الدفاع و الامن

قصة الحركة الاستخباراتية المتزايدة في لبنان

الديار

تكثفت في المدّة الأخيرة الأحاديث عن حركة إستخباريّة نشيطة على الساحة اللبنانية، وذكرت بعض التقارير أنّ عدد عملاء أجهزة الإستخبارات غير اللبنانيّة الذين ينشطون في لبنان بلغ نحو 7,000 عميل. فهل هذه التقارير دقيقة وصحيحة أم أنّها مُجرّد أقاويل وإشاعات لإثارة البلبلة؟
مصادر أمنيّة مُطلعة أكّدت أنّ الحركة الإستخباريّة العربيّة والغربيّة في لبنان هي حالياً أعلى ممّا كانت عليه في أيّ وقت سابق، لكنّها نفت كل ما يُحكى عن أرقام، واصفة الأمر بمجرّد تقديرات فرديّة وتحليلات صحافيّة لا أكثر. وأضافت ساخرة: «بمجرّد أنّ يُصبح أيّ عميل إستخباري معروفاً وعرضة لإدراجه في لائحة إحصائيّة، فهذا يعني تلقائيّاً إنكشاف دوره وإنتفاء فاعليّته بشكل كامل!». وأوضحت المصادر نفسها أنّ عملاء أجهزة الإستخبارات الفعليّين هم أشخاص مُتغلغلون داخل المُجتمع، ويعملون في مهن ووظائف لا تُثير أيّ شبهة من قبل المحيطين بهم، بحيث لا تكون لهم أيّ علاقة ظاهرة بأنشطة أمنيّة أو إستخباريّة، بل العكس هو الصحيح!
وطالما أنّ الأمر كذلك، وردّاً على سؤال بشأن كيفيّة التحدّث عن إرتفاع الأنشطة الإستخباريّة الأجنبيّة في لبنان في الفترة الأخيرة، طالما لا يُمكن معرفة وتحديد العملاء، لفتت المصادر الأمنيّة المُطلعة إلى أنّ المسألة تحليليّة محض، لكن بناء على مُعطيات لا يملكها الجميع. وأضافت أنّه في هذا السياق، يُمكن تعداد ما يلي:
أوّلاً: ملاحظة نشاط مُتزايد لمسؤولين أميركيّين يزورون السفارة الأميركيّة ويلتقون مسؤولين أمنيّين لبنانيّين، بالتزامن مع تسجيل عودة حركة الطوافات الأميركيّة العسكريّة التي تحطّ في مهبط السفارة في عوكر بشكل لافت. وقالت المصادر الأمنيّة نفسها إنّ الحركة الأمنيّة الأميركيّة المُتزايدة تتمّ تحت عناوين مُختلفة، منها مثلاً التنسيق مع القيادة الأمنيّة اللبنانيّة في إطار التعاون العسكري الثنائي، ومنها أيضاً مُكافحة التنظيمات الإرهابيّة وإفشال مُخطّطاتها إستباقياً، ومنها كذلك الأمر إستكشاف الإجراءات الأمنيّة الخاصة بالمنطقة التي ستنتقل إليها السفارة الأميركيّة الجديدة والتي هي أكبر على صعيد المساحة الجغرافيّة مُقارنة بالسفارة الحاليّة، ومُحصّنة بشكل أفضل أيضاً. وأضافت المصادر إنّ الهدف الفعلي من الحركة الأميركيّة هي عدم إخلاء الساحة لباقي الأجهزة الأمنيّة التي زادت أنشطتها في الشرق الأوسط، ومنها لبنان، بعد تنامي الدورين الإيراني والروسي في سوريا، وتأمين قاعدة خلفيّة للتحرّي وجمع المعلومات عن كل ما يخدم الضربات الجويّة في العراق وسوريا، وكل ما يفيد المفاوضات والضغوط السياسيّة المُواكبة لهذه الأنشطة العسكريّة.
ثانياً: ملاحظة نشاط إستخباري مُتزايد لمسؤولين أوروبيّين عُموماً، وفرنسيّين بالتحديد، جزء منه يتمّ بالتنسيق مع المسؤولين اللبنانيّين وذلك تحت ستار توفير أعلى حماية مُمكنة للقوات الأجنبيّة العاملة في الجنوب ضمن قوّات الأمم المتحدة، وذلك خوفاً من أيّ عمليّات إرهابيّة مُحتملة ضُدّها ردّاً على مُشاركة الطيران الحربي الفرنسي وبعض الطيران الحربي الأوروبي في الغارات على معاقل تنظيم «داعش» وغيره من الحركات الإرهابيّة في كل من العراق وسوريا. وبعض الحركة الأوروبيّة الإستخباريّة تهدف أيضاً للمساعدة في كشف خُيوط قضيّة خطف التشيكيّين الخمسة في البقاع منذ تمّوز الماضي. ولفتت المصادر الأمنيّة المُطلعة عينها إلى أنّ باريس التي تراجع حُضورها السياسي وثقلها الدَولي في المنطقة، نتيجة إستبعادها عن المُشاركة الفاعلة في حركة التفاوض القائمة في الشرق الأوسط وملفّات المنطقة ومنها ملفا سوريا ولبنان، تُحاول إستعادة جزء من هذا الدور من البوّابة الأمنيّة في المنطقة، وذلك بحجّة مُكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعيّة إلى أوروبا، والعمل على تقويض الحركات الإرهابيّة في مهدها. وأدرجت المصادر ما يتردّد عن إحتمال إنشاء قاعدة عسكريّة فرنسيّة في لبنان في المُستقبل غير البعيد في هذا الإطار، قائلة: «كل شيء وارد في حال الحصول على الموافقة من السلطات اللبنانيّة».
ثالثاً: ملاحظة نشاط إستخباري مُتزايد للسفارة الروسيّة في بيروت بداعي مُساعدة السلطات الأمنيّة على توفير الحماية للمصالح الروسيّة المختلفة في لبنان، إن كان الدبلوماسيّة أو الثقافيّة، والتي صارت كلّها مُهدّدة بشكل جدّي منذ تفعيل المُشاركة العسكريّة الروسيّة في الحرب السوريّة، إعتباراً من 30 أيلول الماضي، عندما بدأ الطيران الروسي يشنّ عشرات الغارات يومياً على مواقع الجماعات المُسلّحة المناهضة للنظام السوري. ولفتت المصادر إلى أنّ الحركة الأمنيّة الروسيّة تدخل في السياق الطبيعي لنموّ التواجد العسكري الروسي في سوريا والبحر الأبيض المتوسّط، بحيث لم يعد من المُمكن أو المنطقي إهمال الساحة اللبنانيّة.
رابعاً: ملاحظة نشاط إستخباري مُتزايد لبعض الدول الخليجيّة بحجّة العمل على مُساعدة القوى الأمنيّة اللبنانيّة على كشف أيّ عمليّات إنتقاميّة ضدّ السفارات والقنصليّات والبعثات الدبلوماسيّة وحتى المجموعات السياحيّة الخليجيّة إستباقياً، خاصة في ظلّ تنامي أجواء التوتّر في المنطقة عموماً، بفعل الموقف الخليجي من أزمتي سوريا واليمن.
وكشفت المصادر الأمنيّة المُطلعة أنّ الجهات اللبنانيّة الأمنيّة الرسميّة على علم ببعض الأنشطة التي تتمّ بالتنسيق معها، في إطار المُكافحة المُشتركة الإستباقيّة للعمليّات الإرهابيّة، وفي إطار تتبّع الشبكات والخلايا الإرهابيّة، عبر تبادل المعلومات السرّية. وأضافت المصادر نفسها، إلا أنّ الجهات الأمنيّة الرسميّة ليست على دراية بكل ما يحدث في الأراضي اللبنانيّة من أنشطة إستخباريّة، خاصة وأنّ جزءاً من هذه الأنشطة يتمّ من دون التنسيق معها وتحت عناوين إجتماعيّة وإقتصادية وسياحيّة وغيرها. وختمت المصادر كلامها بالقول إنّ العمل الإستخباري الأجنبي في لبنان ليس بجديد، لكنّه تنامى بشكل واضح، وهو أمر غير مُستغرب في ظلّ ما يجري من حولنا من صراع إقليمي – دولي عنيف، لكنّ الكشف عنه غير مُستحبّ لأنّه مُحرج لسمعة الدولة ولأجهزتها!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق