تحقيقات

مأزق إسرائيل في الشمال

اليكس فيشمان
Mar 25, 2017

إذا سألتم وزير الدفاع افيغدور ليبرمان، فإن حزب الله سيحصل خلال أقل من عامين على صواريخ دقيقة وبعيدة المدى وسيبدأ العد التنازلي للحرب الشاملة في الشمال. ليس صدفة أنه في الاسابيع الاخيرة يتحدث الوزراء والضباط علنا عن أنه في الحرب القادمة سيعود لبنان إلى القرن الثامن عشر. تعبير القرن الثامن عشر عاد وطرح في التقييمات والتقديرات الخاصة بسوريا ولبنان. هذه الرسالة موجهة لآذان الشعب اللبناني والقيادة اللبنانية، من نوع لا تسمحوا لمجانين حزب الله أن يأخذوكم إلى الضياع. في الحرب القادمة ستدمر أولا اهداف الدولة اللبنانية مثل الشوارع والمواصلات والكهرباء والوقود والغذاء ومؤسسات النظام والمؤسسات المالية. كل شيء سيحترق.
تهدد إسرائيل بفم ملآن، وهذا يعني أن هجمات إسرائيل في سوريا ضد المخازن وقوافل السلاح ونشطاء في التهريب ستزيد من اجل تأجيل الحرب قدر الامكان. في الوقت الحالي إسرائيل لا تقصف منصات الصواريخ بعيدة المدى في لبنان، وكما يبدو لأنه لا توجد هناك كمية كبيرة، وقصف لبنان في هذا التوقيت سيشعل الجبهة الشمالية دون مبرر كاف.
صحيفة «الجريدة» الصادرة في الخليج العربي كشفت مؤخرا أن حزب الله يقيم داخل انفاق في لبنان مصانع تحت ارضية لانتاج الصواريخ الدقيقة. وحسب وصف الصحيفة فإن الحديث يدور عن جهاز يشبه الجهاز الذي أقامه اتحاد الصناعات العسكرية السورية «سيرس». خطوة حزب الله لم تؤد إلى رد إسرائيلي عسكري. ولكن من يريد يمكنه أن يفهم ما نشر في الصحيفة كتحذير: كل شيء مكشوف ومعروف. إذا بدأت المصانع في هذه الانفاق بانتاج الصواريخ فستقوم إسرائيل بتدميرها حتى لو كان هناك خطر نشوب الحرب.

مظلة بوتين

إيران هي عدو عنيد مع قدرات، وهي لا تنوي التنازل عن اقامة جهاز الصواريخ الدقيقة في لبنان، الذي من المفروض أن يضر بشكل كبير بقدرة إسرائيل العسكرية. إن استهداف قوافل السلاح لحزب الله في الاراضي السورية يضع أمام إيران تحدي أمن المعلومات. ويبدو أن الدرس الذي تعلمته هو محاولة تحقيق الهدف بطرق اخرى، مثل اقامة مصانع انتاج في لبنان وبناء ميناء إيراني في اللاذقية في سوريا. وهذا الميناء يمكنه استيعاب كمية كبيرة من الوسائل الثقيلة التي ستصل عن طريق البحر تحت مظلة القوات الروسية التي تسيطر على الميناء. بالنسبة لموسكو، إيران ليست هي المشكلة في سوريا بل هي جزء من الحل. لذلك فإن إيران تحظى الآن بحصانة روسيا.
يتبين أن اللقاء الاخير بين نتنياهو وبوتين لم يثمر عن النتائج المرجوة. وقد حاول نتنياهو اقناع روسيا بالامتناع عن اقامة الميناء الإيراني في اللاذقية، لكنه فشل. موظفون في وزارة الخارجية الروسية يظهرون كأنهم لا يعرفون جوهر طلب إسرائيل: «نحن ايضا أقمنا ميناء بحريا»، هكذا يردون على نظرائهم في وزارة الخارجية الإسرائيلية. «لذلك لن نستطيع منع دولة سيادية من استضافة دولة سيادية اخرى لانشاء الميناء لديها».
إن هذه السذاجة هي من روائع الدبلوماسية الروسية. عندما اشتكت إسرائيل في آذان روسيا من أن السلاح الروسي المخصص للجيش السوري وصل إلى حزب الله، حسب مصادر اجنبية، والمقصود هو صواريخ الشاطيء «يحونت»، صُدمت ووعدت بفحص هذا الامر. وقد ذهب ضباط روس إلى الميدان وقاموا باجراء الفحص وعادوا مع الاجابة بأن هذا غير صحيح.
الجمهور في إسرائيل اعتاد على التعاطي مع دول العالم باللونين الاسود والابيض: إما أنها تحبنا أم لا. إلا أن روسيا هي من النوع الذي يحب نفسه. وإسرائيل بالنسبة لهم هي جندي آخر في الشطرنج، وليست بالضرورة من مجموعتهم.
كان باستطاعة سلاح الجو الإسرائيلي الاستمرار في القصف في سوريا طالما أن هذا الامر لا يضر المصالح المباشرة لروسيا. إلا أن إسرائيل فاجأت وقصفت في المنطقة التي توجد فيها قوات روسية وقيادة روسية لمراقبة القوات السورية في تدمر. في ذلك الهجوم أصيبت كما يبدو وسائل غير تابعة لحزب الله. وسائل الاعلام في سوريا صرخت ووجهت التساؤلات لروسيا. وروسيا بدورها شعرت أنها لم تفعل أي شيء، حتى لو دبلوماسيا، ضد إسرائيل. وهذا سيبدو ضعف، لذلك قامت باستدعاء السفير الإسرائيلي والملحق العسكري الإسرائيلي في موسكو للقاءين في وزارة الخارجية الروسية مع نائبي وزراء يهتمون بالشرق الاوسط (يوجد لوزير الخارجية الروسي 11 نائبا). ولم يتم نشر ما قيل في اللقاءات. ومجرد اجراءها سمح لسفير سوريا في الامم المتحدة بالاعلان عن أن روسيا قد حذرت إسرائيل، الامر الذي خفف الضغط عليهم. ولكن طالما أن الرئيس بوتين لم يقم بالاتصال مع نتنياهو للتأكيد على موقف روسيا، فلم يتغير أي شيء ويمكن الاستمرار في القصف في الوقت والزمان المناسبين.
إن هذه هي افضلية وزير الدفاع ليبرمان. فقد قرأ سلوك المؤسسة الروسية بشكل أفضل من الاشخاص الموجودين حول طاولة الكابنت، بل وأفضل من القيادة العسكرية التي تأتي اليه كل يوم خميس من اجل الحصول على المصادقة على العمليات والطلعات الجوية وراء الخطوط. لذلك فإن ليبرمان ليس فقط لا يكبح أو يرفض العمل العسكري ضد السلاح المتقدم بعيد المدى وهو في الطريق إلى حزب الله، بل يشجعه. وحسب رأيه فإن كل تردد لإسرائيل تجاه التهديد السوري والضغط الدبلوماسي سيترجم في روسيا كضعف. وإسرائيل ضعيفة ستكون شريكا هامشيا يمكن تجاهله عند اجراء المفاوضات على مستقبل سوريا.
في بداية الاسبوع تحدثت الصحف الاجنبية عن قصف إسرائيلي، هذه المرة في خان أرنبة في هضبة الجولان السورية. وبعد هذا القصف لم تعقب روسيا، لكن ذلك لم يكن اختبارا حقيقيا لأن القصف لم تكن له صلة بحزب الله أو النظام السوري، بل نفذ كما يبدو في سياق العمل الامني الشامل والمشترك ضد جهات إرهابية فلسطينية. ياسر السيد الذي قتل في سيارته في طريقه من خان أرنبة إلى دمشق كان سوريا عمل في منظمة إسلامية فلسطينية خططت لتنفيذ عملية كبيرة عشية عيد الفصح.
إن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما يعلن وزير الدفاع أن إسرائيل ستقوم بقصف كل منصة صواريخ تقوم باطلاق الصواريخ على طائرات سلاح الجو. وهذه ليست اقوال بل قرار. ويمكن الافتراض أنه إذا اقامت إيران في هذه السنة الميناء في اللاذقية لاستيعاب السفن الإيرانية التي تنقل السلاح لحزب الله، فإن إسرائيل ستقصف هناك ايضا، رغم تواجد روسيا في المكان.
في هذا الاسبوع، في الوقت الذي ثار فيه الكنيست بسبب قضية الاتحاد، جلس وزير الدفاع في مكتبه لمشاهدة التلفاز. وقد شاهد البث المباشر لمساءلة رئيس الـ «اف.بي.آي» جيمس كومي في الكونغرس، ورأى كيف أن تدخل الولايات المتحدة في التسوية المستقبلية في سوريا آخذ في الابتعاد. وقد تحدث كومي عن بدء التحقيق الرسمي في تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية وعن الاتصالات التي اجراها اشخاص من محيط ترامب مع ممثلين روس رسميين. ويتبين أن الـ اف.بي.آي كان يقوم بمراقبة هذه العلاقة منذ العام 2015. وفي العام 2016 اعتقلت روسيا ضابطين في الامن الفيدرالي الروسي الـ اف.اس.بي وموظف رفيع المستوى في شركة «كسبرسكي». وهؤلاء الاشخاص الثلاثة خبراء في السايبر. ويبدو أنهم سربوا المعلومات حول تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية. ويمكن أن يدخل هذا التحقيق ادارة ترامب في ضائقة، وفي هذا الوضع فإن فرصة مبادرة واشنطن لخطوة روسية ـ أمريكية مشتركة حول الاتفاق في سوريا، آخذة في التلاشي. وطالما أن الولايات المتحدة لا تتدخل في الحل السياسي لسوريا فإن تأثير الشركاء الآخرين في المحادثات مثل إيران سيزداد. وبالنسبة لإسرائيل هذه بشرى سيئة. وبالنسبة لليبرمان فإن تهديد إيران ما زال في أولوية سلم التهديدات لإسرائيل، والاستثمارات تتم بناء على ذلك.

أبداً ليست حماس

غطاء الغموض تمت ازالته للحظة، ليس فقط عن هجمات سلاح الجو في سوريا، بل ايضا عن طريقة العمل وطبيعة الاهداف التي يقوم بقصفها سلاح الجو في غزة. في يوم الاربعاء الماضي، اثناء جلسة للكنيست، كشف رئيس الاركان غادي آيزنكوت أنه منذ عملية الجرف الصامد استهدف الجيش الإسرائيلي مئات الاهداف النوعية، بما في ذلك الانفاق، بواسطة تقنية جديدة طورها سلاح الجو. نمط العمل في غزة في فترة ليبرمان لا يركز على الردع والعقاب كرد على اطلاق الصواريخ من القطاع، بل يذكر بنمط العمل في الشمال. الساحة الغزية تحولت كما يبدو إلى جزء من العمل بين الحربين لتدمير قوة العدو قبل نشوب المعارك. إلا أن إسرائيل في غزة تختبيء وراء ما يسمى «استغلال الفرص» من اجل قصف اهداف لحماس ومنع زيادة قوتها.
أعداء حماس هم الذين يوفرون الفرص لإسرائيل، من الحركة السلفية في القطاع، التي تقوم باطلاق الصواريخ على إسرائيل. وحماس تقوم بملاحقتها ومؤخرا اعتقلت 500 نشيط من الحركة من اجل منعهم عن اطلاق الصواريخ على إسرائيل. السلفيون من ناحيتهم يريدون رد إسرائيل من اجل اضعاف حماس، ودفعها لاطلاق سراح أتباعهم من السجن، لذلك يقومون بالاستفزازات على الحدود الإسرائيلية. إنهم يقومون باطلاق صواريخ قديمة قصيرة المدى مثل قسام 5 أو الكاتيوشا 7 ملم. وليس لهم الوقت الكافي للاطلاق بالشكل الافضل لأنهم ملاحقون من قبل كتائب «المرابطين»، وهو حرس الحدود في حماس. لهذا لا يقومون بالاطلاق. ولكن بالنسبة لإسرائيل هذا يكفي للقيام بهجوم آخر لاضعاف قوة حماس.
عندما انتخب يحيى السنوار رئيسا لحماس في القطاع كان التقدير في قيادة الجيش الإسرائيلي هو أن المستوى السياسي سيقوم في البداية بفحص توجه المنظمة، ويمكن تخفيف العمل ضدها. إلا أن قيادة الجيش اخطأت. فتبدل قيادة حماس ليس اعتبارا في الضوء الاخضر الذي يعطيه وزير الدفاع للعملية العسكرية ضد غزة.
في العادة تبدأ المصادقة على العمليات ضد العدو في يوم الثلاثاء. القيادة الجنوبية مثلا تقدم لقسم العمليات افكار لعملية عسكرية في القطاع. وهذا القسم يناقش هذه الافكار ويوضحها ويقوم بنقلها في يوم الاربعاء لمصادقة رئيس الاركان ونائبه. وهذان يقومان بتقليص الاهداف ويضعان الاولويات. في يوم الخميس يقوم رئيس الاركان بتقديم الخطة التنفيذية لمصادقة وزير الدفاع، ويستطيع الوزير الاستعداد لهذا اللقاء لأن سكرتيره العسكري يكون موجود في النقاش الاولي لدى رئيس الاركان. ويتوقع أن يقدم رئيس الاركان الخطط التي سيصادق عليها وزير الدفاع.
إن النقاش الذي يتم في يوم الخميس في مكتب وزير الدفاع هو نقاش رسمي وجاف. ولكن هذه نقطة التقاء حساسة يحتك فيها رئيس الاركان مع الاعتبارات السياسية. أما وزير الدفاع فيؤثر في المواضيع العسكرية المهنية. والوزير الذي لم ينشأ في الجهاز العسكري يجب أن تكون له ثقة كاملة برئيس الاركان ونزاهته المهنية. فهو الذي يصادق على الخطط التنفيذية التي قد تسبب ضحايا وتورط سياسي. وآيزنكوت له افضلية هنا لأنه كان السكرتير العسكري لرئيس حكومة ووزير دفاع وهو يدرك هذه الحساسية. ويبدو أن هناك بينه وبين ليبرمان، لا يوجد فقط تقاسم واضح في الادوار، حيث لا يتدخل أحدهما بصلاحيات الآخر، بل توجد بينهما ثقة كاملة. فالواحد منهما يعتمد على الآخر في عدم جره إلى اماكن غير مرغوب فيها، سواء كانت سياسية أو عسكرية. وفي احيان كثيرة لا يكون وزير الدفاع راضيا عن خطة تنفيذية، لذلك يتم اللقاء الشخصي المغلق في يوم الخميس بين وزير الدفاع ورئيس الاركان، أو لقاء عمل بوجود السكرتير العسكري للطرفين، حيث يتم تناول الامور دون حدوث انفجارات تصل إلى العناوين. يبدو أن آيزنكوت عرف جيدا الوزير المسؤول عنه، والخطط التي يقدمها يقوم ليبرمان بالمصادقة عليها.
إن استمرار استخدام القوة في قطاع غزة يسرع المواجهة القادمة. وحماس قلقة جدا من العائق الذي تقيمه إسرائيل على الحدود وهي تحاول التعاون مع إيران ومعرفة نقاط الضعف فيه، بالضبط مثلما حاولت بمساعدة إيران معرفة نقاط ضعف القبة الحديدية. في الشهر الماضي اعتقل في حاجز ايرز محمد مرتجى، وهو نشيط في حماس ويدير منظمة مساعدة للحكومة التركية في القطاع، وقد كان في طريقه إلى تركيا للحصول على صور الاقمار الصناعية عن إسرائيل، التي قد تساعد حماس في تحسين دقة الصواريخ. والجيش الإسرائيلي من ناحيته قام في هذا الاسبوع بتدريب مفاجيء لجنود الاحتياط في الجنوب، وهذا التدريب شمل ايضا حركة سريعة للدبابات والمجنزرات نحو غزة. المواجهة القادمة توجد على نار متوسطة. وفي نهاية المطاف سيكون الغليان.

يديعوت 24/3/2017

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق