الحرب الناعمةالدفاع و الامن

بعد #الحرب_الناعمة.. عالمنا العربي إلى الجيل الرابع من الحروب – الجزء الأول


العميد م. ناجي ملاعب –

عرّف مايكل آيزنشتات، الباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والعسكرية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، الحرب الناعمة بأنها “استخدام الأقوال والأفعال والصور الإنفعالية كجزء من حملة تواصل إستراتيجي طويلة المدى لتشكيل الحالة النفسية لبلد معادٍ”. وحدّد أن نسبة الأقوال والتصريحات الإعلامية يجب أن تشكل 20% من حملة التواصل الإستراتيجي الناعمة، في حين تتشكل 80% الباقية من برامج وأفعال وتحركات ملموسة على الأرض.

ويقول جوزيف ناي – أستاذ العلوم السياسية ومساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في إدارة كلينتون والذي اشتهر بابتكاره مصطلحي القوة الناعمة والقوة الذكية – “القوة الناعمة هي القدرة على تشكيل تصورات الآخرين” وهي “الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً عن الإرغام أو دفع الأموال”. وتنشأ القوة الناعمة من الجاذبية الثقافية لبلد ما، والمثل السياسية التي يحملها، والسياسات التي ينتهجها في الواقع. ويفصل ناي تلك القوة إلى ثلاثة أشكال وأنواع “القوة الاقتصادية والقوة الصلبة العسكرية والقوة الناعمة الخفية ” وعلى هذا الأساس فالقوة الصلبة لا تنفصل عن القوة الخفية والقوة الاقتصادية، وهذه القوى الثلاثة تشكل أبعاد وزوايا القوة والتفوق والهيمنة والسيطرة في السياسة الدولية.

ينبغي لمن يتصدى للعمل في الإستراتيجيات والسياسات الدولية أن يعرف أن “جدول أعمال السياسة العالمية قد أصبح اليوم مثل لعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد لا يمكن الفوز بها إلا إذا لُعبت بطريقة عمودية وأفقية”. ومشكلة بعض اللاعبين والزعماء – كما يراها راي – أنهم لا يستطيعون اللعب إلا في اتجاه أو بعد واحد أي إما إعلان وشن الحروب العسكرية أو فرض العقوبات الاقتصادية.

ويتابع جوزف ناي، فيقول “إن سياق القوة قد تغير بفعل عوامل لها صلة بالعولمة وانتشار وسائل الإعلام والاتصال والمعلومات ويقظة المشاعر القومية والإقليمية وعدم ردعية السلاح النووي وضمور وضعف شهوة الغزو والاستعمار العسكري لدى الدول الكبرى ما أدى إلى تغيير وتبدل في أشكال القوة، لأن معادلات القوة لا تعمل إلا في السياق والإطار الذي توجد فيه علاقات وموازين القوة. فالدبابة لا تصلح لحرب المستنقعات والغابات، والصاروخ والمدفعية لا يصلحان لجذب وكسب الآخرين.

والحرب الناعمة لا تشن للتأثير والدعاية والتلاعب بالرأي العام والإقناع السياسي – ولو بدون توفّر أدلة ذات صدقية كما كان يعرفها قسم الحرب النفسية والدعاية في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أثناء الحرب الباردة – فهذه من وظائف الدعاية الكلاسيكية التي انتهت صلاحيتها ولم تعد تجدي نفعاً في عصر العولمة والمعلومات لأن توسع وسائل الإعلام وانتشارها بين أيدي الجميع وظهور لاعبين من غير الدول عدل مفهوم المصداقية في الخطاب السياسي للدول، ومنع احتكار الدول لسلطة المصداقية هذه، ما أدى، وفق تحليلات راي، إلى القفز نحو اتجاهات ووظائف جديدة أنتجت الحرب الجديدة بحيث أصبحت وظائفها تقوم على “تشكيل التصورات العامة” و”بناء البيئة السياسية الملائمة لترسيخ قواعد السياسات المطلوب تثبيتها وتمريرها والتسويق لها” و “نزع الشرعية والمشروعية والصدقية عن الخصم” و “تغيير شخصية النظام والقيادة لدى الخصم” و “قلب الحقائق وتحويل نقاط القوة إلى نقاط ضعف ومن فرص إلى تهديدات”.


كل دولار يُصرف في مجالات القوة الخفية أفضل وأجدى بأضعاف من صرف 100 في مجالات القوة الصلبة

ومن ناحية أخرى، يشهد الباحثون للقوة الخفية في عالم اليوم بأنها الأكفأ والأفعل على توفير القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج والأهداف المتوخاة بدون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للعوامل والوسائل العسكرية والصلبة، وهي الأقدر على تشكيل تفضيلات وخيارات الآخرين وجدول أعمال الآخرين السياسي، وكل دولار يُصرف في مجالات القوة الخفية أفضل وأجدى بأضعاف من صرف 100 في مجالات القوة الصلبة.

كما أن نوعية الطرف الذي يتولى عمليات الحرب الناعمة مهم جداً، فإذا كان طرفاً مباشراً فحساسية الجمهور تجاهه أكبر، وبناء عليه فتمرير الرسائل بطريقة غير مباشرة أهم من الظهور المباشر الذي أصبحت تتحسس منه النخب والجماهير. ولهذا نرى منظر الحرب الناعمة قد ركز كثيراً على ضرورة العمل عبر “الوكلاء” فهذا أهم وأفعل من مباشرة التأثير العلني، وهذا جزء من الطبيعة المخادعة والماكرة للحرب الناعمة.

العمل عبر “الوكلاء” أهم وأفعل من مباشرة التأثير العلني، وهذا جزء من الطبيعة المخادعة والماكرة للحرب الناعمة

ويحتاج الإعلام والثقافة والدبلوماسية – وهي أهم أدوات القوة الناعمة – كي تتحول إلى عملية مؤثرة في البيئة السياسية للخصم إلى سياق ومناسبة خاصة وظرف خاص في قيادة عملية
تنظيمية معقدة، لإدارة وتركيز وتنظيم الحملات ولأجل اختيار التوقيت وتنسيق الجهود، وهذا يحتاج إلى قيادة وغرفة عمليات موحدة تتولى منع تضارب السياسات والتحركات
والتنسيق بين مختلف الأنشطة والأذرع التي تتولى تنفيذ هذه العمليات، حيث أن هناك عشرات الجهات تتولى هذه الحرب.

كما أن الحرب الناعمة تعتمد على رفع شعارات ومطالب الناس واستغلالها، فلا يمكن للحرب الناعمة أن تنجح إذا ما رفعت شعارات وتبنت سياسات معادية بالظاهر لمصالح الدولة المستهدفة، فالقوة الناعمة بالعمق تقوم على رفع شعارات وقضايا مرغوبة ومحبوبة والبحث عن قيم مشتركة مع الطرف المستهدف مثل ( الديمقراطية / حقوق الإنسان / السلام / الحريات / الفرص / الازدهار / الاستقرار / الخ) وهذا ما أكده جوزيف ناي بقوله الخطير “لا يمكن لأي حملة تواصل استراتيجي مهما كبرت وتوسعت ولا لأي قوة ناعمة أن تؤثر وهي تروج شعارات ومطالب غير مرغوب بها شعبياً في ساحة الخصم”.

أليس هذا ما نراه ونسمعه ونرفعه من شعارات على مساحة عالمنا العربي اليوم؟

“كل هذه الوظائف لم تكن معهودة بهذا التركيز والتكثيف كما هي اليوم”، يقول الكاتب بروس بمبر في كتابه: الديمقراطية الأميركية وثورة المعلومات. ويضيف “وهنا تفترق الدعاية والحرب النفسية عن الحرب الناعمة. أن الحرب الجديدة لا تعد منهجاً جديداً في مناهج الحرب النفسية والدعاية، بل هي تطور في الوظائف ناجم عن التطور الكمي والنوعي الهائل في وسائل ووسائط الاتصال والإعلام، بل يمكن اعتبارها إفرازا طبيعيا وحتميا مرتبطا بسعة انتشار وتوسع الجيل الرابع من وسائط تكنولوجيا الاتصال والإعلام (الفضائيات / أجهزة الاتصال الخليوية الرقمية / مواقع وصفحات الإنترنت / شبكات التواصل الاجتماعي).

الحرب النفسية

في حين كانت الحرب النفسية والدعاية توجه بشكل أساس نحو كتل منظمة ومتراصة ومتماسكة وصلبة مثل الجيوش والحكومات والمنظمات التي كانت تسيطر وتهيمن بصورة كلية على وعي وميول الرأي العام نظراً لامتلاكها الاحتكاري والفكري لوسائل الاتصال والإعلام والدعاية التقليدية (إذاعات وتلفزيونات حكومية محدودة / صحف حكومية وشبه حكومية / قنوات حكومية مع بعض أجهزة التلفزيون والشاشات محدودة العدد والتي كانت متوفرة بين الناس بحيث كان يمكن لأجهزة الدولة حصرها وإحصاؤها ومعرفة أصحابها بالاسم لأسباب أمنية سلطوية وإيديولوجية ونظرا لكلفتها الاقتصادية وندرتها في السوق). وفي حين ترتكز الحرب النفسية والدعاية التقليدية على إرغام العدو وتدمير إرادته ومعنوياته بصورة شبه مباشرة وعلنية، تركز الحرب النفسية والدعاية الجديدة على الاستمالة والجذب بدون أن تظهر للعيان وبدون أن تترك أي بصمات، كما يختلفان في كمية ونوعية الوسائل المستخدمة، حيث تعاظمت وتوسعت الأدوات الإعلامية والاتصالية لدى الرأي العام في الوقت الراهن، بحيث إن الوسائط والأدوات المستخدمة في الحرب أصبحت في متناول الجميع بلا استثناء ودخلت إلى كل البيوت 24 / 24 ساعة من خلال شاشات التلفزيون والإنترنت والهواتف الخليوية بحيث أغرقت الدول بالمقروآت والمسموعات والبصريات والأخبار والمنتجات الإعلامية بلا أي قيود رقابية في ظل عولمة إعلامية وثقافية ومعلوماتية فورية ومفتوحة ومتفاعلة ومترابطة بشكل لا سابق له وبأثمان وتكاليف مالية مجانية أو شبه مجانية، فهدف الحرب النفسية والدعاية في الحرب الجديدة هو نفسه في الحرب التقليدية لجهة قصد تطويع إرادة الخصم أو العدو (الدول والنظم والرأي العام والمنظمات والجماعات) ولكن الأختلاف يقتصر على الأساليب والوسائل.


تكنولوجيا الاتصال والإعلام غيرت مفهوم الحرب النفسية في الحرب الجديدة إلى حرب ترغيبية جاذبة

لقد نجح ذلك الإعلام في التلاعب بالقلوب والعقول، في حرب نفسية خطيرة مسخّراً لها كل وسائل التكنولوجيا التقليدية والحديثة، في تحويل الفرد في عالمنا العربي إلى أداة من أدوات نجاح تلك الحرب ضد نفسه. وما كانت تلك الحروب لتنجح من دون عناصر جديدة تعتمد الخداع وتحين الفرص والحمـلات المنظمة، لذا فإن تنفيذ وظائفها ذات الطبيعة الحساسة ووضعها موضع التطبيق يتطلب موارد وطاقات وجهوداً بشرية كبيرة، وتخطيطاً وتحليلاً سياسياً لتوجيه الأحداث، ومراكز أبحاث وأجهزة توفر المعلومات والمعطيات، وإمكانات تكنولوجية واتصالية وإعلامية ضخمة، ومهارات وخبرات وصبرا إستراتيجيا نفسا طويلا وغرفة عمليات تتولى التنسيق لأجل تضافر مجموعة من العناصر والأركان كي تكتمل وتتوفر شروط نجاح هذه الحرب.

عناصر نجاح الحرب النفسية:

1- خلق وابتكار وتنسيق مواد ورسائل وأفكار وشعارات سياسية وإعلامية وثقافية ودبلوماسية.

2- بناء علاقات وتوفير وسطاء يقومون بوظيفة تسويق وترويج الأفكار والأخبار والتحليلات والتوجيهات السياسية والثقافية والإعلامية…

3- تجهيز وتخصيص منافذ وبوابات وقنوات إعلامية وتواصلية وسفارات.

4- بناء علاقات مع كوادر إعلامية ومنظمات وشبكات انترنت ونخب وقوى ومؤسسات عامة وقوى مجتمع مدني وشخصيات ذات تأثير عام.

5- التوجه الى جمهور ونخب تتلقى وتستجيب لمضمون هذه المواد والرسائل في الظرف والمناسبة ضمن سياق ملائم.

6- إدارة وتنسق الأنشطة والاتصالات وتوزع الأدوار والشعارات بواسطة غرفة عمليات موحدة وفقا لتخطيط سياسي عالي المستوى.

وتعتمد الحرب الجديدة أيضاً على معادلات استعلامية تأخذ بعين الإعتبار من يتواصل مع من وتحت أي ظرف “ومن هي الرواية الفائزة بنظر الجمهور والرأي العام، لأن المنتصر في الحرب الجديدة هو من تفوز روايته للأحداث” وهذا ما نراه اليوم بقوة في احداث الثورات العربية، حيث يندر أن يأتي يوم لا نسمع فيه كلاما عن الشرعية ونزع الشرعية عن هذا النظام وذاك الرئيس، والرواية الرسمية الفلانية ورواية المعارضة المقابلة، وهذا جانب من جوانب الحرب الجديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق