تنمية و ثقافة

مع كلّ هذه النجوم

“مع كلّ هذه النجوم”
حكاية لقاء جمع من عوائل الشهداء المدافعين عن الحرم مع قائد الثورة الإسلامية
15-9-1395هـ.ش/ 5-12-2016م.

يبدو في الرابعة أو الخامسة من عمره؛ يحاول جاهدًا ودون كلل أن يصل إلى الأمام، وها هو قد نجح!
يقول السيد: “دعوه يتقدم إلى هنا إن أراد ذلك”.
يمشي حتى يقف أمام السيد؛ ينطق بكلمات غير مفهومة. يقول أقرباؤه إنّه يريد تأدية التحية العسكرية.
– ما شاء الله! ماذا تفعل؟ تؤدي التحية العسكرية؟
يقول السيد هذا ويضحك سائلًا عن اسم الطفل. لا يلفظ الطفل اسمه بشكل صحيح.
– “محمد رضا”؟
تسارع أمّه لتقول “معين رضا”.

وهكذا يصبح “معين رضا” بحركته وشيطنته وبدلته وتحيته العسكرية للسيد القائد، مطلع [نجم] هذا اللقاء. قبل استعراض “معين رضا”، كان كل واحد مشغولا بنفسه، وكانت أصوات البكاء تسمع من هنا وهناك؛ لعلّه بكاء شوق الأهل إلى شهدائهم. بعدها دخل القائد وقال: فلتتقدم السيدات إلى الأمام! ثم “معين رضا” وسلامه، فاختلطت الدموع بالابتسامات.

في زمان مضى، كان التلفاز يبث أشعار “آهنگران” وهو ینشد بحرقة ولوعة: “كان عندي حصان أبيض يومًا ما.. كانت الشهادة أمنيتي يومًا ما”. ثم يكمل الأبيات التي تضجّ بالعتب والحسرة، إلى أن يصل “أرسل لي حبيبي خبرًا جميلًا وبشرى.. أنّ باب حديقة الشهادة ما زال مفتوحًا”. حين ألقى آهنگران شعرَه هذا لأول مرة، كان جد “معين رضا” شابًا رشيدًا، ولا شك أنّه صدّق هذه البشرى، وحين سمع “الخبر السيّئ”، أحكم ربط شريط جزمته العسكرية وانطلق مع عدد من رفاقه.
كان الخبر قصة كلها حزن وغصة: عصر العاشر من محرم (سنة 61 هـ) رفعت الرؤوس على الرماح، ثم جاء دور حرق الخيام.
بعد أكثر من ألف عام تكررت الواقعة وعاد الهجوم على الخيام، وها هم التكفيريون يحملون بجحافلهم على الحرم. ينطلق جد معين رضا مع رفاقه مجددًا كي لا تتكرّر مآسي السبي والحرق مرة أخرى.
بقي من هؤلاء عوائل دامية القلوب، ولكن مفعمة بالرضى؛ بعضهم جاء اليوم للقاء.. وبتعبير أخ أحد الشهداء “مشتاقون للقاء القائد”، ثم يضيف “مشتاق للسيد”، وكأنّ اللقب الثاني أحب إلى قلبه ولسانه.
يربّت السيد على نجوم رتبة “معين رضا” على كتفه:
– “ما شاء الله! ما هذا الضابط! إن شاء الله ستصير من ضباط الإسلام في المستقبل!”.
ثم يلتفت للجمع ويقول:
– أجمل ترحيب، وأهلًا وسهلًا بالإخوة والأخوات الأعزاء عوائل شهداء الحرم؛ إنّ أولئك الشباب الذين تحركوا تطوعًا وعن طيب خاطر وانطلقوا للميدان، يمتلكون خصوصيتين أو ثلاث خصوصيات مميزة جدًا. إحداها أنّ لديهم غيرة ونخوة للدفاع عن حريم أهل البيت (عليهم السلام)”.
– لا تزعجه؛ دعه يأخذ راحته.
يقول السيد هذا لمرافقه الذي كان يحاول أن يبعد “معين رضا” عن القائد، ثم يتابع:
– “أولئك الذين يذهبون، واحدة من مشاعرهم وروحيّاتهم هي أنّهم يريدون الدفاع عن حريم أهل البيت (عليهم السلام). وهكذا هم آباؤهم وأمهاتهم. إحدى أمهات الشهداء خاطبت السيدة زينب بهذا الكلام “لقد قدمت لك “محمد حسين”ي!” هذا أمر بالغ القيمة؛ هذه الغيرة التي ينبغي أن توجد عند كل مؤمن نحو أهل البيت (عليهم السلام)”.

“الخصوصية الثانية هي البصيرة. الأشخاص الذين ليس لديهم هذه البصيرة يقولون لأنفسهم: نحن أين وسوريا أين وحلب أين؟ وهذا ناتج عن فقدان البصيرة. أمير المؤمنين علي عليه السلام قال :”فواللهِ ما غُزي قومٌ في عقرِ دارِهم إلاّ ذَلُّوا”، يجب على الإنسان ألّا ينتظر العدو ليدخل إلى بيته، ليفكّر بعدها بالدفاع عن نفسه وعن بيته. يجب ضرب العدو وسحقه عند حدوده.
إن افتخار الجمهورية الإسلامية اليوم هو أن لدينا على حدود الكيان الصهيوني وفوق رأسه قوات حزب الله أو قوات المقاومة أو حركة أمل. ولهذا السبب، فإن البعض يعترض كثيرًا وينزعج قائلًا: لماذا تتدخل الجمهورية الإسلامية في هذه الشؤون. إن هذا افتخار كبير للإسلام وللجمهورية الإسلامية. الشباب الذين ذهبوا إلى سوريا والعراق، وإلى سوريا بشكل أساسي، كانوا يتمتعون بهذه البصيرة. هناك عدد من الأشخاص اليوم قد جلسوا هنا في بيوتهم ولا يفهمون ماذا يحدث وما هي القضية!”.

“الميزة الثالثة التي يتحلون بها هي الشوق للشهادة.
بعد انتهاء الحرب المفروضة، كنا نشعر، نحن الذين كنا حاضرين في تلك الجبهة، أنّ هناك جادة واسعة ذات اتجاهين عريضين وقد أقفلت في وجهنا! جادة الشهادة! وكأنها بوابة قد أغلقت. الذين كانوا في ذلك الحين يعشقون الجهاد والشهادة في سبيل الله حزنت قلوبهم واغتمّت. إنّ أبناءكم هؤلاء غالبًا من الذين لم يعيشوا تلك المرحلة؛ ومع ذلك كان ذلك الشوق لديهم كبيرًا بحيث نهضوا والتحقوا بالجبهات.
والآن، فإنّ الشباب أيضًا يكتبون لي الرسائل، مع العلم أني لا أجيب عنها، لكنهم يكرّرون ويستمرّون، يكتبون من كل أنحاء البلاد ويلتمسون بتضرع، هم يظنون أنه أنا من يجب أن أعطي الإذن أو أتدخل في هذا الأمر: “يا سيد اسمح لنا أن نذهب إلى سوريا للجهاد”. هذا هو شوق الشهادة وهو أمر مهم جدًا.
إذا وُجدت، عند شعب ما أو قوم أو مجموعة، قدرة وقوة التغاضي عن الحياة، فإنّ هؤلاء لا يمكن أن يُهزموا. إننا أحيانًا نقصّر في مقابل الحوادث، السبب أنّنا قد أخلدنا إلى الحياة وتمسّكنا بها وبزينتها بكل ما أوتينا من قوة؛ الحياة ليست تنفّسنا فقط؛ الزوجة والأولاد والآباء والأمهات هم كذلك من حياتنا. وكذلك المال والمنصب والاعتبار؛ لقد تعلّقنا بهذه الأشياء، وعندها فإننا نقصّر في مواجهة الحوادث الصعبة؛ لكن الذين يتحلّون بهذه القدرة والإرادة بأن يتخلّوا عن الحياة، فإنهم ينهضون ويتوجهون إلى ميدان الشهادة.
الشباب الذين قدمتموهم، أنتم كزوجات أو أبناء أو آباء وأمهات، اعلموا أنّهم مصدر افتخار حقًا، وهذا ليس شعارًا فقط؛ هذه هي حقيقة القضية. هؤلاء عندما يكونون في أي شعب –ومن الممكن ألا يكونوا معروفين في المدينة الفلانية أو القرية الفلانية، ممكن أن يكون أحدهم يعمل في مهنة عادية وليس “نجمًا” مثل البعض في المجتمع والذي يعمل ويشقى لأجل توهم أن يصبح نجمًا مشهورًا- ولكن هؤلاء هم نجوم حقيقيون؛ ليسوا نجومًا في أعيننا؛ نحن أعيننا قصيرة النظر؛ إنهم نجومٌ في الملأ الأعلى.
إن شاء الله يرفع درجات الذين ارتحلوا عاليًا، وينزل الصبر والسكينة على آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم، وأنا العبد دعائي لكم دومًا أن يشمل الله قلوبكم بلطفه وفضله ونورانيته ويمنحها الهدوء والطمأنينة.

جاء وقت السلام والكلام وتفقد أحوال عوائل الشهداء؛

عائلة الشهيدين مجيد ومحمود مختاربند، أول عائلة تم تعريفها إلى القائد. استشهد مجيد في الحرب المفروضة واستشهد محمود في سوريا.
كان هناك ورقة مجهزة لكل عائلة شهيد تتضمن اسم الشهيد وصورته أيضًا ومعلومات حول والديه وزوجته وأولاده وقد ذكر فيها من هم أقارب الشهيد الحاضرون في هذا اللقاء. [يبدأ القائد]:
– السيد “كاظم مختاربند”! هل أنتم في خوزستان أم في قم؟
يسأل القائد والد الشهيدين، فيجيب أنهم حاليًا يسكنون في شوشتر. يلاطف السيد أبا الشهيدين ويتحدث معه عن أحواله وأوضاعه، ثم يقرأ مجددًا عن الورقة:
– السيدة “زهراء معظمي”، والدة الشهيدين الغالية؛ أحوالك جيدة إن شاء الله؟
تبدأ السيدة بالحديث وتقول بلهجتها الشوشترية أنها قدمت شهيدًا في الحرب المفروضة وشهيدًا آخر في هذه الحرب الحالية وأن أحد أبنائها بقي أسيرًا في العراق لمدة ثماني سنوات.
يدعو السيد للأم قائلًا:
– جعلكم الله من أعوان وأنصار إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الخلّص بحق محمد وآل محمد.
تتابع الوالدة كلامها فتقول:
– ما زال لدي ولدان آخران وهم فداك يا سيدي!
– كلا ؛ إن شاء الله يحفظهما لكم.
يقول السيد مجددًا للمرافقين: دعوا الطفل وشأنه؛ أتركوه يأخذ راحته! الجملة كانت تتكرر كل بضع دقائق مخاطبًا بها المرافقين وأقارب الأطفال!
تتابع السيدة قائلةً إنّ ولدها الآخر بقي في الأسر لمدة ثماني سنوات! فيسأل السيد: “لماذا لم تحضروه معكم؟” فيقول الأب: لم يكن هناك مكان كافٍ! يقول السيد ضاحكًا: “لا يوجد مكان؟ كل هذا المكان الواسع!”، ينظر إلى المسؤولين عن عقد هذا اللقاء ومن ثم يمازح والد الشهيدين :” حسنٌ، كان يمكنه أن يأتي في سيارة أخرى!”.
ثم يصل دور زوجة الشهيد؛ يقرأ السيد عن الورقة:
– السيدة “منيرة أفخمي” زوجة الشهيد “مجيد مختار بند” المحترمة. حالتك جيدة إن شاء الله؟
– كان توفيقًا لنا يا سيدي أن نأتي ونكون في خدمتكم.
– بل هو توفيق لنا أن نتشرف بخدمتكم.
– هذا من عظمتكم. نحن نفكّر بمظلوميتك! للأسف فإن بعض الخواص غير منتبهين إلى واجباتهم ومسؤولياتهم وهذا ما يؤذيك ويعرضك للضغوط!

يجيبها السيد ضاحكًا:
– إن شاء الله يهدي الخواص؛ ولكن لا تحزني لمظلوميتي؛ أنا العبد لست مظلومًا أصلًا. وبالنسبة للضغط فنحن دومًا في مواجهة الضغوط ولكن الحمد لله، فقوّتهم لا تقدر علينا.
– السيدة طيبة مختاربند، ابنة مجيد مختاربند؛ سلام عليك يا سيدتي، حالتك جيدة إن شاء الله؟
كانت أسماء أبناء الشهداء مكتوبة بترتيب أعمارهم. يقول الابن الأكبر للشهيد “مجيد مختاربند” إنّ لديه أربعة أبناء:
– ابنتي ذات الخمسة عشر عامًا كانت تود كثيرًا أن تأتي للقائك. طلبت مني أن أسألك عن العمل الذي ينبغي عليها أن تقوم به كي تكون نافعة لبلدها.
وهنا ينظر الجميع للسيد بدقة وانتباه:
– فلتدرس جيدًا ولتقوّي روحية شهادة جدّها في نفسها. إنهن غدًا لبوات مستقبل البلاد الباسلات.
البلاد تحتاجهن. فلتبني نفسها”.
بعد أن يتفقد السيد أحوال أبناء الشهيد مجيد مختار بند الآخرين، يسأل إن كان للشهيد محمود أبناء فيقول أهل الشهيد بأنّه لم يكن قد تزوّج بعد. وكعادته، يقدم السيد هديةً مصحفًا للوالدين ومصحفًا لزوجة الشهيد. حين ينتبه “معين رضا” إلى ما يجري، يعود ليقف مقابل السيد وينظر إليه بدهشة. يحتضن أحد الحاضرين “معين رضا” ليأخذه فيعترض السيد وهو لا يخفي انزعاجه: “لا تزعجه يا سيد، دعه يبقى هنا.. أصلًا اتركه هنا” وأشار بيده إلى الأرض بالقرب منه.
تقترب بنات عائلة مختار بند لأخذ الهدايا التذكارية، ويقبّلن عباءة السيد. في هذه الأثناء يعود “معين رضا” ويبدأ باللعب بالميكروفون الذي أمام السيد!
وسط هذا الازدحام، تنهض كنّة الشهيد مختار بند من مكانها وتسأل السيد “أنا ماذا أفعل؟ ما هو واجبي؟ أنا أتابع دراستي وليس لدي أولاد حتى الآن”.
بمجرد طرحها للسؤال يجيب السيد بأسلوب بالغ الجدية وبسرعة:
– أولًا أنجبوا أولادًا؛ هذا رقم واحد. أولئك الذين يؤخّرون الإنجاب في بداية زواجهم ويكرّرون دومًا: لا يزال الوقت باكرًا، فهذا جحود وقلّة شكر ويبعث على أن يعطي الله للإنسان درسًا قاسيًا!
تقول الكنة التي ما تزال واقفة: “أنا لا أزال أتابع درسي حاليًا!”
– فليكن، لا يوجد مشكلة. إنني أعرف أشخاصًا كان لديهم أربعة أولاد وقد درسوا وتابعوا كل مراحل الإجازة والماجستير والدكتوراه. ثانيًا: تابعوا درسكم. ثالثا: بمقدار ما تستطيعون، اجعلوا حياتكم أجمل وأحلى. يحفظكم الله. أنتم الشباب حاليًا تدركون مرحلة الشباب أكثر منّا. الثورة تحتاج كثيرًا إلى أمثالكم.
أصبحت أجواء اللقاء أكثر حميمية، تقوم أخت الشهيدين من مكانها وتقول:
لدي ابنتان توأمان وكانتا ترغبان كثيرًا برؤيتكم. لديهما امتحانات رسمية هذه السنة وقالتا لي أن يدعو السيد لنا.
– إن شاء الله يرزقهما بزوجين صالحين وإن شاء الله يكون زفافهما في عرس واحد؛ هذا أفضل دعاء!
فيضحك الحاضرون مجدّدًا.

بعد انتهاء الكلام وتقديم الهدايا لعائلة الشهيدين مختاربند، يصل دور العائلة التالية:
– عائلة الشهيدين فرشاد وفرامرز حصوني زاده من الأهواز، ويظهر أنّ الشهيد فرامرز كان قد استشهد في الحرب المفروضة. والد الشهيدين العزيز قد فارق الدنيا ووالدتهما مريضة في المستشفى ولم تتمكن من المجيء.
السيدة “زينت الموالي” زوجة الشهيد “فرشاد”؛ حضرتك؟ كيف حالك؟ بخير؟ كم كان عمر الشهيد؟
بعد السلام والكلام المتعارف تقول إنّه كان في التاسعة والأربعين وقد شارك سابقًا في الحرب المفروضة أيضًا.
– السيدة “زهرا حصوني زاده”، ابنة الشهيد الغالية؛ ماذا تفعلين حاليًا؟
– أنا ربة منزل وأقوم بتربية الأولاد يا سيدي.
– ما شاء الله أحسنت! هذا جيد جدًا.
– وأتابع دراستي كذلك يا سيدي.
– لاحظوا إذا! يمكن للإنسان أن يدرس ويربّي أولاده أيضًا وهذه شاهدة وشهادة حية على كلامنا!
قال السيد هذا وهو يحدق في الأرض ويشير بيده إلى النساء الحاضرات في اللقاء.
– السيد “نادر حصوني زاده”، ابن الشهيد؛ حالتك جيدة يا سيدي العزيز؟
ومن ثم [يسأل] الإبن الآخر:
– وماذا تفعل حاليًا؟
– حاليًا عاطل عن العمل
– عاطل عن العمل؟ لماذا؟ لا يمكن القعود هكذا دون عمل!
– إن شاء الله بمساعدتكم ومساعدة الباقين أجد عملًا، تولوا أنتم مقام الأبوة لنا.
– إن شاء الله يشملكم بظلال لطفه وفضله. من نحن؟ نحن لسنا بأحد يذكر.
وكأنّ القائد أراد من هذا أن يعلّم ابن الشهيد أن يطلب حاجاته من الله فقط وليس من غيره، وإنّه ينبغي ألّا يبقى في انتظار ما سيقوم به الآخرون.
دقائق تمضي فيقوم السيد بإهداء مصحف للأم الغائبة و”بلغوها سلامي”، ومصحف آخر لزوجة الشهيد وهدايا تذكارية للأبناء. حين يتقدّم الأولاد لتقر أعينهم، أقارب الشهداء الآخرون يطلبون بدورهم تذكارات خاتم أو كوفية القائد. فيقدمها السيد لهم جميعًا بكل لطف؛ كلٌّ بدوره وبمساعدة أحد المسؤولين.

– عائلة الشهيد “محرم علي مرادخاني” من “تنكابن”. والد الشهيد المحترم رحل عن هذه الدنيا؛ والدة الشهيد العزيزة السيدة “كبرى دلاوري”؛ حضرتك؟ حالتك جيدة إن شاء الله؟
– سلام عليكم سيدي. نحن مسرورون جدًا بأن وُفّقنا للقائكم.
– الله وفّقنا نحن بأن نقرَب قلوبنا وأرواحنا إليكم. متى استشهد ابنكم؟
– استشهد السنة الماضية. قبلها أصيب بجراح مرة ثم عاد؛ زار بعدها كربلاء؛ ومن هناك طُلب منه الذهاب مجددًا إلى سوريا. كان في المطار حين اتصل بي قائلًا “أماه إني ذاهب إلى سوريا”…
كان السيد يتحدث حين تقدم منه فجأة ثلاثة صبيان في الثالثة أو الرابعة من العمر. يقول أحدهم بصوت عال:
– أنا إسمي “علي”!
انقطع حبل الكلام بين القائد والأم، قبّل السيد علي ضاحكًا. قام أحد المرافقين وحمل الصبيّين الآخرين ليقبّلهما السيد أيضًا. حين يشاهد الأولاد الحاضرون في اللقاء هذا المشهد، ينهضون من كل حدب وصوب وينظرون للسيد منتظرين أدوارهم! صار اللقاء كله بإدارة هؤلاء الأطفال؛ أبناء شهداء أو أحفادهم أو أبناء إخوة وأخوات شهداء.
بعد تقبيل آخر طفل يلتفت السيد للأم ويقول:
– حشرنا الله معهم. إن شاء الله نكون في يوم القيامة معهم أيضًا.

– “طاهرة يونسي”، زوجة الشهيد؛ أنت بخير يا سيدة؟ كم سنة قضيتها مع الشهيد؟
– ثلاث وثلاثون يا سيدي ولكن كأنّها ثلاث سنوات فقط! كان قليل الحضور في المنزل؛ لم نكن نراه كثيرًا.
يرتجف صوت الزوجة قليلًا؛ وكأنّها مشتاقة وعاتبة في الوقت نفسه؛ عتب على قدر المحبة.
– آجركم الله تعالى. لولاكن أيتها الزوجات والأمهات، لو لم تدعمن وتواكبن فلا شك، لما تمكّنوا من الاستمرار في الجهاد في سبيل الله بهذا الشكل.
ويحين دور ابنة الشهيد:
– السيدة فاطمة مرادخاني؛ هل أنت بخير؟ ماذا تفعلين حاليًا؟
– أقوم بتدبير المنزل وتربية الأولاد. “معين رضا” هذا ابني!
ترتفع أصوات ضحك الحضور مجددًا.
ابنا الشهيد الآخران “روح الله” و”محمد علي” يسلمان على السيد. صهر الشهيد هنا أيضًا. السيد يسأل ضاحكًا:
-أين ذهب صغيركم (معين رضا)؟ هل شبع منّا؟
ويضحك الجمع مرة أخرى.
يحين وقت تقديم المصاحف والهدايا التذكارية لعائلة هذا الشهيد. يقترب روح الله من السيد ويطلب منه خاتمه ويقول محمد علي للسيد:
– نحن في هذه المدة عندما لا يكون لدينا عمل، والتزامًا بأوامركم نقوم بالأنشطة الثقافية في الفضاء الافتراضي؛ نرجو منكم الدعاء لتحقيق النتائج الجيدة.
– جيد؛ الفضاء الافتراضي! غاية الأمر أن لا تغرقوا هناك! إذا دخل الإنسان بشكل جيد في هذا الفضاء الافتراضي فهذا أمر حسن؛ ولكن إذا دخل وغرق هناك؛ كلا فهذا ليس جيدًا أبدًا. إنه مكان خطير؛ يجب على الإنسان أن يراقب نفسه وينتبه جيدًا.

ثم يحين دور العائلة التالية؛
– عائلة الشهيد “أبو ذر أمجديان” من كرمانشاه. والد الشهيد، السيد “علي حسن أمجديان”؛ هل أنت بخير؟ كم كان عمر ابنكم؟
– كان في التاسعة والعشرين من عمره يا سيدي.
– وأين أنتم حاليًا؟
– نحن في كرمانشاه؛ في سنقر؛ في إحدى قراها.
– أه! “سنقز”! ذهبت إليها في أيام الحرب.
– نعم وقد زرتموها في سفركم منذ سنوات.
ويكمل السيد حديثه معه ويتذكر أن زيارته إلى كرمانشاه كانت زيارة جيدة جدًا.
– والدة الشهيد، السيدة “فريدة أمجديان”؛ حالتك جيدة إن شاء الله أيتها الوالدة؟
السيدة الوالدة التي تجلس في الصف الأول أمام السيد، لم تكن تستطيع الكلام باللغة الفارسية بطلاقة. يسأل السيد: “هل السيدة تدرك كلامنا معها باللغة الفارسية؟”، فتقول له نعم. يترجم أحد أخوة الشهيد كلام الأم باللغة الفارسية للسيد:
– لدي ولدان آخران وهما فداءً لك يا سيدي.
– حفظهما الله تعالى.
يسأل السيد أبا الشهيد: ” لماذا لا تستطيع الأم أن تتحدث بالفارسية؟”؛ ثم يتحدث معه لدقائق حول تاريخ اللغة الكردية في سنقر واختلافها مع اللغة الكردية في أورامانات.
يتابع الأب كلامه قائلًا:
– لقد قدّمت ابني هدية في طريق أهل البيت (عليهم السلام)؛ وإذا أمرتم فإنّ لدينا ولدين آخرين أيضًا.
يقول له القائد وقبل أن يتمّ كلامه:
– كلا، نحن لا نأمر أبدًا؛ يجب أن نحافظ على هؤلاء إن شاء الله لمستقبل النظام. إنّ كل واحد من هؤلاء الشباب هو جوهرة. إنّ قيمتهم غالية جدًا لمستقبل النظام وإن شاء الله يعملون ويبنون البلاد ويتقدمون إلى الأمام.
ويأتي الآن دور زوجة الشهيد، السيدة “مريم أمجديان” الجالسة إلى جانب والدته. بوضوح شديد يمكن ملاحظة آثار البكاء والعزاء على وجه زوجة الشهيد؛ وكأنّها لم تتكيّف حتى الآن مع فقد عزيزها. تخاطب السيد قائلة:
– ادع لنا كثيرًا.. لنتصبّر ونقدر على التحمّل.
– إن شاء الله ينزل على قلوبكم الصبر والسكينة. أجل، ما تقولينه صحيح. وهذا هو دعائي. إنّني أدعو دومًا لهدوء وسكينة قلوب عوائل الشهداء.
يعرّف عم الشهيد بنفسه من زاوية الغرفة؛ رجل جالس على كرسي ويبدو في سن الأربعين. يتكلم بوقار ومتانة:
– أنا جريح بنسبة 70 % (من جرحى الحرب المفروضة) ولم أوفّق للشهادة.
– حسنٌ أنت الآن شهيد حي؛ لا بأس.
– مع أنّ الجريح بنسبة 70 % لا ينبغي أن يعمل ولكنني أخدم وبشكل افتخاري في مستشفى. هل هناك مانع أن أتقدم لتقبيل وجهك وأخذ كوفيتك؟
– طبعًا تفضل بالتأكيد!
يقوم عم الشهيد بصعوبة وبمساعدة أحد المرافقين ويمرّ من بين الحضور. حين يقترب يقول له السيد ضاحكًا: “ويدك هذه تشبه يدي أيضًا!”.
كانت هذه العبارة كافية ليمسك العم الجريح يد القائد ويقبّلها وهو يبكي بشدة. ترتفع أصوات البكاء والأنين من زوايا المجلس؛ وكأن الجميع قد وجدوا الفرصة المناسبة لإظهار كل هذا الحنين والشوق والعشق والبعد والوصال من خلال هذه الدموع.
يقوم الجريح عن يد السيد ويقول باكيًا اسمح لي يا سيدي الحبيب أن أقبّل قدمك! ويهوي نحو قدم السيد الذي يتراجع بسرعة للخلف: كلا، أبدًا.. إذا صار الأمر هكذا فأنا لا أسمح بهذا مطلقًا.
يرفع المرافق عم الشهيد وينتهي الأمر؛ يعود ليجلس على كرسيه وهو يمسح دموعه بيديه.
يهدي السيد المصحف لوالدي الشهيد. يُفهم من كلام العجوز القروي بأنه يؤمن قوت يومه في هذه الأيام من عمله كبائع متجوّل، كان بإمكانه أن يقول إنّه يعاني من أوضاع صعبة، وأنه يتوقع أن يدعمه أحد؛ ولو قالها لكان بقي عزيزًا مرفوع الرأس أيضًا، فعمل البيع المتجوّل من أصعب الأعمال، ولما كان لامه أحد حتى في سرّه، ولكنّه لم يقل شيئًا من هذا وقال فقط:
– أنا ممتنّ لكم كثيرًا جدًا؛ منذ سنوات وأنا أحلم وأتمنى لقاءكم. أشكر الله الذي وفّقني لهذا.
يقول السيد ضاحكًا وعاقدًا حاجبيه:
– ليتك طلبت أمنية أفضل! فما هذه الأمنية يا عم! ما هي أهميتها؟!
– حفظك الله كي تسلم الراية يدًا بيد صاحب الزمان.
– إن شاء الله، إن شاء الله.
يطلب كل واحد من أقرباء الشهيد “أمجديان” من السيد الدعاء والكوفية وهدية تذكارية. تتقدم فتاتان صغيرتان ترتديان العباءة إلى أمام السيد:
– أنا إسمي نيايش! إبنة أخي الشهيد أمجديان
– وأنا إسمي نرجس!
– ما أجمل إسميكما! في أي صف أنت يا آنسة نرجس؟
– في الصف الثالث
يقبّل القائد نيايش وهي الأصغر. تقول والدة نرجس إنّ ابنتها ستشارك هذا العام في احتفال التكليف، فيهديها السيد خاتما أيضًا. ويقول للفتاتين:
– جربا الخاتمين الآن، إن كانا كبيرين أعطيكما خاتمين أصغر” لكنهما كانا مناسبين.
عادت الفتاتان فرحتين نحو والدتيهما.

في هذه الأثناء، ينادي أحدهم السيد من زاوية من زوايا المجلس وأظنّه يخاطبه “بسيدي الحبيب!” يلتفت السيد إلى مصدر الصوت؛ فيتابع المتكلم بلهجته القروية الحميمة ويقول:
– وأنا أيضًا كنت صهر الشهيد ورفيق سلاحه كذلك!
يقول السيد ممازحًا:
– حسنًا، وماذا تقول الآن؟!
– تفضّل عليّ بهدية أيضًا!
– نعم ، حتمًا!
– هل تأذن لي بالتقدم؟
– نعم، تفضل!
يستقبل السيد رفيق درب الشهيد بالأحضان؛ يتقدم الرفيق وينحني ليقول للسيد بصوت منخفض:
– لقد أصبت بجراح هذه المرة ولم أستطع أن أحظى بالشهادة. ادع لي في المرة القادمة …
تخنقه العبرة فلا يتمكن من إكمال كلامه. يقول السيد:
– لا أدعو لك بأن تستشهد. إنما أدعو بأن توفق للجهاد في سبيل الله.
– ادعُ بأن يقبلنا الإمام علي (عليه السلام) كمدافعين عن حرمة ابنته.
تتغير ملامح وجه السيد قليلًا وكأنه قد تأثر بهذه الكلمات الكبيرة؛ ويقول له: إن شاء الله.

– عائلة الشهيد “مهدي علي دوست آلانقي” الكريمة؛ والده السيد محمد علي دوست؛ كيف حالك؟ هل آلانقي هو اسم مكان؟
يجيب الأب وهو عالم دين معمّم بأنها قرية من قرى تبريز. يلتفت السيد إلى أنّ العائلة تركية (آذرية) فيتابع حديثه معهم باللغة التركية:
– كم كان عمر الشهيد؟ متى استشهد؟
– كان في الحادية والعشرين من عمره؛ من المغاوير، استشهد السنة الماضية في الثالث من شهر محرم خلال تحرير مناطق الشيعة في حلب.
يأتي دور والدة الشهيد؛
– ادع لنا يا سيدي في صلاة الليل.
– على عيني، حتمًا؛ أنتم ادعوا لنا أيضًا فنحن بحاجة للدعاء أكثر منكم.
كان الشهيد وزوجته قد عاشا معًا لمدة خمس سنوات. ذلك الصبي الأشقر الذي أطل وقال “أنا علي” هو ذكرى الشهيد.
أخو الشهيد الذي كان طالبًا جامعيًا وحوزويًا في الوقت نفسه طلب من السيد أن يعمّمه بيده فقبل السيد بأن يقوم بذلك في لقاء مستقلّ.

أخت الشهيد طالبة علوم دينية في جامعة الزهراء في قم؛ قالت للسيد:
– أخوات وأقارب مدافعي الحرم الباكستانيين من أصدقائي يهدونك السلام.
– هل هم في قم؟ أبلغوهم سلامي. إنهم يقومون بعمل جيد. “الزينبيون” يقاتلون بشكل جيد جدًا ويجاهدون بتميّز. أوصلوا سلامي إلى آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم.

أخو الشهيد الذي يتقدم لتقبيل السيد، يطلب منه هدية مصحفًا له ولزوجته فيجيبه السيد: “أنا أقدم مصحفًا فقط لوالدي الشهيد ولزوجته”. يعود الشاب ويجلس في مكانه ثم يعود بعد دقائق نحو السيد – الذي كان يقدّم الخواتم لبقية أقارب الشهيد – ويقول: لقد أخذت المصحف من أبي! لو سمحت حضرتك أن تهديه خاتمًا!
يقول السيد للشاب، وقد مد يده إلى داخل عباءته وهو يجمع بين العبوس والتبسم: “كيف تجرأت وأخذت المصحف من أبيك؟”؛ فيضحك الحضور مجددًا.

– عائلة الشهيد “محمد بلباسي” الكريمة؛ الوالد قد ارتحل عن هذه الدنيا. الوالدة “هاجر عباسي” وأخت الشهيد أيضًا هنا.
تذكر الوالدة أنّها، إضافة إلى كونها والدة شهيد، فهي أيضًا زوجة جريح وقد استشهد أخوها وأخو زوجها أيضًا؛ أي إن عم وخال الشهيد بلباسي قد استشهدا أيضًا أثناء الثورة والحرب المفروضة:
– سيدي القائد، لقد رأيت في المنام قبل مدة من شهادة محمد أنّك أعطيتني علبة ورأيت أنّ بداخلها شيئا جميلًا، وقلت لي هذا من حقك؛ ظننت أنّها لي ولكن بعد شهادة محمد أدركت أنّ هذه الهدية كانت له. كان الشهيد يحبك كثيرًا وعندما كانوا يبثّون كلامك على التلفاز، كان محمد يجمع الشباب ويجلسون ليستمعوا إلى خطابك. كان يحب كثيرًا أن يأتي للقائك.
كان السيد يحدق في الأرض طوال كلامها ويقول :”سلمك الله، عافاك الله”.

– السيدة محبوبة بلباسي، زوجة الشهيد العزيزة. لقد قرأت وصية هذا الشهيد وهو يقول لزوجته إنه “لولاكِ لما مشيت على هذا الدرب”. أنت من ساعدني لأسير في هذ الطريق. هكذا كان يا سيدة؟
وكأن زوجة الشهيد تفاجأت من لطف السيد وكلامه عنها. لم تقل شيئًا. ولكن والدة الشهيد قامت لتقول:
-نعم هكذا كان؛ محمد في الأساس لم يكن يحضر كثيرًا إلى المنزل وكل ثقل مسؤولية الحياة وتربية أربعة أولاد كان على عاتق زوجته.
كانت زوجة الشهيد تحضن طفلة لم تتجاوز العشرين يومًا من عمرها. طلبت زوجة الشهيد من السيد أن يقرأ الأذان والإقامة في أذني طفلتها. طلب السيد من الرجال أن يناولوه الطفلة. بدأ السيد بالأذان في الأذن اليمنى وعندما وصل للإقامة في اليسرى، كأنها انتبهت واستيقظت ولكن القائد عاد فهدهد لها بكل هدوء حتى نامت مجددًا.
يحين وقت تقديم الهدايا والمصاحف؛ تتقدم زوجة الشهيد مع أطفالها الثلاثة الصغار؛ تقول للسيد:
– خال الشهيد شهيد الثورة وعمه شهيد الحرب والشهيد نفسه من شهداء الدفاع عن الحرم في سوريا؛ أُدع لأولادنا أن يحرّروا القدس.
– أدعو لهم أن يكونوا في درب الجهاد.
أحد أقارب الشهيد بلباسي، وهو مسؤول تعبئة الأساتذة في مازندران، يتقدم نحو القائد ويقول إنّ الثورة الإسلامية مهجورة في الجامعة؛ يتوجه السيد إليه بالكلام قائلًا:
– طالما أنتم هناك، فالثورة ليست غريبة! كل هؤلاء الأساتذة الثوريين وكل هؤلاء الطلاب الثوريين، إن الجامعة هي لكم! من الممكن أن يكون هناك أربعة أشخاص غير صالحين وعدد آخر غير مبالين؛ لا بأس. عندما يوجد مجموعة ثورية في الجامعة، فالثورة ليست غريبة. كونوا مجموعة، تعاونوا معًا ولن تكون الثورة مهجورة غريبة.

شيئًا فشيئًا، صار واضحًا أنّ لقاء الساعتين هذا قد شارف على الانتهاء:
– عائلة الشهيد “حميد رضا فاطمي أطهر” المحترمة؛ والد الشهيد السيد “عبد الرضا ممبني”.
يسأل السيد والد الشهيد: “لماذا يوجد فرق في اسم العائلة؟”، فيقول الوالد إنّ الأبناء قد غيّروا اسم العائلة وأنا قد أغيّره أيضًا. يقول له السيد: كلا لماذا تغيّره؟ دعه يبقى هكذا؛ ويقول الأب إنّ هذا اسم قوم. أثناء الحوار يتقدم طفل ليقف مقابل السيد ويقول:
– هل يمكنني أن أقول لك شيئًا؟
– قل.
– هل يمكنك أن تعطيني هدية للذكرى؟
– على عيني! أعطوه هدية للذكرى أيضًا!
يضحك الحضور. عندما كان السيد يقدّم الخواتم للأطفال، كان يؤكد على مديري اللقاء بأن يتأكدوا بأن الخواتم مناسبة على مقاس أصابع الأطفال؛ وهذه المرة يدقّق مجددًا في هذا الأمر.

كان الشهيد “أطهر” في السابعة والثلاثين من عمره حين استشهد؛ توضح أمّه:
– كان “حميد رضا” يحب كثيرًا أن يراك عن قرب ويتشرف بزيارتك ولكنّه لم يتمكن من ذلك.
– نسأل الله أن يكتب لنا أن نرى شهيدكم عن قرب ونزوره نحن يوم القيامة.
بعد تفقد أحوال زوجة الشهيد أطهر، يحين وقت تقديم المصاحف والهدايا التذكارية؛ تقترب فاطمة ابنة الشهيد من السيد وتقول:
– هل يمكن أن تعطيني خاتمًا من جيبك؟!
– وكيف تعرفين أنّ هناك خاتمًا في جيبي؟
– رأيتك من بعيد وأنت تعطي الخواتم للآخرين!
– تفضلي هذ الخاتم لك! لم يعد في جيبي خاتم!

يتقدم ابن الشهيد أطهر الصغير؛ يقولون إنّه مداح وفي الصف السادس؛ فيسأل السيد:
– لو كان الإمام الخميني هنا، ماذا كنت تطلب منه؟

يمسك السيد يد الصبي وينظر إلى الجدار المقابل؛ ينصت الجميع بانتباه ليسمعوا ماذا سيجيب السيد، الذي يتأمل قليلًا ثم يقول:
– يختلف الأمر؛ لو كنت في مثل سنّك لطلبت شيئًا؛ ولو كنت في سني الحالي لطلبت شيئًا آخر.
– تخيل أنّك كنت في سنيّ أنا!
– أفضل شيء هو الدعاء؛ كنت طلبت من الإمام أن يدعو لي لأتحرك مثل الإمام الخميني. هذا أفضل شيء.
وكأن الصبي لم يتوقع مثل هكذا جواب، يخفض رأسه قليلًا للأسفل! يتابع السيد كلامه ضاحكًا: “والآن إن أردت خاتما أيضا فسنعطيك، لا مانع عندنا أبدًا!” ويضحك الجميع مجددًا.

ويصل الدور إلى آخر عائلة شهيد:
– عائلة الشهيد “علي رضا قنواتي” المحترمة؛ الوالدة ارتحلت عن هذه الدنيا؛ الوالد لم يحضر بسبب المرض؛ زوجة الشهيد السيدة “مريم آزادي”؛ كيف حالك؟ كم كان عمر الشهيد؟
– كان في الخامسة والثلاثين من عمره يا سيدي.
يذكر السيد أسماء أبناء الشهيد؛ يتقدم شاب ويقول: عفوًا يا سيدي، لقد وصلت مؤخرًا من كربلاء وقد أصبت بالزكام ولهذا لن أقترب لأقبّلك. يسأله السيد:
– ماذا تفعل حاليًا؟
– والله لقد حاولت عدة مرات أن أذهب إلى هناك!
– إلى أين أردت أن تذهب؟
– نحن بالأساس وُجدنا كي نذهب ونقضي على هؤلاء التكفيريين ولكن الحاج قد أعادني إلى هنا!
– من هو الذي أعادك؟
– هذا هو!
– هل هو من أقاربك؟
– كلا، إنّه مسؤول إرسال المقاتلين للجبهات.

يقول الحاج المسؤول وهو جالس في آخر المجلس إنّ الشاب ابن شهيد وقد أمر الحاج قاسم سليماني بعدم إرسال أبناء الشهداء إلى جبهات القتال.
عندما يسمعه السيد يقول: “جيد جدًا؛ لا تذهب.. لا تذهب وابق واعمل في خدمة النظام”.
تتقدم ابنة الشهيد قنواتي أيضًا وتقدم هدية للسيد هي عدة رسائل وصور؛ لا تتمكن من السيطرة على نفسها وعدم البكاء؛ تضبط نفسها بصعوبة وتطلب من القائد الدعاء وهدية تذكارية:
– إذا أمكن أن تعطيني هذا الخاتم الذي في يدك.
– لقد أعطيت كل الخواتم ولم يعد هناك خاتم في يدي!
– حسنًا، الخواتم التي في يدك الأخرى!
– كلا، هذه ليست للإهداء!
فترضى بالخواتم الأخرى فتأخذ هديتها وتعود لمكانها.

ها هي لحظات اللقاء الأخيرة. الجميع يطلب كوفية وخاتم للذكرى. الظاهر أنها نفدت وعلى الباقين أن ينتظروا مغادرة القائد كي يستلموا هداياهم. يكتب السيد بعض الكلمات على صور الشهداء التي أحضرتها العوائل للذكرى. بعد أن يشتد الازدحام حوله وبعد جلوسه على كرسي لمدة ساعة وخمس وأربعين دقيقة، يقوم السيد من مكانه ويغادر الغرفة. يطلق الحضور الصلوات على محمد وآله. الكل مسرور ومبتهج، وكأنّ آلام الشوق قد سكنت قليلًا. يفكّرون بالجهاد وبتربية هؤلاء الأطفال الصغار الذين لعبوا لساعتين أمام قائدهم؛ الذين استلقوا على الأرض؛ وركضوا وصاروا كبارًا!
وفي مكان بعيد -ليس بعيدًا جدًا- في انتهاء العزاء، يحدث أمر آخر. لا يمكن سوى ذرف الدموع على الرؤوس المرفوعة على الرماح؛ لكن النار أُبعدت عن صحن الحرم وحريم المقام ولم تعد الأحجار قادرة أن تطال جبهة القبة الشامخة. لقد بنت الأرواح المضحية حصنًا حصينًا وأُلقى آباء وأجداد “معين رضا” وأمثال “معين رضا” التحية العسكرية على القبة والحرم؛ تحية قوية مخلصة صافية لدرجة عادت معها حمامات الحرم إلى الصحن الشريف ومقام ابنة علي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق