلالها في محاولة كسب المزيد من المناصرين والمقاتلين وذلك عبر إنكار وقوفه وراء تنفيذ العملية، ما يخلق شكوكاً بصحة رواية التنظيم، وربّما تريد الاحتفاظ بهذه الحقيقة لاستخدامها في الوقت المناسب بما يحقّق مصالحها هي وليس مصلحة التنظيم. أو أنَّ موسكو تريد الاستمرار في لعبة ضبط النفس حتى اللحظات الأخيرة لأنّها تريد، عبر النفي، استفزاز التنظيم وإجباره على تقديم اعترافات كاملة تتضمن آليات تنفيذ الجريمة، لأنّ ذلك يساعدها من جهة على اختصار فترة التحقيقات أو ربّما مساعدة التحقيقات التي من الممكن أن تؤدّي بعض الظروف إلى عدم وصولها للحقيقة، وعلى كسب تعاطف المجتمع الدولي من جهة ثانية، وعندها فقط يمكنها التعبير عن الاجراءات التي يمكن أن تتّخذها نتيجة تعرضها لهذا الاعتداء. والاحتمال الثالث هو أنّ موسكو واثقة من عدم علاقة التنظيم بالحادثة، ولكنها لا تمانع في استدراجه عبر الاستفزاز ليدلي بمزيد من الاعترافات الوهمية التي قد يكون لها قناة للتصريف روسياً في وقت ما.
وإذا كان الاحتمال الأقوى هو أنَّ التنظيم بالفعل هو من ارتكب العملية، فعندها فقط يمكن من خلال مقاطعة الاحتمالات السابقة، إدراك معنى «حرب العقول» التي تنطوي عليها هذه الحادثة.

«داعش» يتبنى تفجيراً في سيناء
بعد أربعة أيام على تبنيه إسقاط الطائرة الروسية فوق شبه جزيرة سيناء، تبنّى تنظيم «ولاية سيناء»، الفرع المصري لـ «داعش»، هجوماً انتحارياً في سيناء، أدّى إلى مقتل أربعة من أفراد الشرطة المصريين.
وبحسب وكالة أنباء الشرق الأوسط الحكوميّة، فإنَّ انتحارياً فجر سيارته المفخخة أمام نادٍ للشرطة في العريش، كبرى مدن شمال سيناء، حيث يقاتل الجيش تنظيم «ولاية سيناء» الذي سارع إلى تبني الهجوم عبر حسابه على «تويتر»، رداً على اعتقال نساء من البدو في المنطقة.
وأعلنت وزارة الداخلية المصرية أنَّ ثلاثة من أفراد الشرطة قتلوا بعدما فجَّر الانتحاري شاحنة صغيرة مفخخة «ما أدّى إلى اصطدامها بالحاجز الخرساني الأمني أمام النادي وانفجارها… أسفر ذلك عن استشهاد ثلاثة أفراد شرطة». وأضافت أنَّ الانفجار أسفر أيضاً عن إصابة أربعة مجندين وموظف مدني في النادي وخمسة من السكان، في حين أفادت مصادر أمنية عن وفاة شرطي آخر متأثراً بإصابته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق