تحقيقات

بوتين يكسب اولى نقاطه السياسية بعد تدخله في سوريا

طوني خوري – خاص النشرة

5543263_1445669463[1]

عصافير كثيرة اصابها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حجر واحد: التدخل العسكري في سوريا. وفي حين اعتقد الكثيرون ان خسائره السياسية ستفوق بكثير اي انتصار ميداني قد يتحقق لحلفائه بفضل صواريخه، استمر عنصر الـ”كاي. جي. بي” السابق في مخططه، وها هو قد بدأ بكسب اولى نقاطه السياسية بفضل ما قام به.
لا شك ان بوتين تعمّد نشر استطلاع للرأي اظهر تمتعه بما يقارب 90 في المئة من آراء المستطلعين حول سياسته التي ينتهجها، ومنها بالطبع تدخله في سوريا(1). هذا الاستطلاع اسكت اي محاولة لمحاربة بوتين في الجبهة الداخلية في روسيا، لان الروس يتوقون لاستعادة دور “الاتحاد السوفياتي” وفرض انفسهم كدولة عظمى تضاهي الولايات المتحدة الاميركية، وهو امر ليس بسرّ لان شعبية الرئيس الروسي غالباً ما تزداد حين يكون هناك تدخل عسكري خارج روسيا وهو ما ظهر بوضوح في اوكرانيا وقضية القرم.
وبعد ان طوى الصفحة الداخلية، بدأ بوتين يقطف ايضاً ثمار السياسة انما على الصعيد الخارجي، حيث كانت البداية باعتراف شبه جامع بأحقيّة جلوس الرئيس السوري بشار الاسد على طاولة المفاوضات النهائية التي ستؤدي الى حل سلمي للازمة السورية، بعد ان كان القرار متخذاً وبالاخص من قبل تركيا والسعودية واوروبا بوجوب اقصاء الاسد عن اي مشاركة في المفاوضات.
صحيح ان الرئيس السوري قد لا يبقى في السلطة لوقت طويل، ويحكى عن فترة انتقالية سيعمد بعدها الى انهاء حياته السياسية، ولكن على الاقل فإن الرهان الروسي-الايراني (والصيني الى حد ما) صمد ولم يذهب الاسد بسبب ضغط اميركي-اوروبي-اقليمي، بل عبر حل شامل يمتد لسنوات.
من الثمار أيضًا، مكسب سياسي آخر وضعه بوتين في جعبته وتمثل بـ”سلب” السعودية حصرية القرارات في ما خص الدول العربية في المنطقة، مع الحرص على عدم تجريدها من “هيبتها” ومكانتها لدى العرب. والاصرار الروسي على المحافظة على “هيبة” السعودية تجسّد من خلال التنسيق الذي اظهرته موسكو مع الرياض عند تدخلها العسكري، وهو هدف ايضاً الى ابعاد شبهة وقوف روسيا الى جانب الشيعة ضد السنّة، بما يؤدي الى حد ما، الى سحب اي ذريعة لتحركات سنّية انتقامية في القوقاز والشيشان.
وعلى الرغم من تعاونها الوثيق مع ايران، لا يهم روسيا ان تظهر وكأنها تريد الغاء الدور السعودي او ان تكون طرفاً في الصراع الدائر بين البلدين. ولكن الحنكة الروسية سمحت بسحب احادية القرار في المنطقة من يد السعودية، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال اصرار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على اشراك دول المنطقة في اي قرار سياسي حول سوريا(2).
يدرك بوتين ان دخول قوة كبرى على الخط الميداني في سوريا، من شأنه ان يضع في يدها الكثير من الكرات وعليها ان تتعامل معها بدبلوماسية وحنكة عالية، وبدقة لامتناهية كي لا تلقى مصيراً لا ترغب فيه او تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه قد يضطرها الى تغيير جذري في سياستها، وهو ما لا يمكنها ان تتحمله خصوصاً في الشرق الاوسط.
روسيا اتت الى الشرق الاوسط لتبقى. هذه هي المعادلة التي على الجميع ان يتقبلها لسنوات طويلة، وهي ستكون مسؤولة بشكل مباشر عن كل ما ستشهده المنطقة.
(1)بتاريخ 22/10/2015، نشرت وسائل الاعلام استطلاعاً للرأي اجرته مؤسسة “فتسيوم” واظهر ان نسبة التأييد لبوتين بلغت 89.9 في المئة في تشرين الاول بدلا من 89.1 في المئة في حزيران. وكانت المؤسسة قد قالت ان نسبة تأييده في كانون الثاني 2012 بلغت 58.8 في المئة.
وأضافت: “هذا التأييد العالي لآداء الرئيس الروسي مرتبط بالدرجة الاولى بالاحداث في سوريا والضربات الجوية الروسية للمواقع الارهابية هناك”.
(2) بتاريخ 22/10/2015، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف:  إننا واثقون من أنه لا آفاق للمحاولات الرامية إلى إنشاء مجموعة خارجية داعمة للتسوية السورية دون مشاركة إيران، كما أننا واثقون أن من المهم مبدئيا انضمام مثل هذه المجموعة في الظروف الراهنة مصر وقطر والإمارات والأردن”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق