الحرب الناعمة

ماهيــــة الحـــرب الناعمــــة مواردها / مفهومها


أولاً: تعريف الحرب الناعمة ومصادرها ومواردها

عرف ناي القوة الناعمة بأنها ” القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً عن الإرغام، وهي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج والأهداف المتوخاة بدون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للعوامل والوسائل العسكرية والصلبة، وهذا ما حصل مع الاتحاد السوفياتي حيث تم تقويضه من الداخل، لأن القوة لا تصلح إلا في السياق الذي تعمل فيه، فالدبابة لا تصلح للمستنقعات، والصاروخ لا يصلح لجذب الآخرين نحونا1 .

وقد اقتبس الكاتب جوزيف ناي ثنائية الصلب والناعم من التقسيم المعروف لتكوين أجهزة أو قطع الكومبيوتر الذي يتألف من أدوات ناعمة software وأدوات صلبة hardware ، فهذا التقسيم راج في التسعينات على أثر انتشار الكومبيوتر والانترنت ..

وقد افرد قسما خاصا لعنوان ” الطبيعة المتغيرة للقوة ” وعلاقات وتوازنات القوة على المسرح الدولي، وتوصل إلى أهمية وضرورة تكامل القوة الناعمة إلى جانب القوة الصلبة، لما للقوة الناعمة من ميزات وخصائص تفوق عائدات القوة الصلبة، وسرد لتأثيرات وميزات الحرب الناعمة خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، وشرح للتكاليف الباهظة التي تدفع في حالة الحرب الصلبة على ضوء مجموعة من المتغيرات أبرزها عدم ردعية السلام النووي للمجموعات المسلحة المسماة ” إرهابية ” حيث إن السلاح النووي

للمجموعات المسلحة المسماة “ارهابية” حيث ان السلاح النووي  أصبح كالعضلات المربوطة، ولا يمكن استعماله لأسباب دولية وعملية إلا في الحالات الاستثنائية جداً ويكفي للاستدلال على ذلك خسارة أميركا للحرب ضد فيتنام بالرغم من امتلاكها للقدرات النووية، كما أن توسع انتشـــار تكنولوجيا الاتصال والإعلام، وما سماها “عولمة وديمقراطية المعلومات” ورخصها وتوفرها بسهولة ويسر في السوق العالمي، ويقظة المشاعر القومية والدينية، كـل هذه العوامل قوضت من قدرة الدول الكبرى على منع التنظيمات الإرهابية من امتلاك هذه الوسائل واستخدامها للتسبب في إحداث الدمار للغرب، والنموذج الأكثر وضوحا لهذا الوضع الجديد إحداث 11 أيلول2001..

كما تحدث عن مصادر قوة أميركا الناعمة وقوة الآخرين الناعمة (أي أعداء أميركا أو منافسيها على الحلبة الدولية)، وعن البراعة في استخدام القوة الناعمة، وأخيرا القوة الناعمة وسياسة أميركا الخارجية، وقد أغفل الكاتب عن قصد ذكر التطبيقات السرية للقوة الناعمة في حالات الحرب والمواجهات العسكرية، لان هذه المخططات ستبقى طــــي الكتمان في أروقة البنتاغون والمخابرات المركزية الأميركية ما دام إنها في صلب المواجهة الدائرة حاليا مع إيران وقوى المقاومة والممانعة في المنطقة.. وبالرغم من محاولته أخفاء هذه المخططات لكنها أفلتت منه في ثنايا بعض النصوص والعبارات في مطاوي الكتاب .

ثانياً: موارد ومصادر الحرب الناعمة 

حدد جوزيف ناي المنظر الأول لمصطلح القوة الناعمة هذه الموارد بثلاثة محاور: القيم والمؤسسات الأميركية/ جاذبية الرموز الثقافية والتجارية

والإعلامية والعلمية الأميركية / وصورة أميركا وشرعية سياساتها الخارجية وتعاملاتها وسلوكياتها الدولية.

كما حدد ناي مصادر القوى الناعمة بأنها: مصانع هوليـــود وكل الإنتاج الإعلامي والسينمائي الأميركي / الطلاب والباحثين الأجانب الوافدين للدراسة في الجامعات والمؤسسات التعليمية، فهم سيشكلون جيوش يحملون معهم آلاف النوايا الطيبة والودائع الحسنة عندما يعودون إلى بلدانهم وأوطانهم ويتقلدون المراكز والمواقع العليا وسيصبحون سفراء غير رسميين لخدمة أميركا / والمهاجرين ورجال الإعمال الأجانب العاملين في السوق الأميركي وقطاع الأعمال/ شبكات الانتــــرنت والمواقع الأميركية المنتشرة في الفضاء الالكتروني/ برامج التبادل الثقافي الدولي والمؤتمرات الدولية التي ترعاها وتشارك في تنظيمها أميركا / الشركات الاقتصادية العابرة للقارات / الرموز والعلامات التجارية مثل كوكا كولا وماكدونالدز وغيرها.

وبالإجمال ترتكز القوة الناعمة على كل المؤثرات الإعلامية والثقافية والتجارية والعلاقات العامة، وكل مورد لا يدخل ضمن القدرات العسكرية المصنفة ضمن القوة الصلبة.

في حين ركز الباحث الاستراتيجي الأميركي جون كوللينز على الموضوع الإعلامي والثقافي في تعريفه وتحديده لموارد الحرب الناعمة بقوله ” الحرب الناعمة عبارة عن استخدام الإعلام والتخطيط للتأثير على ثقافة العدو وفكره بما يخدم حماية الأمن القومي الأميركي وتحقيق أهدافه وكسر إرادة العدو ” .

ثالثا ً: الفــرق بين الحرب الناعمة والحرب النفسية والدعاية 

عرفت الحرب النفسية والدعاية بأكثر من 100 تعريف، اخترنا منها تعريفين يعبران عن هذه التعاريف لجهة الإحاطة والشمولية، التعريف الأول هو التعريف الضيق ذا الطابع التقني البحت أوردته الموسوعة العسكرية للحرب النفسية بالقول” الحرب النفسية هي مجموعة من الإعمال التي تستهدف التأثير على أفراد العدو بما في ذلك القادة السياسيين والإفراد غير المقاتلين بهدف خدمة غرض مستخدمي هذا النوع من الحرب “.

والتعريف الثاني للباحث الدكتور فخري الدباغ وهو الموسع بأنها ” شن هجوم مبرمج على نفسية وعقل العدو سواء كان فرد أو جماعة لغرض أحداث التفكك والوهن والارتباك فيهما وجعلهما فريسة مخططات وأهداف الجهة صاحبة العلاقة مما يمهد للسيطرة عليها وتوجيهها إلى الوجهة المقصودة ضد مصلحتها الحقيقية أو ضد تطلعاتها وآمالها في التنمية أو الاستقلال أو الحياد أو الرفض2 .

أما أساليب وتكتيكات الحرب النفسية المعروفة تاريخيا فنورد أمثلة عليها: (الدعاية ضد معتقدات الخصم / الإشاعة / بث الرعب / الخداع / افتعال الأزمات / أثارة القلق / إبراز التفوق المادي والتقني والعسكري / التقليل من قوة الخصم والعدو / التهديد والوعيد/ الإغراء والإغواء والمناورات / الاستفادة من التناقضات والخلافات / الضغوطات الاقتصادية / إثارة مشاعر الأقليات القومية والدينية / الاغتيالات / تسريب معلومات عسكرية وأمنية وسياسية حساسة عن

العدو في الصحافة / الإفصاح عن امتلاك نوعية خاصة من الأسلحة الفتاكة / وغيرها من الوسائل طابعها العام عسكري أو شبه عسكري 3.

في حين تعتمد الحرب الناعمة على نفس الأهداف مع اختلاف التكتيكات التي أصبحت تكتيكات ناعمة، فبدلاً من تكتيكات التهديد تعتمد الحرب الناعمة على الجذب والإغواء عبر ولعب دور المصلح والمنقذ، وتقديم النموذج الثقافي والسياسي وزرع الأمل بان الخلاص في يد أميركا، المانحة لحقوق الإنسان والديمقراطية وحريات التعبير وما شاكل من عناوين مضللة للعقول ومدغدغة للأحلام وملامسة للمشاعر، وبدلا من استعراض الصواريخ أو بث الرعب عبر الإذاعات والمنشورات للفتك بإرادة العدو يتم إرسال أشرطة الفيديو أو الأقراص الممغنطة أو صفحات facebook للشباب والأطفال والنساء والرجال كل حسب رغباته ومعقولاته.. وبناء على التعاريف المذكورة، لا تعد الحرب الناعمة منهجا جديدا في مناهج الحرب النفسية الدعاية، بل هي نتاج تطور كمي ونوعي في وسائل ووسائط الاتصال والإعلام، وهي إفراز طبيعي وحتمي للجيل الرابع من وسائط تكنولوجيا الاتصال والإعلام كما يرى اغلب خبراء الإعلام والمعلومات، والمتغيرات التي طرأت على نظريات استخدام القوة العسكرية، فقد بدأت الدول والجماعات باستعمال الوسائل المتوفرة للدعاية والحرب النفسية كالشائعات والجواسيس والمنشورات، وهي وسائل الدعاية والحرب النفسية الأقدم في تاريخ الحروب في العالم، كذلك تطورت الصحافة المكتوبة والإذاعات بفعل انتشار المطابع وتقدم الاكتشافات التلغرافية والهرتزية في الحرب العالمية الأولى، وأضيف إليها الإذاعات ذات البث المتقدم التي طورت نمط الخطابة الجماهيرية والدعائية، وأنضم التلفزيون وتقنيات الصورة

والصوتيات في الحرب العالمية الثانية، وشهدنا ابرع نماذجها مع القائد الألماني غوبلز صاحب النظريات المشهورة في الدعاية والحرب النفسية، وسجلت الدعاية والحرب النفسية أعلى صعودها أثناء الحرب الباردة بين المحورين الغربي الأميركي والشرقي السوفياتي بفضل تطور وتقدم عالم الشاشة والصورة والأفلام والسينما والتلفزيون4 .

وفي التقيم والتشخيص نستنتج بعد المقارنة والمطابقة بين الحرب النفسية والحرب الناعمة انهما يسيران على خط سكة في الأهداف، ويتعاكسان في الوسائل والأساليب. فيتفقان ويشتركان في الهدف لجهة قصد تطويع إرادة العدو (الدول والنظم والشعوب والجيوش والرأي العام والمنظمات والجماعات) ولكنهما يختلفان ويتعاكسان في الوسائل والأساليب .

ويختلفان في نوعية الأساليب بسبب درجة انتشار الأدوات الإعلامية والاتصالية لدى الرأي العام، فالحرب الناعمة دخلت إلى كل البيوت 24 / 24 ساعة من خلال شاشات التلفزيون والانترنت والهواتف الخلوية، في ظل عولمة إعلامية وثقافية ومعلوماتية فورية ومفتوحة ومتفاعلة ومترابطة بشكل لا سابق له، في حين كانت الحرب النفسية تنطلق بشكل أساسي نحو الجيوش والحكومات التي كانت تمتلك وتسيطر بصورة شبه احتكارية على وسائل الاتصال والإعلام التقليدية ( الإذاعات / الصحف / الشاشات) التي كانت محدودة العدد والانتشار نظرا لكلفتها الاقتصادية..

فمعركة الحرب الناعمة تبدأ أولا مع الرأي العام تمهيدا للانقضاض على النظام

المعادي، في حين تبدأ الحرب النفسية بمهاجمة الدولة وجيشها ومؤسساتها العامة أي تبدأ المعركة ضد النخبة السياسية والعسكرية اولاً ومن ثم تنتقل لأجل ضرب الرأي العام المعادي لفك ارتباطه وولائه ولحمته مع الدولة والنظام المستهدف.

فكل ما هو من الإرغام والضغط والفرض بوسائل أكثر صلابة دون أن تصل لمستوى الوسائل العسكرية هو من الحرب النفسية (خطابات عالية النبرة وتهديدات وعروض عسكرية وشائعات واغتيالات وحرب جواسيس) وكل ما هو من جنس الاستمالة والجذب والإغواء الفكري والنفسي بوسائل أكثر نعومة (أفلام وأقراص ممغنطة وصفحات face book ومسلسلات وsms ) يدخل في تعريف الحرب الناعمة .

رابعاً: الحرب الناعمة هي البديل المجدي لأميركا بعد الإخفاقات والتكاليف المالية والبشرية والمعنوية الباهظة لحروبها الصلبة

تعتبر الحرب الناعمة خلاصة تراكم مجموعة من السياسات والأفكار التي جرى تطبيقها بشكل مستقل على مراحل تاريخية متعاقبة وفي مواجهة أوضاع دولية مختلفة، بدأت من فكرة الاحتواء المزدوج التي اعتمدتها الاستراتيجيات والخطط الأميركية في التسعينات للتعامل مع البيئات والنظم المعادية لها وخاصة العراق وإيران، التي كانت تقوم على خلطة من السياسات ترتكز على الردع العسكري والعزل السياسي والدبلوماسي والمقاطعة الاقتصادية..مروراً بعقيدة الصدمة والترويع ـ أو الصدمة والترهيب التي اعتنقتها وزارة الدفاع الأميركية في برامجها العسكرية منذ منتصف التسعينات وطبقتها ضد يوغسلافيا العام 1995 – 1999 وضد

أفغانستان بعد 11 أيلول 2001 كما جرى تطبيقها في الحروب العسكرية ضد العراق وخاصة خلال احتلال العراق العام 2003….لكن مجموعة متغيرات ومراجعات حصلت بعد الإخفاقات الكبيرة للولايات المتحدة وخاصة في حربيها الأخيرتين في أفغانستان والعراق والتكاليف المادية والبشرية المؤلمة والباهظة التي دفعتها أميركا سواء من رصيدها المادي أو البشري، والاهم من تآكل رصيدها المعنوي والإعلامي وتشوه صورتها السياسية والدبلوماسية بفعل حجم الخروقات والجرائم الوحشية التي ارتكبتها في حروبها الأخيرة (نموذج غوانتنامو) هي ما دفع بعشرات الباحثين وصناع القرار وكبار ضباط البنتاغون والاستخبارات الأميركية لاستخلاص العبر والاستنتاج بان هذا الإخفاق ناجم عن ” فرط استعمال القوة الصلبة على حساب القوة الناعمة ” وانه يجب العودة إلى سياسات القوة الناعمة التي طبقت أيام الحرب الباردة، وأثمرت سقوطا للاتحاد السوفياتي والمحور التابع له بدون إطلاق أي رصاصة أو قصف أي صاروخ، وهذا ما أكده جوزيف ناي نفسه صاحب كتاب القوة الناعمة في قولته الحساسة والخطيرة ” أن دولار واحد ينفق لشراء قرص فيديو DVD يحمله شاب أو فتى إيراني بمواجهة سلطة رجال الدين في معركة حرب الأفكار أجدى وأفضل بأضعاف من دفع 100$ لشراء أسلحة وموارد للمواجة العسكرية مع إيران 5..

وبناء عليه تبلورت في الأفق الأميركي بعد عدد من المؤتمرات التي عقدتها مراكز الأبحاث التابعة للبنتاغون والخارجية والاستخبارات بإشراف مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية CSIS، وبعد مراجعات وتوصيات بيكر هاملتون الشهيرة حول العراق وأفغانستان ومع تمكن الديمقراطيين من الفوز بالانتخابات الرئاسية

وتنصيب اوباما لقيادة أميركا سادت مناهج التفكير الاستراتيجي عقيدة جديدة تقوم على مبدأ تنويع السياسات بحيث ترتكز على “التطبيق المدروس والحكيم لمجموعة من السياسات على المسرح الدولي أطلق عليها القوة الذكية POWER SMART بحيث تعطي أفضل النتائج في السياسة الدولية مع أقل قدر من التكاليف المادية والبشرية وتتلخص فكرة القوة الذكية بمعادلة زرع الآمل والإقناع 6عبر جمع فوائد الاحتواء المزدوج عبر العزل والحصار ومنافع الصدم والترهيب والقوة العسكرية الصلبة لأجل الردع والعمليات الموضعية المحدودة وميزات وحسنات القوة الناعمة للجذب والتأثير في سلوك الدول والأنظمة “..

وعلى ضوئه يصبح مفهوم الحرب الناعمة في خلايا التفكير الأميركية والغربية على اثر المتغيرات في السياسات العسكرية والخارجية بالمعادلة التالية ” عندما تفشل الضغوطات الطرق الدبلوماسية والمقاطعة الاقتصادية في تطويع إرادة العدو وتصل خيارات القوة العسكرية إلى وضع مسدود ومقفل، ينبغي الاقتصار على التلويح والتهويل باستعمال القوة العسكرية بالتزامن مع شن حملة تشهير دولية بالنظم المعادية وزعزعة عقائدها وخلخلت ركائزها الفكرية والسياسية وإسقاط رموزها الدينية والوطنية والقومية، وبلبلة أفكار جماهيرها وبث برامج لتضليل الوعي وحرف المشاعر، وتسميم إيمان وثقة الجماهير بالقادة، وإرباك العدو بصراعات ونزاعات وأزمات داخلية بين أجنحته ورجالاته بهدف أنهاك قواه وأحداث حالة من التآكل والاهتراء الذاتي تمهد لإسقاطه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق