تنمية و ثقافة

الغنى الحقيقي

الغنى الحقيقي
من وصايا الإمام الكاظم (عليه السلام)

من وصيّة الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام:
يا هشام:”من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين فليتضرّع إلى الله في مسألته، بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بِما يكفيه لم يُدرِك الغِنى أبداً؛ يا هشام، إن كان يُغنِيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يُغنِيك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يُغنِيك؛ يا هشام … قال الحسن بن علي (عليه السلام): إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها، قيل: يا ابن رسول الله ومن أهلها ؟ قال: الذين قصّ الله في كتابه ذكرهم، فقال:”إنّما يتذكّر أولو الألباب” قال: هم أولو العقول”.

يتحدّث الإمام الكاظم (عليه السلام) في هذه الوصيّة عن مفهوم له ارتباط وثيق بحياتنا الاجتماعية في هذه الدنيا وهو كيفيّة تحصيل الغنى الحقيقي للنفس الإنسانيّة, والذي لا يكون من خلال المال بل القناعة بما قسمه الله تعالى لنا من رزق في هذه الدنيا.

كيف تستغني النفس؟: غنى النفس يتحصل عبر المجاهدة لها بالدرجة الأولى، والقناعة بالدرجة الثانية، ويعتمد هذان الأمران على أمرين آخرين أساسيين هما:

1- كمال العقل: وهذا ما أشار له الإمام الكاظم (عليه السلام) في الوصيّة؛ فمن تمام العقل أن يقنع المرء بما قسم الله تعالى له من الرزق، وأن يكتفي بما بين يديه ممّا هيّأه الله تعالى له، ويقطع الطمع والنظر لما في أيدي الناس وإتعاب قلبه بما لا يدرك؛ وقد أشار الإمام (عليه السلام) في آخر الحديث هذا إلى أنّ من لا يقنع بما لديه وتتطلّع عيناه لما في أيدي الآخرين ودنيا غيره، فإنّه لن يدرك الغنى أبد، لأنّه لا حدود لطمع الإنسان، فإنّه وإن أدرك هذه الدنيا التي في أيدي غيره فسرعان ما سيطمع في الدنيا التي هي أكبر منها، أو يطمع في دنياهم لأنّها فوق تصوّره أو أرقى من طموحه؛ وهكذا كلما وصل لدنيا طمع في الأكبر منها، ولهذا أوصانا أئمة أهل البيت عليهم السلام بترك الطمع بما في أيدي الناس، فعن الإمام الصادق (عليه السلام):”إن أردت أن تقرّ عينك وتنال خير الدنيا والآخرة، فاقطع الطمع عمّا في أيدي الناس”.

2- ترك الانكباب على الدنيا: فالانكباب على الدنيا وشغل النفس بها في الليل والنهار يشتِّتُ بال الإنسان، ويصرفه عن التفكر في خير آخرته، ويسلب من قلبه القناعة، بينما ترك الاهتمام بها والانكباب عليها في الليل والنهار، والإقبال على همّ الآخرة، يخلق القناعة والغنى في القلب، ففي الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام):”من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه جعل الله تعالى الفقر بين عينيه وشتّت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همّه جعل الله تعالى الغنى في قلبه وجمع له أمره”.

الطلب من الناس: في مقابل غنى النفس وزهدها عمّا في أيدي الناس، هنالك الطلب، فكثير من الناس يسعى لنيل حاجته بالطلب والسؤال، وهذا ما تعرّضت له الروايات الكثيرة محدِّدة موقفاً سلبياً منه، حيث اعتبرته بالدرجة الأولى مذّلةً للنفس، فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام):”طلب الحوائج إلى الناس مذلة للحياة، ومذهبة للحياء، واستخفاف بالوقار، وهو الفقر الحاضر، وقلّة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر”.

من نسأل؟: نسأل الغني المطلق الذي يملك حوائج السائلين من العباد، وهو أرحم الراحمين وخير المعطين، من لا يوقفنا على بابه، بل ترك لنا باب دعائه مفتوحاً، في أيّ لحظة نلجأ إليه ولم يحتجب عنا بحاجب سوى ما نصنعه نحن من قبائح الذنوب، فهو الأحقّ بالمسألة لأنّه خالق كلّ شيء ومليكه وبيده أن يسخّر الأرض والسماء وكلّ الخلق لإرادته وأمره، فعن الإمام علي (عليه السلام):”لا تسألوا إلا الله سبحانه، فإنّه إن أعطاكم أكرمكم، وإن منعكم خار لكم”.

وأخيراً فإنّ وصيّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسلم وأهل البيت (عليهم السلام) لنا بأن نستغني عن الطلب قدر الإمكان وقدر ما نحمل من صبرٍ وتحمّل، فإنّ بعد العسر يسراً وأن الغنى الحقيقي لا يتحصّل إلا من عند الله عزّ وجلّ.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق