تحقيقات

معركة التقشف.. الصامتون سياسيًا، الصائمون اقتصاديًا!

في 2017/01/23

أثارت بعض إجراءات التقشف والترشيد الرسمية لمعالجة صعوبات تمويل الموازنة العامة للدولة، في ظل تراجع أسعار النفط ونقص الموارد، موجة من ردود الأفعال التي تراوحت بين السخرية المريرة والغضب الساخط، ترجمتها التغريدات والصور والتعليقات واللقطات والومضات والرسومات الكاريكاتيرية المنقولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي اشتعلت بردود الافعال. ويثير هذا الامر عددًا من الملاحظات التي تستحق التوقف عندها:
أولاً: يلاحظ هنا أن ثورة التواصل الاجتماعي قد حلقت عالمًا جديدًا وبدأت تؤثر بشكل واضح على البنى التقليدية في المجتمع بما في ذلك بنية المجتمع السياسي التي كان تحتكرها الجمعيات والأحزاب السياسية أو الهيئات التمثيلية مثل البرلمان ومجالس الشورى، حيث أصبح التعبير عن الرأي العام مباشرًا ومن دون الوسائط التقليدية المنظمة والبطيئة (المعقلنة في الغالب)، وبدأ الخطاب المحمول المنقول فوريًا يخترق جميع تلك البنى، حتى بات أقرب الى الاشتباك المباشر او الصراع على الهواء، وقد رأينا نموذجًا من ذلك في العديد من المناسبات، منها ما أشرت اليه بشأن معركة التقشف.
ثانيًا: لقد أنهت ثورة التواصل الاجتماعي مفهوم الأغلبية الصامتة الذي كان يُستخدم لوصف الجماعة التي ظلمها «السيستم» وأقصاها او أقصت نفسها من هذا «السيستم» بالكامل، أو نأت بنفسها عن المشاركة والاختيار وإبداء الرأي، فاختارت الصمت كطريقة للاحتجاج، إذ جاءت ثورة الاتصال لتتيح لهذه الجماعة التعبير والمشاركة – غير المباشرة – من وراء متاريس الرموز، والتغريدات، والتعليقات باستخدام الأسماء والحسابات المخفية المموهة، ضمن أساليب من التكيف لتخفيف حدة التوتر الناتج عن الإحباط، والأفكار والمشاعر الغاضبة. وبذلك أسهمت هذه الوسائل الجديدة – بما توفره من حضور مموه في الغالب، ومشاركة من وراء ستار – في كسرة حجة الغياب للأغلبية الصامتة، حيث أفضت الثورة الاتصالية الى كسر جدار الصمت، بما مكن هذه الأغلبية من الخروج عن صمتها. فإذا كان تفسير الظاهرة في الدول الديمقراطية الغربية على أنه عزوف اطمئنان لا عزوف احتجاج، فإنه في بلداننا غالبًا ما يؤشر إلى موقف سياسي أكثر منه عدم اهتمام بالشأن السياسي. وقد يكون هذه الأغلبية الصامتة فئة لا تعتبر نفسها معنية بالسياسة من الأساس، وتعتبر أن خوضها في هذا المجال يعني تعطيل مصالحها وأشغالها أو يكشف عن أفكار هي لا تريد ان تكشف عنها، أو فئة اقتنعت قناعة راسخة أن الصندوق لن يغيّر شيئًا من الواقع، لذلك اختارت أن تفر من التغيير على أرض الواقع إلى التغيير في العالم الافتراضي، وكان أن وفرت لها التكنولوجيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب»، الفضاءات اللازمة ليجد «الصامتون» فيها حرية حقيقية لإبداء آرائهم دون أن تتعرض للمصادرة او المحاسبة. إلا أن هذا العالم الافتراضي نفسه بقدر ما يشكل أداه للتجييش والتحريض بقدر ما يكون وسيلة «ناجعة» لامتصاص الغضب والسخط، وهذه هي المفارقة.
ثالثًا: جزء مهم من هؤلاء الصامتين سياسيًا ( بمعنى أنهم غير منخرطين في جمعيات سياسية ولا مشتبكين سياسيًا) هم من الصائمين اقتصاديًا واجتماعيًا – إن صح التعبير – لأنهم يعيشون عند الحافة اقتصاديًا، يصلون ويصومون ويحترم قانون المرور، ويلتزمون بدفع الفواتير في مواعيدها، ينتظرون الراتب كل نهاية شهر على أحر من الجمر والزيادة السنوية في آخر العام، يسألون عن علاوة الغلاء وعن توزيع المساكن على الواقفين في طابور الانتظار، لا يهتمون كثيرًا بغير توفير الأمن والسلامة والطعام والسكن والصحة والتعليم لأبنائهم، فذلك ما يترجم عندهم معنى الحرية وحقوق الانسان بالدرجة الاولى، فالمهم بالنسبة الى هؤلاء الكادحين الصامتين «الصالحين»، هو استمرار الدولة في توفير الأمن والامان والخدمات العامة، وعدم المساس بالمكتسبات التي تحققت في الفترة الماضية. ولذلك فإن أسوأ ما يمكن ان يحدث هو ان يصاب الصامتون سياسيًا الصائمون اقتصاديًا بخيبة أمل او بالإحباط، فإذا حدث أي مساس بوضع الحد الأدنى الذي يعيشون على إيقاعه قانعين راضين محبين، فإن «الصامتين» سيظهرون وتتزايد أعدادهم افتراضيًا ثم واقعيًا، وهذا ما حدث في العديد من البلدان. فالجمعيات السياسية وحتى الشخصيات السياسية والنواب المنتخبين لم يعودوا قادرين على إقناع «الصامتين» لأن غالبيتهم العظمى باتت من دون رصيد صدقية كافٍ، ولم يحققوا شيئًا كبيرًا لهم، ولذلك فإن خروج الصامتين عن صمتهم سوف يكون أمرًا مقلقًا بلا شك للمجتمع وللدولة معًا حيث بدأ هؤلاء يشعرون بضغط الآلة الاجتماعية الطاحنة أن أحلامهم تتقلص وتتلاشى يومًا بعد يوم، وبقلة الحيلة والعجز المزمن في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية الداهمة، ولذلك تجد في وسائل التواصل الاجتماعي – وليس في البرلمان ولا في الجمعيات السياسية – متنفسًا لتوصل رسائل السخط والضيق والقلق.
رابعًا: صحيح أن مواجهة تحدي الانخفاض المتسارع لأسعار النفط وما يترتب عليه من صعوبات جدية لتمويل الميزانية العامة، أصبح حقيقة قائمة يجب التعامل معها بجدية، بما في ذلك اتخاذ إجراءات مؤلمة لمواجهة العجز، واختلال موازين المدفوعات، وتعثر التدفقات الاستثمارية، والمعونات الخارجية والعمل على تخفيف الأضرار المحتملة إلى أدنى حد ممكن، وذلك لأن الرخاء الاقتصادي في ظل اقتصاد متشابك القطاعات لم يعد سمة دائمة، وبالتالي فإن انقلاب الأوضاع الاقتصادية من النمو إلى الانكماش ومن الانتعاش إلى الركود، من شأنه أن يؤدي إلى أزمات اقتصادية واسعة، ويصبح الأمل في إيجاد حلول سريعة محدودًا في ظل عولمة الأزمات الاقتصادية. ولكن هل هنالك حل أو معادلة تجمع بين الحفاظ على التوازنات العامة في الوقت الصعب، وبين عدم التسبب في إحباط الصامتين سياسيًا الصائمين اقتصاديًا؟! ذلك هو السؤال الصعب اليوم؟.
همس
القلب – موطن النار – قد صار طفلاً ينادي.
الحجر نام في فيض الفجر يستيقظ.
سماوات زُرْق لم تعد تكفي.
وصباحٌ يجول في حدائق الكلمات، يسقي الحقول.
فربما ينام العشبُ مرة في عيون الصحاري،
وتبكي السماء مطرًا على طرقات قاحلة.

كمال الذيب- الأيام البحرينية-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق