الحرب الناعمة

التضليل الاعلامي -اغتصـــــاب العقـول!!

 
 
 
بقلم الاستاذ عبد العظيم البشير 
 
أصدر جوزيف غوبلز وزير دعاية هتلر أمراً يلزم الألمان بفتح نوافذ المساكن ورفع أصوات المذياع حتى أقصى درجاته لكي تستطيع الأفكار التي يبثها عن طريق الاذاعة الوصول إلى أذن كل ألماني رغَب أم كره! ظن الكثيرون يومها أن هذا ليس أكثر من ازعاج لكن الكاتب التقدمي الألماني سيرجي تشاخوتين كان له رأي آخر! فعكف على متابعة ورصد ودراسة التجربة المثيرة واكتشف كيف أفلح غوبلز في إعادة صياغة أمة كثيفة العدد، عريقة التاريخ، متقدمة في العلم والحضارة، على ما يريد الحزب النازي لتندفع بارادتها كتلة واحدة خلف جنون هتلر نحو حرب انتهت بهزيمة كارثية وانتحار هتلر ثم انتحار المسئول عن جنون الأمة غوبلز بعد أن قتل أطفاله الخمسة وانتحرت زوجته بالسم!
 
في عام 1939 نشر سيرجي تشاخوتين مما رصد وجمع ودرس كتاباً أعطاه عنواناً ذا دلالة مقززة: (اغتصاب الجماهير)للدلالة على بشاعة الهتك القسري لحرمة العقل والتلويث لطهارة الفكر والفطرة!
 
لم يكن غوبلز يملك من وسائل القهر الدعائي حينها سوى الصحف والمذياع ومع ذلك نجح في اقناع 80مليوناً من الألمان أن ألمانيا فوق الجميع ، وبأن الجنس الآري أرقى أجناس الأرض وبأن أوربا الشرقية هي المجال الحيوي لدولة الرايخ الثالث وأن هتلر قائد ملهم لا يخطئ ولن يهزم!!
ثم ورث الغرب وأمريكا من ألمانيا المهزومة ،من بين ما ورثوا، علم صياغة عقول الجماهير وقوانينه الأساسية الذي أسمي علم “الدعاية” أو “الاعلام” فتفرغ لدراسته وتدريسه مئات الألوف من الفلافسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس والمفكرين وزوده التقدم العلمي والفني بكل أسباب الاغراء والإغواء وهكذا تحولت الدعاية في القرن العشرين إلى “قوة سياسية” احتكرها الأقوى واستخدمتها قوى الاستعمار لفرض هيمنتها على الشعوب عن طريق اضعاف قدرتها على المقاومة ومن هنا نشأ تعبير “الامبريالية الحضارية” 
 
علم الاجتماع:
 
 دراسة نقدية في القوة والصراع والتغيير 1975 لعالم الاجتماع الأمريكي فيكتور بالدريدج – حيث تقوم القوى الاستعمارية بمحاولة فرض قيمها الخاصة على المجتمعات الأخرى وتغلف مطامعها الاقتصادية بغلاف زائف ومضلل (الديمغراطية ودعم الثورات الشعبية وربيع الحرية أو مكافحة الارهاب أو محاربة الشيوعية ….الخ) ويعتمد هذا النشاط الاستعماري بشكل أساسي على البيانات التي يجمعها دارسو الحضارات “علم الأجناس التطبيقي” وتحت شعار البحث العلمي والبحوث الميدانية يتم التعرف على مكونات شخصية المجتمع المستهدف ونقاط ضعفه وما تحمله الموروثات من ثغرات تسمح باختراق المجتمعات وتفكيكها – في حالة أمتنا تم تفكيك الموروث الديني السلفي وألتقطت جرثومة التكفير ومرارات صراع الصراع الاجتماعي فيما يعرف بالفتنة الكبرى واسقاطاته على الواقع المعاصر فاكتشفوا آفة الطائفية …الخ ليتم الاشتغال عليها لضرب الأمة من الداخل وكانت وسائل الاعلام الحديثة هي السلاح الفعال ! فازدحم الفضاء العربي بقنوات التحريض والفتنة وتزييف حقيقة المشكلات التي تقعد بالامة لتبقى ضعيفة مفككة مستهلكلة لما يتنتجه الغرب من أول الصناعة لآخر الثقافة والفن من الطائرات النفاثة إلى الوجبات الأمريكية السريعة والغبية!!
 
قادة الرأي العام:
 
اكتشف علماء النفس الاجتماعي الغربيين (وكل العلوم هناك في خدمة المشروع الامبريالي) أن أعمق أساليب الدعاية أثرا في صياغة أفكار الشعوب هم من أطلقوا عليهم “قادة الرأي العام” وهم هؤلاء الذين يتمتعون في محيطهم بمراكز اجتماعية دينية أو علمية أوعشائرية تمكنهم من التأثير في اتجاهات الرأي العام أكثر من غيرهم .. من هؤلاء جندت ( حملة التضليل الاعلامي واغتصاب العقول وغسل الأدمغة ) طابورها الخامس ! يستأجرونهم خفية بمقابل مادي أو معنوي ويلمعونهم تحت أسماء براقة – الدفاع عن حقوق الانسان – حرية الاعلام – الدين – الحرية …الخ ثم يزودونهم بقوانين القهر الدعائي للقيام بوظيفة الاختراق والتضليل.
 
قوانين القهر الدعائي:
 
من كتاب تشاخوتين المشار إليه تم استنباط خمسة قوانين للقهر الدعائي:
 
القانون الأول: التركيز على مقولة بسيطة: مبدأ أو شعار تبثه أجهزة الدعاية وتكرر بثه”الجزيرة مثلا” ويدعو له قادة الرأي بدون التعرض لحيثياته حتى يصبح لصيقا بالعقل الواعي أو العقل الباطن “البراميل المتفجرة” مثلا، بحيث أن مجرد ذكره يضع المتلقي في وضع نفسي وعصبي وفسيولوجي معين يجعله قابلا للتصرف المستهدف ” الفعل المنعكس الشرطي”!!
 
القانون الثاني : التركيز على المبادئ أو الشعارات المضادة ! حيث يتم التضخيم لعيوب الآخر ونقل كل حوار حول هذه العيوب فقط.. ليبقى المبدأ الأول ” المبدأ – الشعار” بعيدا وآمنا من أي حوار جماهيري – مثال: (البراميل المتفجرة) تبقى حقيقة بعيدة عن النقاش واستقصاء حقيقتها في مقابل ما يراد تصديقه – وهو أن هناك نظام في سوريا يقصف شعبه!!” وبذلك تصبح قضية البراميل المتفجرة مقولة مسلمة بعيدة عن النقاش أو التشكيك!
 
القانون الثالث: حصار عقول الجماهير في ثنائية “الشعار وضده” – مثال من سوريا أيضا ( الشعار -شعب يثور من أجل الحرية / ضده – نظام يقصفه بالبراميل المتفجرة) فلا يسمح بأسئلة عن الغرباء عن حقيقة سلمية الحراك أو عسكرته عن الدول الداعمة للمعارضة وهل هي في الأصل ديمقراطية قبل أن تصدرها للآخرين ….الخ
 
القانون الرابع: ولما كانت الأفكار المراد زرعها في عقول الجماهير لا تقذف في فراغ بل في واقع حضاري تاريخي فإن جهد القهر الدعائي يجب أن يتجه – طبقا للقانون الرابع – إلى تفكيك المكونات الحضارية بالتشكيك في صحة المعتقدات وخلق بلبلة فكرية وحالة تغبيش رؤية تسمح بإدانة كل ما كان في الماضي ” وهل تفعل داعش غير ذلك؟؟”
 
القانون الخامس: توجيه الدعاية دون أدنى اعتبار لمشكلات الواقع الاجتماعي الحقيقية فإذا كان المطلوب اسقاط النظام في سوريا فيوجه الخطاب كأن لا مشكلة في الأمة غير بقاء بشار أو سقوطه .. لا مشكلة احتلال صهيوني لا قدس لا فقر لا تخلف لا مشكلة حتى في استجلاب الغزو الخارجي أو الاستعانة بالقتلة .. كل هذه المشاكل هي مجرد محاولة من الأسد وأعوانه لصرف الانتباه عن المعركة الحقيقية ” لا صوت يعلوا فوق صوت معركة الأمة – اسقاط الأسد!!”
هذا هو حجم البشاعة التي يحدثها التضليل الاعلامي .. إنه بالفعل ” اغتصاب ” للعقول!
وهكذا تستنذف مشاعر الجماهير وطاقاتها في ” عالم افتراضي ” ساحته الفضائيات ووسائل الدعاية وهكذا نرى كيف انكشف الغطاء عن نجوم في الثقافة والفكر وقامات في السياسة فإذا هم مجرد أدوات أُعدت بعناية من أجل غسل أدمغة شعوبها ومن هنا نفهم حقيقة قنوات فضائية ملأت الدنيا ضجيجا حول الحرية والوطنية والقومية فإذا هي مجرد أبواق استعمارية ناطقة بالعربية!
 
 
 
المصدر الرئيس لهذا المقال: كتاب عن العروبة والاسلام للدكتور عصمت سيف الدولة
مركز دراسات الوحدة العربية – سلسلة الثقافة القومية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق