تحقيقات

ليس كمثله شيخ….!

محمد صادق الحسيني
انه رجل الفصول الاربعة في ايران ، رجل الثورة والدولة والحرب والسلام….!
وصاحب مقولة ايران نقطة تقاطع التاريخ ، والرقم الصعب في معادلة صنع القرار في الجغرافيا السياسية الايرانية …! …
انه رجل الدين الاكثر جدلاً في تاريخ الثورة الاسلامية الايرانية…!
انه رجل التوازنات بين رجال الطبقة الدينيين ورجال الطبقة السياسية …!
انه رجل الثورة الذي كاد ان يبتعد عنها من اجل بناء الدولة المعاصرة لكنه لم يغادر مربعاتها الاساس…!
انه رجل الدولة الحازم والذي كاد ان يتحمل تصدعاتها الداخلية من اجل حماية شعبه من التصادم والانشقاق …!
انه رجل دولة ولاية الفقيه الذي دافع عنها حتى الموت لكنه كاد ان يختلف مع قيادتها حتى الموت حفاظا على ما ظنه اشرف من الموت …!
تتلاطم عندي المشاعر الان وانا اكتب عن صديق يختصر لي كل المسافات ، صديق ظل دوما كالطود الشامخ في تاريخ ايران والرمز الثائر الذي ظلت بصمته قوية في كل صغيرة وكبيرة في مطبخ صناعة القرار…
ليس كأي تلميذ من تلاميذالحوزة الدينية الايرانية، و ليس كأي رجل من رجالات الثورة ، وليس ايضا كأي رجل من رجال الطبقة السياسية التي حكمت الدولة الايرانية المعاصرة، وليس كأي زعيم من زعماء المنطقة والعالم …
لا هو برجل الدين التقليدي المنقطع عن طبقة الافندية ولا هو بالافندي المنفصل عن جسم المؤسسة الدينية ، ليس رجل المؤسسة الدينية بالضبط الذي تحبسه المقولات او الضوابط المشهورة والمتعارف عليها كما غالبية اقرانه الذين عمل معهم كالشهيد بهشتي مثلاً رغم تقارب شخصيتهما ، ولا ذلك المثقف المتصادم مع المؤسسة الدينية التقليدية ولو في بعض سياقاتها كما هو الدكتور علي شريعتي الذي احبه وغرف من معينه…
هو ابن الامام الخميني الراحل الروحي وعقله المنفصل في سنوات الثورة والتحدي الاولى لكنه ايضا الجرئ والشجاع في اظهار رأيه المتفاوت والمتمايز عن قائده و الصادم لكثيرين من زملائه وهو هو يطرح عليه قبول القرار٥٩٨ القاضي بوقف الحرب المفروضة من جانب العراق حتى لو اضطر الامر ان يأخذ الموضوع على عاتقه الشخصي وان يتجرع هو كأس السم بدلا من القائد بل وحتى لو تطلب الامر اعدامه ، من اجل ان تبقى الثورة كما عرض بسخاء قل نظيره… !
ثائر يخبئ رصاصات اغتيال اخطر رجالات الشاه تحت عبائته عن اعين السافاك ليوصلها لابناء الكفاح المسلح من رفاق النضال ليهزوا عرش الطاغوت ايام حكم الاستبداد والقهر الشاهنشاهي
لكنه هو نفسه الذي يشفع لاحد نواب البرلمان في الدورة الاولى بعد سقوط الطاغية وتفكك اجهزة امنه الوحشية ومنها امبراطورية منصور قدر في لبنان ، بانه اخذ والدة هذا الرمز الخطير للحج بالقول : والله لو طلب مني هذا الطلب لفعلته ، اذ كيف اخذل امرأة عجوز لا تفكر الافي اداء وظيفتها الدينية …!؟
في عز الاجتياح والغزو الاسرائيلي للبنان وبينما الدنيا مقلوبة راس على عقب واحرار لبنان وبقية السيف من ابناء الامام المغيب السيد موسى الصدر في حيص بيص يبحثون عن سبيل نجاة مقابل ضبابية قاتلة في الجسم اللبناني التقليدي والسيد ابو هشام حسين الموسوي يبحث عمن يستقبله في طهران ليشرح ملابسات الحيرة والارتباك ، لم يكن لتلك المهمة الا هو صاحب الهمة وعقدة الاتصال الحميمة ليسمع منا على عجل ومن ثم يدخل على الامام القائد في خلوة ليعود الينا سريعاً معلنا قرار زعيم الثورة والدولة ان اذهبوا فوراً الى سفير دولتنا وممثلي الشخصي في الشام السيد محتشمي ولتنطلق المقاومة ونحن لكم بمثابة الانصار …!
انه رجل فلسطين ايضا الذي لطالما فتح ابوابه وقلبه لموفدي قائد الثورة الفلسطينية آنذاك ابوعمار في وقت اغلقتها بعض دوائر الديبلوماسية الايرانية فكان الكاسر للعرف والبروتوكول …
انه الرجل الذي فك الغاز تآمر العالم على الثورة فجازف مرة في السماح باستقبال رمز من رموز الاستكبار الامريكي العدو لعله يستطيع بالنيل من جبروت وعنجهية الشيطان الاكبر فيجره الى وحل تناقضات عالم الاستخبارات فيطيح بعدد من كبار جنرالات ادارة الشر المطلق يوم استقبل رجل الامن القوي في ادارة البيت الابيض (يومها احد مساعديه هو الذي استقبل ماكفرلين) ، فيما اختتم هذه اللعبة المعقدة بتحمل المسؤولية شخصياً باستقبال موفد ياسر عرفات حاملاً رسالة من الرجل الاول الذي اشعل الحرب ضد بلاده وشعبه- صدام حسين- يطلب فيها الصلح او ماسمي وقتها بالسلام رغم كل تعقيدات مطبخ صناعة القرار الايراني من جهة وثقل وقع المهمة وتداعياتها على قلوب العامة والخاصة في بلد لم يبق فيه بيتا الا وناله من شظايا الحرب العدوانية المشؤومة …
انه الرجل الذي كاد ان يطيح بالادارة الامريكية اكثر من مرة من خلال فتح ابواب الحوارات معها على قواعد ظاهرها مغر لكن عمقها ثابت لا يتزحزح قيد انملة عن معايير الثورة والدولة الوطنية والدينية ….
انه الرجل الذي كاد يفك الغاز قضية الامام المغيب لولا تامر العالم الخفي ودهاليز الاستخبارات الدولية …!
انه الرجل الذي كاد ان يفك عقدة مجلس التعاون الخليجي ودولة الامارات العربية المتحدة في موضوع الخلاف على جزر ابو موسى والطمبين الايرانية ، لولا تراجع الاخيرة اكثر من مرة وخذلان كبيرتهم السعودية …!
انه الرجل الذي عرض بحضوري على الملك عبد الله تشكيل لجان تخصصية علمائية وثقافية نخبوية وامنية واقتصادية لابقاء جسور الحوار السعودي الايراني قائمة على اسس علنية لولا ممثل ادارة بوش لدى العائلة السعودية الامير بندر بن سلطان الذي كان يخطط مبكرا لاثارة الفتنة السنية الشيعية خدمة لمخطط اراد للمنطقة ما اراد من حروب المائة عام والتي كانت اوجها الحرب المفتوحة على سورية …!
انه الرجل الذي لم يترك صغيرة وكبيرة من اقتراحات او افكار يمكن ان تعزز من الوحدة الوطنية الا وكان لها اذنا صاغية لانه كان يعشق فضيلة الاستماع حتى لاشد مخالفيه الذين طالما اخذتهم له والتقاهم بكل كرم وارتياح ، رغم قساوة تعاملهم معه من كلا الجناحين لا سيما اليسار الديني البتة …!
انه الرجل الذي وان اختلف في اواخر حياته في قراءته او تقديره للموقفين الداخلي والخارجي مع الامام السيد القائد رفيق دربه لنصف قرن من الزمان الا انه لطالما اسّر لي في اكثر من مناسبة ومنها فتنة العام ٢٠٠٩ م بانه مهما حصل او سيحصل واينما تذهب الامور ومهما اشتدت العواصف وتلاطمت الاحداث فانني – اي هو – لن اترك هذا القائد الذي لا بديل له ولا نظير لوحده يواجه الطوفان ، وكما تقول في اقتراحك – اي اقتراحي – لن اترك ايران طعمة للغرب ليقسمها او ينال منها وكما هو تعبيرك – اي تعبيري- فان ايران لن تقبل القسمة على اثنين ، نعم ساظل حريصا على وحدتها الوطنية فهي الرأسمال الذي لا ينضب ولن افرط به يوماً …!
وهكذا ظل لاخر نفس فيه ، رغم قرائته المتفاوتة احيانا حول سبل علاج الحرب الكونية على سورية او سبل معالجة قضية فتنة العام ٢٠٠٩م مع رفيق دربه الحميم وقائده وقائدنا آية الله العظمى السيد علي الخامنئي وهو الذي قال عنه يوماً : بالنسبة لي لن يستطيع احد ان يكون مثل هاشمي رفسنجاني…
فعلا استطيع القول :
ليس كمثله شخص وهبه الله لايران قبل ٨٢ عاماً وخسرته ايران بالامس كل ايران….
لذلك كان الشارع الايراني بكل تلاوينه وتضاريسه وتجاعيده حاضراً في وداعه الاخير …
خسرناك وخسرك العالم ايضا ايها الرمز والقامة الشامخة في تاريخ ايران ، ولكن نقول لك كما قالت زوجتك الكريمة وهي تحضّر الفطور لها ولك كعادتها صباح امس الى ان تذكرت بانك غادرتها فعلاً وانك الان في اوج احتفاليتك الملكوتية فكتبت :
“نم قرير العين ايها الرجل الكبير …
فانت تسللت الى الملكوت الاعلى في لحظة قيامة احتفالية ارادها الله لك في هذه اللحظة ….”
انه اكبر هاشمي بهرماني – نسبة الى مسقط راسه بهرمان التابعة لرفسنجان-
هيهات ان ياتي الزمان بمثله …
ان الزمان بمثله … لبخيل ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق