الحرب الناعمةالدفاع و الامن

بعد الحرب الناعمة.. عالمنا العربي إلى الجيل الرابع من الحروب – الجزء الثاني


أهم استراتيجيات الحرب الجديدة:

أ- الاستنزاف المتواصل لطاقات الخصم وسلب حيويته وإشعاعه وبالعموم ضرب وإضعاف موارده الناعمة.

ب- الضغط والتشهير المتواصل على مرتكزات ورموز وملامح وصورة ونفسية وعقل الخصم بدون أي توقف بهدف تحقيق الإرهاق والإرباك وخلخلة الأركان.

ج -الدعم العلني لتيار على حساب تيار آخر والتقييم الفئوي لساحة الخصم بهدف خلق بيئة من الاتهامات المتبادلة وإيجاد فرز واستقطاب يسمح بالدخول على الخط والتلاعب.

د -إستغلال نقاط الضعف في بعض الشخصيات القيادية في جبهة الخصم لخلق توترات وحساسيات وعداوات مع الشخصيات المنافسة وتسعير حمى الصراع على المواقع عبر تسريب الإشاعات والأخبار وتضخيم صورة بعض الشخصيات وخاصة المعارضة وصناعة نجوميتها الإعلامية والجماهيرية.

ه- خلق بيئة سياسية وشعبية وإعلامية متوترة من خلال الجدل والمناقشة في قضايا وموضوعات فكرية وسياسية حساسة تؤدي إلى إحداث تناقضات وحساسيات بين أطياف المجتمع .

و- استدراج التيارات المتطرفة إلى الملفات السياسة العامة بما يؤدي إلى توريطها بأزمات سياسية مع غيرها من التيارات وإبعادها عن هدفها المركزي في مواجهة الغرب.

ز– تنويع مصادر البث الإعلامي وخلق ونشر قنوات ومؤسسات إعلامية شعبية وخاصة على شبكة الإنترنت حيث يسهل استدراج جيل الشباب، وهذا ما اسماه جارد كوهين رئيس قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية بسياسة “الديمقراطية الرقمية حيث أن جيل الشباب يتقبل تأثيرات السياسات والأفكار بسرعة من خلال بوابات ومنافذ تكنولوجيا الاتصال والإعلام”.

ز– إنشاء ودعم جمعيات ومؤسسات مدنية وشبابية ونسائية وثقافية تحت شعار قوى المجتمع المدني لإضعاف القوة المعادية وإيجاد بدائل لها على المدى البعيد، وذلك بموجب قانون أمريكي يدعم ” المنظمات الديمقراطية والشبابية “.

ح- تدريب أفراد وشبكات ومؤسسات للتحرك على شبكة الإنترنت بهدف رفد القنوات الإعلامية العالمية بالمادة المطلوبة للتشهير والتشويه وقد صدر قانون في الكونغرس الأمريكي لتقديم الدعم “لضحايا الرقابة على شبكات الإنترنت

ط- تقليص الوجود العسكري وزيادة الوجود المدني والإعلامي والاستخباراتي في الدول المستهدفة .

الأسلوب الناعم في إدارة دفة الأحداث:

بعد تشكيل التصورات العامة والبيئة السياسية لساحة الخصم يتهيأ المسرح للكثير من الأحداث والأعمال والإجراءات اللاحقة من قبل الوكالات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية والسياسية، وتبدأ النتائج بالظهور عادة خلال المناسبات والأحداث المؤثرة – كالانتخابات مثلاً – حيث نشهد انعكاسات هذه التأثيرات والعمليات، لأن العدو لن يجد أفضل منها فرصة لاستغلالها والنفوذ من خلالها لتحريك عملائه وقواعده وسياساته وأجهزته، فالقاعدة التي تعمل عليها فلسفة الحرب الناعمة هي الأسلوب الناعم في اجتذاب الناس نحو البيئة والسياق والفخ السياسي المستهدف في إطار وغلاف وظرف “ديمقراطي” أو تحت شعار مطلبي أو إصلاحي ملائم، وهذا أسهل من إرغام الناس على تنفيذ التوجيهات المباشرة بصورة فجة وصريحة وكخلاصة “إدارة دفة الأحداث بأسلوب ناعم وبدون أي بصمات.

هل أدخلنا هذا الأسلوب الناعم في مرحلة جديدة لم نعد نعرف لها من تعاريف عسكرية؟ يبدو أن الحروب التي تدور في بلداننا اليوم وبأدوات في منتهى الخطورة، بدءاً بصناعة وانتشار ظاهرة الإرهاب المرعبة في ما بين الواقع والعالم الافتراضي، وقوائمها وتشريعاتها الخطيرة، وأدواتها غير المحصورة في الدين والإعلام والتكنولوجيا فقط، وانتهاءاً بقائمة الدويلات الفاشلة المفتتة الجاهزة لإلغاء سيادتها وتسليم إرادتها الكاملة إلى الخارج، يبدو أنها صناعة محكمة بتخطيط فائق الذكاء وبأدوات في منتهى الخطورة.

لقد دفع العراق منذ تسعينات القرن الماضي (بعد حروب أميركا اللاتينية في السبعينات) وما يزال ثمناً باهظاً في النموذج الأقوى لما يطلق عليه الجيل الرابع من الحروب، وبعد ليبيا وسوريا واليمن لم تعد حالة الحرب مقتصرة على العراق، بل معظم عالمنا العربي. فماذا يعني الجيل الرابع من الحروب؟

الجيل الرابع من الحروب

إذا كان الجيل الأول من الحروب المعروفة هو الحروب التقليدية، والثاني تمثل في حروب العصابات، فقد شكلت الحروب الوقائية أو الاستباقية – التعبير الذي اعتمدته قوى الغرب بعد احداث 11 سبتمبر / أيلول 2001 – ، أما اليوم فالمتداول من التعريفات هو الجيل الرابع من الحروب وهو ما يسمى بـ”الحروب اللاتماثلية ” Asymmetric Warfare”، والتي اصطلح على تعريف لها في “ويكيبيديا” بأنها تتميز باللامركزية، أي حرب دولة ضد لا دولة، حرب جيش نظامي ضد “تنظيمات منتشرة حول العالم وهذه التنظيمات محترفة وتملك إمكانيات ممتازة ولها خلايا خفية تنشط لضرب مصالح الدول الأخرى الحيوية”.

“الحروب اللاتماثلية ” Asymmetric Warfare”، تتميز باللامركزية، أي حرب دولة ضد لا دولة، حرب جيش نظامي ضد “تنظيمات منتشرة حول العالم

الحرب اللاتماثلية تسمية أطلقها البروفيسور ماكس مايوراينغ، في “المؤتمر السنوي لأمن نصف الأرض الغربي” بمعهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل بتاريخ 2012/8/13 وهو أستاذ باحث في الاستراتيجيات العسكرية، عمل بالمخابرات العسكرية الأميركية، وبمعهد الدراسات الاستراتيجية (SSI) وكلية الحرب للجيش الأميركي، ووصف مايوراينغ هذه الحرب بالخطوات التالية:

1- الحرب بالإكراه، أي أن على العدو قبول الحرب رغما عن إرادته. ولتحقيق هذا العنصر يجب النجاح في عمليات طويلة أهمها “الإنهاك والتآكل ببطء ولكن بثبات لإرادة الدولة المستهدفة من أجل اكتساب النفوذ (gaining influence) وإرغام العدو على التنفيذ بالإكراه… وأحيانا يكون التدخل دمويا كما حدث في عملية الصدمة والرعب الذي ضرب بغداد، أو غير دموي كما في الحرب الكورية، والهدف هو الوصول إلى نقطة التأثير على العدو”.

2- زعزعة الاستقرار (Destabilization) دون جيوش.

3- استخدام قوات غير نظامية من الرجال والنساء والأطفال من المواطنين ومتعددي الجنسيات، مؤكدا أن “زعزعة الاستقرار ممكن أن تأخذ صورا متعددة، مثلا بواسطة مواطنين من دول العدو”.

4- استخدام القدرات العقلية، أو ما وصفه أيضا بـ“القوة الذكية” Intelligent Power وليست قوة النيران، وأعطى المحاضر مثالا على ذلك قائلا “إن جدار برلين لم تسقطه الدبابات والمدفعية بل أسقطه المارك الألماني”، وفي هذا “تُستخدم وسائل الإعلام الجديد والتقليدي ومنظمات المجتمع المدني والمعارضة والعمليات الاستخبارية والنفوذ”.

5- خلق الدولة الفاشلة، أي إفشال الدولة من أجل “فرض واقع جديد”، وأكد أهمية عدم استعمال هذه الكلمة (الدولة الفاشلة) للحفاظ على العمل بدبلوماسية وعدم استفزاز الطرف الآخر، وإن بعضا من هذا العنصر ينحصر في جعل جزء من الدولة لا يخضع لسيادتها، وإعطاء هذا الجزء تسمية “إقليم محكوم”، ولكن الدولة ليست هي من يتحكم فيه، بل مجموعات غير تابعة للدولة، وهي مجموعات محاربة وعنيفة وشريرة، وأحيانا مبهمة.

6- وبعد خلق الدولة الفاشلة يمكن التدخل والتحكم فيها “وأبعد من ذلك” مؤكدا ضرورة عدم ترك هذه الدولة ليختطفها الآخرون.

وذكر البروفيسور مايوراينغ أيضا أن هذه الخطوات عندما “تكون جيدة والمدة كافية ببطء كاف وباستخدام الطابور الخامس”، فالنجاح يكون مؤكدا، وشبّه كل ذلك بالمثل القائل “يذهب العدو للنوم، ويستيقظ ميتا”.

بعد الحرب الناعمة يدخل عالمنا العربي، بالإكراه، الجيل الرابع من الحروب، الحرب اللاتماثلية، وبعضٌ من حقيقة أحداثها لعبت وسائل الإعلام فيها دوراً خطيراً لتوجيه الرأي العام بعيدا عن الحقيقة، فهذه الأحداث الخطيرة لا يمكن إلا أن تكون مرسومة ومخططا لها مسبقاً في الغرف المغلقة. ما يجعلنا نؤكد مقولة فرانكلين روزفلت، الرئيس الأميركي الأسبق “لا شيء يحدث على سبيل الصدفة في عالم السياسة، وإذا حدث فاعلم أن ذلك مخطط له كي يظهر وكأن كل شيء قد حدث على سبيل الصدفة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق