الحرب الناعمة

الإعلام وثقافة الاستهلاك 

 

 
تؤكد معظم الدراسات والبحوث الإعلامية أن عملية الترويج لثقافة الاستهلاك فى عصر العولمة أصـبحت صناعة غاية فى الدقة والسهولة فى نفس الوقت، فهى تعتمد على وسائل تكنولوجية معقدة لتفتح المجال أمام التدفق الحر للمعرفة وتحويل إنتاج المعلومات إلى صناعة تنتج سلعا، وتدعو إلى الانفتاح الحر وطرح كل ما هو سهل وبسيط وسريع الانتشار. لقد قامت فلسفة التأثير فى المستهلك على سيادة مفهوم المنافسة كمحرك محورى للعولمة الاستهلاكية. فالمنافسة فى السوق العالمى تتطلب التكيف مع ثقافة هذا السوق، ولذلك فهى تؤمن بحرية الإعلام وفتح المجالات الواسعة أمام التقنية الإعلانية. وأمتلاك وسائل الإعلام وأساليب الدعاية والتسويق للسلع. وتجسيدا لهذه الفلسفة فى الواقع العملى، تدفق الإعلام من خلال أساليب عدة تقوم على :(1)

 

  • تنويع الرسالة الإعلامية بحيث يتلاءم مضمونها مع مختلف الاختيارات، فيتجسد بذلك مفهوم حرية الاختيار والانتقاء وفق حاجات ومتطلبات الفرد مما يزيد من النزعات الاستهلاكية كل حسب رغباته .(2)

 

  • البث السريع والمتواصل للرسائل الإعلامية والإعلانية مما يخلق ميولا وتطلعات استهلاكية لدى كافة الشرائح الاجتماعية.

 

  • تجزئة الرسالة الإعلامية بالفواصل الإعلانية الحاملة لكل المغريات والمثيرة لكافة الغرائز، وبذلك تتعاظم فعالية التأثير دون وعى المتلقى بهذا التأثير أو بالأحرى “التنويم” غير المحسوس، فتتضاعف السيطرة الإعلانية وتتغلغل ثقافة الاستهلاك لتتمكن من النفس البشرية.

 

 

  • العمل على تسهيل الحصول على السلعة بطرق متباينة وميسرة وجاذبة للشراء.

 

  • خلق بيئة ثقافية كونية الهوية تروج لبضائع وسلع الشركات الرأسمالية الكبرى المنتجة للسلع بهدف توسيع دائرة الاستهلاك وزيادة أعداد المستهلكين وتحديد أذواقهم، وتدعيم تطلعاتهم وترسيخ النزعة الاستهلاكية لديهم (3) ويتضح مما سبق أن عملية التأثير، الاختيارى – الإجبارى، أصبحت خاضعة لمعايير معرفية يتحكم فيها من يمتلك وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصال الحديثة، وهى عملية تتم بصورة غير مباشرة عن طريق برامج مخططة، ومن خلال صناعة الفقرات الإعلانية والفن السينمائى والمسلسلات التلفزيونية وغيرها من الأشكال التى تجعل المتلقى يقارن بين حاله وحال الآخرين فى المجتمعات الأخرى أما الصورة المباشرة للتأثير فى المستهلك فتتم بصورة أساسية عن طريق الصوت والصورة والرمز والإيحاءات التى يبرزها الإعلان، ذلك الذى يستخدم كل ما هو متاح ومغر بغض النظر عن منظومة القيم الاجتماعية والثقافية الخاصة بكل مجتمع.

 

وكل ذلك بهدف إثارة غرائز الجمهور والترويج للسلع ودفع الأفراد للتسوق وترسخ ثقافة الاستهلاك وخلق تطلعات ترفيه عن طريق الصور التى تجعل السلع المعلن عنها مرغوبا فيها ومقنعة وميسرة ويمكن الحصول عليها بطرق ملائمة لمعظم قطاعات المجتمع حتى لو أدى ذلك إلى تدهور أحوالهم المعيشية أو فقدانهم لتراثهم الثقافى أو خفض قدراتهم البشرية أو اعتماد أنظمتهم على الاستيراد من الخارج (4). ولا عجب فى أن الرسالة الإعلانية ارتبطت بالتسويق لمنتجات وخدمات المؤسسات الاقتصادية العملاقة فى العالم، تلك التى عملت من أجل دعم النشاط التسويقى وتوسيع دائرة الاتصالات وخلق الأسواق وتوسيعها، ومن أجل ذلك امتلكت وسائل الإعلام وآليات التأثير، أو أصبحت الممول الأساسى للمؤسسات الإعلامية، فهى صانعة ثقافة الاستهلاك والمخططة لترويجها فى القرية الكونية المستحدثة.

 

ونظرا لسلبيات تلك السياسات الموجهة- خاصة لدى الشعوب المتطلعة إلى الاستهلاك الترفى، يظل الهم الأخطر يتمثل فى: هل يمكن، فى ظل تحديات العولمة وتطبيقات قواعد النظام الدولى الجديد، وآليات المنافسة غير المتكافلة، الحد من تفشى ظاهرة الاستهلاك الترفى فى تلك البلدان التى تفتقد لعناصر القوة المحدثة وكيف يمكن مواجهة سلبيات شيوع ثقافة الاستهلاك الجماهيرى وانتشارها بين كافة شرائح المجتمعات العربية، وكذا تعطشهم إلى التسوق والمتعة فى الامتلاك وللإجابة على تلك التساؤلات الجوهرية والمضيرية نقدم بعض الاعتبارات الأساسية التى تلقى الضوء على تحليل وضبط سلوك المستهلك من جانب، وفهم طبيعة تخليق هذه الثقافة الاستهلاكية فى عصر الثورة الاتصالية والسماوات المفتوحة من جانب أخر.

 

اعتبارات أساسية فى تحليل ثقافة الاستهلاك:

 

1- لم يعد الاقتصاد وحده هو المدخل الحقيقى لفهم سلوك المستهلك وزيادة النزعة الاستهلاكية Consumerism بين البشر فى عالمنا المعاصر. فلقد صارت النزعة إلى الاستهلاك عنصرا ثقافيا مؤثرا فى، اقتصاديات الدول، وذلك نتيجة لما تمارسه من تأثيرات قوية على سلوك الإنسان فى اتجاه الميل إلى الاستهلاك بل وجعل الاستهلاك هدفا فى حد ذاته.

 

2- وبناء عليه يصبح التحليل الاجتماعى النفسى هو الأقدر على فهم شخصية المستهلك وملامح السلعة وطبيعتها ودرجة التشوق إليها. ويعنى ذلك التركيز على بعدين. أولهما: البعد الثقافى للعملية الاقتصادية والتجارية، أى عملية إضفاء معان رمزية على السلع المادية واستخدامها كوسائط للتواصل Comunicators وثانيهما: اقتصاديات السلع الثقافية وفلسفة السوق الخاصة وليس فقط كمنافع مادية، بالإمداد والطلب والتراكم الرأسمالى والتنافسى والاحتكارى، وهى فلسفة فاعلة ومؤثرة فى مجال أنماط الحياة وأسلوب المعيشة لدى الجماعات والشرائح الاجتماعية فى مختلف المجتمعات والثقافات. (5)

 

ومن هنا يمكن تحليل ثقافة الاستهلاك فى إطار أعمال مدرسة فرانكفورت (خاصة أدورنو وهوركهايمر وماركوزا ولوفينتال) وكذا أعمال جورج لوكاش، فى تحليلاتهم لظاهرة “السيولة الثقافية” التى تقوم على المنطق السلعى والقيم الاستهلاكية التى تغرى الجماهير وتجذبهم نحو الشراء وبصفة خاصة الاستخدام الأمثل للرأسمالية فى اختراق الأدب والفن والأزياء للتقريب بين الثقافة الراقية والثقافة الجماهيرية High Mass Culture وهو ما يعرف بـ “صناعة الثقافة الاستهلاكية”.

 

3- أدت التطورات التى شهدها العالم فى مجال العلاقات التجارية والاتصال إلى انتقال عناصر ثقافة الاستهلاك إلى كافة أنحاء العالم وتغيرت أساليب حياة الشعوب وتبدلت الأذواق وظهرت أنماط جديدة من الاستهلاك، وساعد على ذلك دعم صناعة الثقافة وتكنولوجيا الاتصال والإعلام. وواقع الأمر أن المدخل الحقيقى لفهم صناعة ثقافة الاستهلاك وحرفية هذه الصناعة وآلياتها الترويجية يحتم علينا تحليل الأبعاد والعوامل المتداخلة بين الداخل والخارج، بين التقبل والسيطرة، بين الثقافة الجماهيرية وثقافة النخبة فى ظل العلاقات الدولية وبخاصة أبعادها التجارية. ولا شك أن الإشكالية المطروحة (الاستهلاك) ليست قائمة بنفس الصورة فى كافة الدول، حيث تختفى فى الدول المتقدمة، بسبب قدرتها على المنافسة والامتلاك والسيطرة على الأسواق وإمكاناتها العظمى فى صياغة ثقافة الاستهلاك وتشكيل شخصية المستهلك وفقا لشخصية السلعة المعروضة. لقد صارت الإشكالية التى تواجه البلدان العربية، رغم مواردها المتنوعة، تتمثل فى ضعف قدراتها الإنتاجية وهدر إمكانات تقدمها، هذا بالإضافة إلى ما تتعرض له من إختراق ثقافى بهدف توسيع دائرة الاستهلاك التى تلتهم كافة مقومات التنمية الحضارية، ويظل السؤال محور الاهتمام: كيف يمكن إقناع النخب العربية بأن عصور التجزؤ قد ولت وأن عصر التكتل قد بات محتما وكيف نقنع الشعوب العربية بأن قدرات البشر بلا حدود، وأن دعم الإنتاج هو المدخل إلى الاستهلاك الرشيد.

 

 

 

 

1) Karmon Ely, Hizballah and The Anti-Globalization morem Coalition?, International Institute for Counter-Terrorism, (Access Date: 2008/3/30) www. Ict.org.il/apage/.5222php

 

2 ) وزارة الخارجية الألمانية، ثقافة الإعلام وتحديات العولمة، 2004: http://www.almania

 

3) Valentine, Gill: Eating In Home, “Consumption And Identity” The sociological review, v47., N 3., 1999.

 

4) Virsser, Margraret: Food and Cutler “Interconnections, Social Research”, Vol 66., No 1, 1999.

 

5) Ward, et al, Lydia, Eating Out: Social Differentiation, Consumption and Pleasure, London, Cambridge University Press, 2000.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق