ثقافة

الإرادة الإلهية بين الحدوث والقـدم في الفكر الإسلامي


تنزيل البحث

نحاول في هذا القول عرض إشكالية حدوث الإرادة الإلهية أو قدمها في الفكر الإسلامي الكلاسيكي، وهي واحدة من الإشكاليات الكثيرة التي يطرحها موضوع الإرادة الذي شغل كثيرًا المفكرين الإسلاميين، متكلّمين وفلاسفة (كإشكالية الإثبات والنفي، علاقة الإرادة بالمراد، الحرية والقسرية…). ولا تخفى أهمية هذا الموضوع، كما موضوع الإرادة بشكل عام، وحساسيته المذهبية لكونه يعكس تصوّرات نظرية متباينة تنمّ عن اختلاف في المنطلقات العقدية والفلسفية لكل فرقة، بل وأحيانًا للمفكّر الواحد. وقد تناولنا هذا الموضوع في الفكر التيولُوجي الإسلامي بالمعنى العام، وليس في علم الكلام بحصر المعنى وحسب، وقد استعملنا هذا المفهوم عن قصد حتى ينسحب أيضًا على الفلاسفة المشائيين الذين خاضوا أيضًا في هذا الموضوع، لكن مع التنبيه إلى أنّنا أهملنا مواقف الفكر الصوفي الذي نعتقد أنه عالم قائم بذاته ليس ها هنا مجال القول فيه.

 يمكن القول: إن ثمّة أربعة مواقف، في التيولُوجيا الإسلامية إجمالًا، تراوحت بين القول بقدم الإرادة الإلهية، وبين القول بحدوثها. ففي الوقت الذي يعتمد فيه الأشاعرة والفلاسفة المشائيون الرأي الأول الذي يقول بالقدم، نجد المعتزلة، إلى جانب بعض الفرق المجسّمة، تتبنّى مذهب الحدوث. وما قد يلاحظ من التقاء فرق متباعدة حول هذا القول أو ذاك لا يعدو أن يكون ملاحظة ثانوية وغير ذات أهمية، لأنّ ما يبدو أنه يجمع بينها هو مجرد خيط رقيق، سرعان ما يتقطع ليكشف عن البون الشاسع الذي يفصل بين هذه الفرق في هذه المسألة. فإذا كانت المعتزلة تلتقي مثلًا مع الكرامية في القول بالحدوث، فإنّها تفترق معها بعد ذلك افتراق من يجعل الذات الإلهية محلًّا للحوادث وهو موقف هذه الفرقة الأخيرة، ومن يعتبر أن الإرادة الإلهية حادثة لا في محل وهو موقف المعتزلة. كذلك الأمر بالنسبة للأشاعرة والفلاسفة: فإذا كانوا يتّفقون في القول بقدم الإرادة الإلهية، إلا أنّ الأشاعرة يجوّزون إمكانية صدور مرادات حادثة عن إرادة قديمة، وهو أمر مستحيل في نظر الفلاسفة المشائيين؛ إذ لا يمكن في نظرهم تصوّر صدور حادث عن قديم مطلقًا، لأن الإرادة القديمة، كما يوضّح ذلك ابن رشد، لا يصدر عنها إلا مراد قديم، تمامًا كما لا  يصدر عن الإرادة المحدثة إلا مراد حادث([1]).

فما هي إذن المسوّغات التي تقدّمها كل فرقة ـ خاصّة منها فرقتي المعتزلة والأشاعرة علاوة على الفلاسفة ـ في قولها بقدم الإرادة أو بحدوثها؟ وكيف تشهر كل فرقة تعليلاتها، إثباتاتها واعتراضاتها في وجه الفرق الأخرى؟ وتبعًا لذلك كيف يتأسّس تصوّر كل منها لطبيعة الإرادة الإلهية؟

الحوار المعتزلي- الأشعري

عمد الأشاعرة ـ وعلى عادتهم في جلّ المسائل الكلامية ـ إلى تفنيد رأي المعتزلة حول حدوث الإرادة الإلهية؛ والتفنيد عندهم، كما عند غيرهم من المتكلّمين، هو عينه إثبات لعكس ما فنّدوه. فإذا أبطلوا فكرة كون الله مريدًا بإرادة محدثة قطعوا، من ثمّة، وبما لا يدع مجالًا للرّيبة عندهم، “بكونه مريدًا بإرادة قديمة أزلية”([2]). ومن بين الأدلة التي يقدّمونها في إبطال فكرة حدوث الإرادة لدى المعتزلة، نجد هذا الدليل الأساسي الذي مفاده أن كلّ الحوادث إنّما تفتقر إلى إرادة، “ولو كانت الإرادة حادثة لافتقرت أيضًا إلى إرادة أخرى لحدوثها، ثم يؤدي إثبات ذلك إلى إثبات إرادات لا نهاية لها”([3]). ليخلصوا، من ثمّة، إلى أنّ إرادة الله يجب أن تكون قديمة أزلية. وهذا الدليل بعينه نجده يتكرّر عند جميع الأشاعرة، وقد اعتمدوه سلاحًا ذا وجهين: إذ بقدر ما يعتبرونه دليلًا قاطعًا على أن ”إرادته تعالى قديمة“([4])، فإنّهم، في الآن نفسه، يشهرونه سلاحًا فتّاكًا بمذهب المعتزلة في حدوث الإرادة الإلهية؛ “إذ لو كانت حادثة  لاحتاجت إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل”([5]).

في المقابل تعمل المعتزلة على الربط، بنحو وثيق، بين الإرادة والمراد؛ فبما أن المراد حادث، فكذلك تكون الإرادة الخاصّة به حادثة وغير قديمة. ويعتمدون، في إثبات ذلك، على مقدّمة رئيسة وهي أن ما لا يخلو من الحوادث حادث. غير أنّ هذه المقدمة هي ذاتها التي يتسلّمها منهم الأشاعرة لينتجوا منها ما يفنّد قول المعتزلة، أي اعتبار أن القول بذلك يؤدّي إلى السقوط في افتراض سلسلة من الإرادات لا نهاية لها. لذا، وجب الوقوف ضرورة عند إرادة غير حادثة هي أصل كلّ الحوادث. والمعتزلة لا يقفون عند هذا الحدّ، بل يعقّبون على هذا الردّ الأشعري، وذلك بالكشف عن مقدّمة أخرى مضمرة، عليها يستقيم كلّ دليلهم، وهي كون الأشاعرة تذهب إلى أن الله يريد إرادته كما يريد أيّ مراد. ومن ثمّة، فإن دحض الدليل الآنف لا يمكن أن يتأتّى إلا بدحض هذه المقدمة التي تشكّل أساسًا له؛ فإذا تبيّن “أن الإرادة لا يجب أن تراد كما يجب ذلك في المراد”([6])، لأنّ القديم “إنما يريد أفعاله التي ليست بإرادة، ولا يجب أن يريد إرادته.. ولو أرادها لكان غائيًّا، تعالى عن ذلك. يوضّح القاضي عبد الجبار، فأمّا إرادة العباد فإنّه يريدها، إذا كانت عبادة، كما يريد سائر المرادات”([7]). فإذا تبيّن ذلك، إذن، سقط بنفسه، في نظرهم، ما عوّلت عليه الأشاعرة من تسلسل الإرادات في بناء دليلهم حول قدم الإرادة الإلهية.

وممّا يتشبّث به الأشاعرة، أيضًا، لتأكيد قولهم بقدم الإرادة الإلهية هو إيمانهم “بأن الإرادة لا ينبغي أن ترتبط بالشيء الحادث لأنها في النهاية سابقة عليه، فإرادة الوجود سابقة على الوجود، والوجود لاحق لها”([8]). غير أنّ ما ذهب إليه علماء المعتزلة من أن الإرادة الإلهية تقارن المراد ولا تتقدّمه كما هو الشأن في إرادتنا الإنسانية، إنّما كان موجّها لتفنيد هذا الرأي الأشعري، ولم يكرّسوا كثيرًا من الوقت ـ كما يلاحظ عند القاضي عبد الجبار مثلًا ـ للتدليل على ذلك إلا لدحض نقيضه الذي اعتمدته غريمتهم التقليدية.

كذلك، فإنّ من بين ما يستدلّ به الأشاعرة، في معارضة مذهب المعتزلة في حدوث الإرادة، قولهم باستحالة البداء على الله. ولأنّهم يربطون الحدوث بالبداء، فإنّهم يعتبرون أن الله لا يمكن أن يكون مريدًا إلا “لأنّه قد بدا له من حال المراد ما لم يكن يعرفه قبل ذلك”([9]). ولمّا كان البداء مستحيلًا عليه “لكونه عالمًا لنفسه، فيجب أن يستحيل عليه كونه مريدًا للشيء بعد ما لم  يرده، وفي ذلك إيجاب كونه مريدًا لم يزل”([10]).

ويوضّح القاضي عبد الجبار، في تصدّيه لاعتراض الأشعري، أنّ المقصود بالبداء في اللغة هو الظهور، وحين يقال ”بدا لنا من هذا كيت وكيت“، أي عنّ لنا رأيٌ ما بصدده؛ ليخلص إلى أنّ البداء يقع في العلم ولا يحمل قطّ على الإرادة. لذا، فإن ممّا يُسقط مذهبهم القول: إن الله لا يصحّ أن يكون يعلم ما لم يكن عالمًا به، وإن ما أراده بعدما لم يكن يريده لا يتغيّر حاله في كونه عالمًا به قبل إرادته له أو بعدها على حدّ سواء. ولا كونه مريدًا بعدما لم يكن كذلك لا يوجب كونه عالمًا بعدما لم يكن كذلك([11])؛ وذلك لأنّه من الثابت عند المعتزلة “أن العالم بالشيء لا يجب كونه مريدًا له”([12]). ولهذا السبب بعينه، ولتفادي كلّ أشكال الالتباس الذي قد يحصل بين الإرادة والعلم، أقرّ شيوخ المعتزلة بمقارنة الإرادة الإلهية لمرادها، أي إنّ الله لا يريد الشيء إلا في الحال عينه الذي يفعله فيه ”وإن كان عالمًا بحاله من قبل“([13]).

إلا أنّه ليس من مانع، مع ذلك، لدى هذا المفكر المعتزلي من التّسليم بأن تكون إرادة الله للشيء، بعدما لم يكن، نوعًا من البداء، شريطة أن يكون المقصود منه هو حدوث الإرادة وليس حدوث العلم؛ وإن كان مبدئيًا يرفض إطلاق وصف البداء عليه. بل يذهب أستاذه أبو هاشم إلى التمييز بين إرادة الشيء ابتداء وبين إرادته بعد كراهته، فإذا أراد الشيء بعد أن كرهه دلّ منه ذلك على البداء، فحقّ وصفه بذلك؛ أما إن أراده ابتداء فلا يدلّ منه عليه ولم يحقّ وصفه بالبداء.

وإذا كانت المعتزلة تحرص على الفصل بين الإرادة والعلم وتتفادى كلّ خلط بينهما، بحيث إن العالم بالشيء عندهم لا يوجب كونه مريدًا له، كما سلف الذكر،  فإنّنا نجد الأشاعرة، على العكس من ذلك، تمعن في الربط بينهما؛ إذ من خلال صفة العلم القديم تستدلّ على قدم الإرادة الإلهية، لأن الإرادة عندهم تجري مجرى العلم. ولذلك فإنه “يستحيل أن يعلم العالم الشيء ولا يريده، أو يريد ما لا يعلمه”([14])، في نظرهم، كما “يستحيل أن يعلم كون الشيء ويريد أن لا يكون، أو يعلم أنه لا يكون ويريد كونه. وكذلك يبيّن وجوب كونه تعالى مريدًا لم يزل، إذ كان عالمًا فيما لم يزل”([15]).

لا تجب الإرادة عن العلم، في نظر عبد الجبار، ويستدلّ على ذلك بمثال دالّ، يكرّره غير مرة، وهو أنّنا إذا كنا نعلم تصرّف الناس في الأسواق، فهذا لا يعني أنّنا نريد ذلك كما لا يعني أنّنا نكرهه؛ “لأنّا نعلم أنّنا لا نريده ولا نكرهه، كما نعلم أنّنا لا نرضاه ولا نسخطه، ولا نمدحه ولا نذمّه. وكذلك لا يجب أن نعلم ما نريد؛ بل قد نظنّه ونعتقده، ونشكّ فيه، ويصحّ مع ذلك أجمع أن نريده”([16]). وهو مثال دالّ، لأنّه يتكلّم بلغة المجاز على كون التصرّفات الحمقاء التي يأتيها غير المكلّفين من الناس في سوق الحياة لا يريدها الله ولا يكرهها. كذلك فإنّ كون الله عالم بأنّ الشيء لا يكون، لا يعني أنّه يريد أن لا يكون ذلك الشيء، لأنه إذا صحّ حدوثه عنده فإنّه قد يريده حتّى وإن كان قد علم أنّه لا يكون. وأيضًا إذا علم أنّ شيئًا ما سيكون فليس بالضرورة أن يكون مريدًا لكونه([17]).

وممّا يرافع به أحد أئمّة المعتزلة المرموقين، وهو أبو علي الجبّائي (والد أبي هاشم)، ضدّ الأشاعرة بخصوص إنزالهم الإرادة والعلم في منزلة واحدة هو إلزامهم بضرورة الفصل بين الإرادة والعلم على غرار ما يقومون به بين العلم والقدرة. فإقرارهم بأنّ القدرة إنّما تحمل على ما يصحّ أن يحدث، بحيث إنّ ما يستحيل عليه الحدوث لا يصحّ أن يوصف الله بالقدرة عليه.. هو الإقرار الذي يجب أن يعتمد بعينه في الفصل بين الإرادة والعلم. إذ الإرادة مثلها في ذلك مثل القدرة، “يستحيل تعلّقها بما يعلم المريد أنّه يستحيل حدوثه”([18]). فاستدلال الأشاعرة بالعلم على الإرادة والنظر إليهما كأنّهما شيء واحد، لا يخلو في نظر أبي علي – فيما يورده القاضي عبد الجبار- من أمرين: “إما أن يجعلوا  معنى الإرادة معنى العلم، وهذا لا يصحّ، لأنّه يوجب أن تكون الإرادة هي العلم كما أن المعرفة هي العلم. وهذا يوجب استحالة كونه كارهًا لما يعلمه، كما يستحيل ذلك فيما يريده ويجب أن يستحيل أن يريد ما لا يعلمه”([19])، وإما أن يجعلوا معنى الإرادة مخالفًا لمعنى العلم، فيكون السؤال هو “كيف يجب كونه مريدًا من حيث ثبت كونه عالمًا، إذا كانت الإرادة مخالفة للعلم؟ وهلّا وجب على هذه القضية أن يكون قادرًا من حيث كان  عالمًا”([20]).

والواقع، أن هذا الخلط بين مفهومي الإرادة والعلم، حين يتعلّق الأمر بالكائن الإلهي، ليس حكرًا على الأشاعرة وحدهم  بقدر ما ينسحب بعضه على الفلاسفة المشائيين أيضًا؛ والذين يذهبون إلى أن “إرادته نفس علمه بوجه النظام الأكمل ويسمّونه عناية” كما رصد ذلك الإيجي([21]). بالفعل، فابن سينا لا يميّز بتاتًا بين علم الله وإرادته، معتبرًا أنّ “الإرادة هي علمه بما هي عليه الوجود وكونه غير مناف لذاته”([22])؛ بل يذهب إلى حدّ اعتبار العلم هو سبب وجود الموجودات([23]). أمّا المعتزلة فلا يتركون أيّ لبس في التمييز بين الإرادة والعلم حين يشترطون ضرورة وجود داع معيّن هو علّة الإرادة كما هو علّة تمييزها بشكل واضح عن العلم كما عن القدرة؛ فهم يؤكّدون على “أن العالم بالشيء لا يجب أن يكون مريدًا له إلا إذا دعاه الداعي إلى إيجاده. فأما قبل أن يحاول إيجاده، فلا يجب كونه مريدًا له”([24]). ولكي يسدّوا كل الأبواب عمدوا إلى تقديم تمييز حاسم بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية، مفاده أنه إذا كانت الإرادة لدى الإنسان تتقدّم مراده ”لما فيها من تسهيل فعل المراد، أو تعجّل السّرور“([25])، فإنّ هذين الأمرين يستحيلان على الله ما دام لا يشقّ عليه الفعل ولا تصحّ عليه المنافع ولا السهو([26]). ومن ثمّة، يجب أن تجامع إرادته مراده و”أن يريد الشيء في حال فعله له، وإن كان عالمًا بحاله من قبل“([27]). فالعلم إذن لا يوجب الإرادة ولا يقتضيها.

لذا، على هذا النحو يمكن أن نفهم جيّدًا طبيعة الاختلاف القائم بين فرقتي المعتزلة والأشاعرة حول مفهوم الإرادة. فالمعتزلة تشترط عنصرين أساسيين لا محيد عنهما في تشكّل الإرادة وهما الاعتقاد والميل: ”اعتقاد النفع أو ظنه“، علاوة على ”ميل  يتبع ذلك“. ودليلهم على ذلك، فيما يورده الإيجي في مواقفه، أننا “نجد من أنفسنا بعد اعتقاد أن الفعل الفلاني فيه جلب نفع أو ضر، ميلًا إليه، وهو مغاير للعلم”([28]). أما فرقة الأشاعرة فتجعل من الإرادة “صفة مخصّصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع”([29])، وهي عندهم “غير مشروطة باعتقاد النفع أو بميل يتبعه خلافًا للمعتزلة”([30])؛ وإن كان الأشاعرة لا ينكرون وجود الميل في الشاهد. ويعتمدون في تفنيدهم للشرط المعتزلي على دليلين اثنين: أولاهما أن الإرادة هي غير الميل، وثانيهما أن “حصول الميل في الشاهد لا يوجب حصوله في الغائب”([31]). وهو ما يعني أنه إذا كان الميل يحدّد على نحو جوهري المفهوم الإنساني للإرادة، فإنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة للمفهوم الإلهي لها؛ وما ينطبق على الميل ينطبق على اعتقاد النفع.

يفرض سؤال المرجّح للإرادة نفسه بحدّة في مسألة حدوث العالم؛ إذ ما الذي ميّز وقتًا معينًا عمّا قبله وعمّا بعده في إحداث العالم؟ أي لمَ تعلّقت الإرادة بهذا دون ذاك؟ و”ما الذي ميّز أحد الممكنين عن الآخر في تعلق الإرادة به؟“([32])، ولأنّ الشيء لا يتميّز عن مثله إلا بمخصّص، فإنّه كان يمكن “أن يحدث العالم وهو ممكن الوجود كما أنه ممكن العدم، ويتخصّص جانب الوجود المماثل لجانب العدم في الإمكان بغير مخصص”([33]). صحيح أنّ الإرادة هي التي خصّصت أحدهما لكن السؤال يبقى مطروحًا بصدد هذا الاختصاص ولمَ اختصّت الإرادة؟ وإلا وقعنا في اللاأدرية والاتّفاق، فتكون الإرادة الإلهية خصّصت أحد الممكنين اتّفاقًا، واختصّت ”بوقت دون وقت وهيئة دون هيئة اتفاقًا“([34]).

يذهب الغزالي إلى أن الإرادة هي “صفة من شأنها تمييز الشيء عن مثله”([35])، ولا شيء أكثر من ذلك. إنّها ذاتها صفة مخصّصة وليست في حاجة إلى أيّ مخصّص. ولولا أنّ صفتها التّخصيص لما تمايزت عن القدرة وما كانت الحاجة إليها. “ولكن لمّا تساوى نسبة القدرة إلى الضدّين ولم يكن بدّ من مخصّص يخصّص الشيء عن مثله”([36])، كان تدخّل الإرادة حاسمًا بوصفها ”صفة من شأنها تخصيص الشيء عن مثله“. “فقول القائل: لم اختصّت الإرادة بأحد المثلين، كقول القائل: لمَ اقتضى العلم الإحاطة بالمعلوم على ما هو به؟”([37])؛ وكأنّه يقول: “لمَ كان العلم علمًا، ولمَ كان الممكن ممكنًا، والواجب واجبًا، وهذا محال، لأنّ العلم علم لذاته وكذا الممكن والواجب وسائر الذوات فكذلك الإرادة حقيقتها تمييز الشيء عن مثله”([38])، بل أكثر من ذلك، يضيف الغزالي بأنّ “قول القائل لم ميّزت الشيء عن مثله كقوله لمَ كانت الإرادة إرادة والقدرة قدرة، وهو محال، وكلّ فريق مضطرّ إلى إثبات صفة شأنها تمييز الشيء عن مثله وليس ذلك إلا الإرادة([39]).

كان الغزالي يدرك أن في الأمر الذي قرّره بعض التناقض، كما يلحّ خصومه (الفلاسفة المشّائيون) على تبيان ذلك؛ “فإثبات صفة، والقول لأبي حامد  نفسه، شأنها تمييز الشّيء عن مثله غير معقول بل هو متناقض، فإنّ كونه مثلًا معناه أنّه لا تميّز له، وكونه مميّزًا معناه أنّه ليس مثلًا، ولا ينبغي أن يظنّ أن السوادين في محلّين متماثلان من كلّ وجه لأنّ هذا في محلّ وذاك في محلّ آخر، وهذا يوجب التمييز. ولا السوادان في وقتين في محلّ واحد متماثلان مطلقًا لأن هذا فارق ذلك في الوقت، فكيف يساويه من كل وجه. فلو اتّحد المحلّ والزمان ولم يبق تغاير لم يعقل سوادان ولا عقلت الإثنينية أصلًا”([40]). كذلك العطشان، إذا كان بين يديه قدحان متساويان لا يمكن أن يأخذ أحدهما بدون تمييز؛ “بل إنّما يأخذ ما يراه أحسن أو أخف أو أقرب إلى جانب يمينه، إن كان عادته تحريك اليمنى أو سبب من هذه الأسباب إمّا خفيّ وإما جليّ، وإلاّ فلا يتصوّر تمييز الشيء عن مثله بحال”([41]).

وكلّ البرهان الذي اعتمد عليه الأشاعرة، ومن بينهم الغزالي، في إثباتهم صفة الإرادة بوصفها مبدأ مخصّصًا للمثل ”بالإيجاد عن مثله“، إنّما بنوه على مقدّمة حاسمة أماط اللّثام عنها ابن رشد، وهي وضعهم أنّ المرادات متماثلة في حين أنّها ليست كذلك البتّة في نظر أبي الوليد؛ “بل وهي متقابلة، إذ جميع المتقابلات كلّها راجعة إلى الوجود والعدم، وهما في غاية التقابل الذي هو نقيض التماثل. فوضعهم أن الأشياء التي تتعلّق بها الإرادة متماثلة، وضع كاذب”، في رأي صاحب تهافت التهافت([42]). ومثال الثمرتين المتماثلتين من كلّ الوجوه والتي يجب على المريد أن يأخذ إحداهما لا محالة هو مثال تغليطي وموهم في حكم ابن رشد؛ لأنّ أخذ إحدى الثمرتين لا يفيد أيّ تمييز للمثل عن مثله بقدر ما أن الإرادة في هذه الحالة إنّما تتعلّق ”بتمييز أخذ إحداهما عن التّرك المطلق“([43]). إنها لا توثر أخذ إحداهما عن الأخرى بقدر ما ترجّح أخذ إحداهما على ترك الأخذ([44]). فثمّة مرجّح إذن تقتضيه الإرادة ضرورة، ولا يمكن أن تقوم بفعله الاختياري بدونه.

وهو ما ذهبت إليه المعتزلة، بدورها، حين شدّدت في التّأكيد على أنّ الله لا يجوز أن يكون مريدًا لنفسه وبدون مرجّح يرجّح حدوث مراده في وقت بدل آخر. لذا، فإنّها لا تتوانى في تفنيد قول الأشاعرة في أن الله مريد لذاته لا لعلّة تدعوه لذلك. ويعتمد شيوخ الاعتزال في الاستدلال على ذلك على أنّه لو كان كذلك لكان مريدًا لكلّ ما يمكن أن يريده كل مريد، ”لأن المرادات لا يقع فيها اختصاص“، تمامًا كما هو الحال مع العلم، إذ لمّا كان الله عالمًا لنفسه فهو عالم بكلّ معلوم يمكن أن يعلم ”لأن المعلومات لا يقع فيها اختصاص“([45]). ويضيف صاحب المغني إلى ذلك كثيرًا من وجوه البطلان التي يتضمّنها، حسبه، القول بأنّ الله مريد لنفسه؛ ومن أهمّها نذكر أنّه لو كان الأمر كذلك لكان، في نظره، إذا أراد أحد منّا شيئًا (من مال أو ولد وغير ذلك من النعم) لوجب أن يريد الله إحداثه له، بل وأن يوجده له لأن الله ”لا يصحّ أن يريد الشّيء من فعله فلا يقع“ لما يوجبه ذلك فيه من معاني النقص([46]). وبالتّالي، فإنّه إذا أراد أحدنا شيئًا وأراد الآخر ضدّه يجب عنه أن يكون الله مريدًا للضدّين وهو قول يتناقض مع قولهم بتضادّ إرادة الضدّين([47])، وإن كان المعتزلة يجيزون إرادة الضدّين، فالله، في نظرهم، مضطرّ إلى إرادة كلا الضدّين، وإن كان لا يختار إلا أحدهما([48]). فما يلزم، إذن، عن القول بأن الله مريد لنفسه هو أنه سيكون مريدًا لكل شيء، و”لا يكون قدر من المرادات بأن يريده أولى من قدر، لصحّة كون جميعه مرادًا. وهذا يؤدي إلى أن يريد ما لا نهاية له ولا آخر”([49]).

هكذا، يخلص القاضي عبد الجبار إلى أنّه “لا يصحّ أن يقال أنه تعالى يريد مرادًا دون غيره، إلاّ بأن يوصف تعالى بأنّه مريد بإرادة محدثة، لأنّها هي التي تختصّ بأن يتعلّق بشيء دون غيره، وعلى وجه دون غيره”([50]). وحدها الإرادة المحدثة تخصّص أحد المرادين، إذ لا يمكن أن يوجد شيء دون آخر إلا بعلّة مقارنة له في حال وجوده. وهذه العلّة لا يمكن أن تكون سوى إرادة محدثة. وتكمن طريقة استدلال القاضي على ذلك في التّسليم بأنّه لا يجوز أن يكون الله مريدًا لا لنفسه ولا لعلّة؛ فهو إما ”مريد لنفسه أو لعلّة وأنّه لا واسطة لهذين“([51]). وإذا تبيّن أنه غير مريد لنفسه فهو لا محالة مريد لعلّة. وأيضًا فإنّه لمّا كانت الإرادة لا يجب أن تحمل على العلم ولا يمكن أن يقال فيها ما يقال في العالم لنفسه أنه عالم بكل معلوم للمحالات الآنفة الذكر، فإنّه يجب من ذلك أن لا يكون المريد مريدًا لنفسه وإنّما لعلّة يميّز بها المراد عن غيره.

فالمريد لا يحصل مريدًا بعدما لم يكن كذلك إلاّ بعلّة تجعله مريدًا، ولا يصحّ أن يكون مريدًا فيما لم يزل عند المعتزلة، لأنّه لو كانت الإرادة قديمة، “لم تكن بأن يراد بها بعض المراد أولى من بعض، كما قالوه في العلم القديم”([52])، وكذلك لو كان مريدًا بلا علّة، فإنّه ”لم تكن بعض الأوقات بأن يكون مريدًا فيه أولى من بعض“([53]). ولمّا انتقد أطروحة الأشعرية القائلة بأن الله مريد لنفسه وبأنّه مريد بإرادة قديمة، خلص عبد الجبار من ذلك مباشرة، على عادة كلّ المتكلّمين، إلى أنّه “يجب أن يكون مريدًا بإرادة  حادثة”([54]). ولا مناص من التّسجيل هنا أنّه يذهب حتّى إلى أن إلحاق صفة الحدوث بالإرادة الإلهية هو الأمر الوحيد الذي من شأنه إثبات وجود هذه الإرادة ذاتها. لا يمكن، في نظره، إثبات وجود الإرادة الإلهية إلا على هذا النحو، أي على نحو الحدوث؛ “لأنّا لو لم نقل بذلك لأدّى إلى خروجه من أن يكون مريدًا أصلًا. فإذا لم يكن إلى نفي كونه مريدًا سبيل، وجب كونه مريدًا بإرادة محدثة”، يقول هذا المفكّر المعتزلي([55]). وذلك لأنّه لو كان مريدًا بإرادة قديمة أو لنفسه لاستحال وجود الأفعال منه على وجه دون وجه؛ لتكون، من ثمّة، دليلًا على كونه مريدًا. فالكلام يصدر منه خبرًا وليس أمرًا أو خطابًا لهذه العلّة بالضبط؛ وهي لكونه مريدًا. ولم يصحّ كون الخبر دليلًا على كون المخبر مريدًا إلا “من حيث صحّ وقوعه بعينه من جهته ولا يكون مخبرًا”([56]). ولو كان مريدًا لنفسه أو بإرادة قديمة لما صحّ ذلك فيه، لأنّ الخبر يستحيل أن يكون كذلك ولا يكون المخبر مريدًا، كما يستحيل أن يوجد هو ولا يكون خبرًا. ولو كانت الإرادة قديمة لبطلت “حاجته في كونه خبرًا إلى كون المخبر مريد. وفي ذلك إبطال الطريق الذي به نعلم كونه مريدًا أصلًا”([57]).

ذلك هو الدليل الذي يتشبّث به القاضي عبد الجبار ويكرّره غير ما مرّة إلى جانب دليل مقارنة الإرادة الإلهية لأفعاله. فوقوع الأفعال على وجه كان يصحّ أن يقع على خلافه دليل على أنّه يحصل مريدًا لها مع جواز عكس ذلك، أي لا يحصل مريدًا لها. وكلّ ذلك “يبيّن أنّه مريد بإرادة محدثة، لأنّه إذا أحدثها حصل مريدًا لها، ويجوز أن لا يحدثها ولا يكون مريدًا لها”([58]). ولنا أن نضيف دليلًا آخر، يقدّمه القاضي، شديد الارتباط بالدليل الآنف، وهو أنّه لما كان ليس ثمّة شيء، في نظر المعتزلة، ممّا أراده الله إلا ويصحّ أن يكرهه على البدل، فإنّه “ليس بأن يريد الشيء أولى من أن يكرهه إلا لمعنى من المعاني”([59]). ولا يثبت الدّاعي إلى الفعل، في نظرهم، بقدر ما أنه قد تتغيّر حاله فيصحّ منه أن يكره الشيء بعد إرادته أو قد يضطرّ إلى كراهته، كما يقولون بذلك. وفكرة البدل، عندهم، تقوم على فكرة أساسية وهي كون الله يحتمل أن يكون مريدًا للشّيء كما كارهًا له، كما يحتمل أن يصير كارهًا بعد أن كان مريدًا أو العكس، إذ كلاهما يصحّان من الله على البدل. لذا، فإنّه لا يمكن أن يتجدّد أحدهما دون الآخر إلا لمعنى([60])؛ وهو ما يستوجب، في الأخير، كون الله يريد الأشياء بعد أن لم يكن كذلك، “وأنّه إنما يريدها لمعنى يحدثه ويفعله”([61]).

الحوار الكلامي -الفلسفي

لتعليل قولهم بالحدوث، يذهب المعتزلة إلى أن إرادة الله موجودة لا في محلّ، تجنّبًا منهم السّقوط فيما سقطت فيه فرقة الكرامية التي جعلت من الإرادة ”حادثة قائمة بذاته تعالى“([62])؛ وهو، كما لا يخفى، موقف يؤاخذ عنه طابعه التّجسيمي بجعله الذات الإلهية محلًّا للحوادث. والأمر المثير، في هذا السياق، هو ما ذهب إليه الإيجي من أن المعتزلة حينما قالت بأن الإرادة “حادثة قائمة بذاتها، فكأنه مأخوذ من قول الحكماء: إنّه عند وجود المستعدّ للفيض يحصل الفيض”([63]). ومن البيّن أنّه يحاول ربط موقف المعتزلة، في وجود الإرادة الإلهية في لا محلّ، بنظرية الفيض عند الفلاسفة. وهو تصنيف ضمني لفرقة المعتزلة في صفّ الفلاسفة رغم الفوارق الكبيرة بين آراء الفلاسفة المشائيين وبين مذهب هذه الفرقة الكلامية.

والواقع أن ابن سينا ـ وهو الفيلسوف المشهور أكثر في أوساط المتكلمين ـ يلتقي، في الحقيقة، كثيرًا مع الأشاعرة؛ إنّه أقرب إلى الأشعرية منه إلى المعتزلة، خاصّة حين ينكر وجود داع للفعل في الإرادة الإلهية. ويذهب إلى أنّ الله يفعل لذاته تمامًا كما يقول بذلك الأشاعرة([64])؛ طبعًا مع هذا الفارق الأساسي وهو أن الفعل الإلهي قديم، عند ابن سينا وغيره من الفلاسفة المشائيين، ولا يجوز أن يكون فعل المفعول متراخيًا عن فعل الفاعل له، كما يوضّح ابن رشد، في حين أن الأشاعرة يجوّزون ذلك ويرون أن الفعل حادث عن إرادة  قديمة.

وقد جاء ردّ فيلسوف قرطبة قويًّا وعنيفًا على الأشاعرة الذين اتّهمهم بركوب المستحيل، لكون القول بصدور حوادث عن قديم أمرًا محالًا، في نظره؛ وليكشف، في الآن نفسه، على أنّ قدم الإرادة الإلهية يقتضي قدم مراداتها، وهو موقف ثابت لدى الفلاسفة؛ كما أن القول بحدوثها يقتضي القول بحدوث مراداتها، وهو ما نجده بالفعل عند فرقة المعتزلة. نستشف عند ابن رشد نوعًا من الاقتناع بأنّ هذه الأخيرة كانت منطقية مع نفسها حين أنزلت الإرادة الإلهية حادثة تصدر عنها مرادات حادثة؛ متفادية بذلك كثيرًا من الصّعوبات التي وقعت فيها الأشاعرة بوضعها الإرادة قديمة وقولها بصدور الحوادث عنها. وذلك لأنّه، في الأخير، يستحيل إطلاقًا، في رأي الفيلسوف المشّائي، صدور مراد حادث عن إرادة قديمة.

غير أن الغزالي، في اعتراضه على قول الفلاسفة المشائيين باستحالة حدوث مراد عن إرادة قديمة، نجده يتساءل عن المانع من حدوث العالم مثلًا في الوقت الذي وجد فيه بإرادة قديمة اقتضت حدوثه في ذلك الوقت بالذات؛ “وأنّ الوجود قبله لم يكن مرادًا فلم يحدث لذلك، وأنّه في وقته الذي حدث فيه مراد بالإرادة القديمة فحدث لذلك”([65]). يتساءل الفيلسوف الأشعري مستنكرًا: من أين عرف الفلاسفة أنّه يستحيل حدوث شيء عن إرادة قديمة، هل بضرورة العقل أو نظره؟ إن كان بالنّظر فأين الحدّ الأوسط في هذا القياس؟ وإن كان بضرورة العقل فلمَ ليس الأمر كذلك عند المخالفين، وهم كُثر، وعلى رأسهم أكبر فرقة إسلامية – يقصد الأشاعرة- تعتقد بحدوث العالم عن إرادة  قديمة([66]). “فدليل العقل ساق إلى إثبات صفة لله تعالى من شأنها تمييز الشّيء عن مثله. فإن لم يطابقها اسم الإرادة فلتسمّ باسم آخر، فلا مشاحّة في الأسماء، وإنّما أطلقناها نحن بإذن الشّرع، وإلاّ فالإرادة موضوعة في اللّغة لتعيين ما فيه غرض، ولا غرض في حقّ الله، وإنّما المقصود المعنى دون اللفظ”([67]).

 يمعن الغزالي في نقد الفلاسفة المشّائيين مؤاخذًا إياهم على تمثيل الإرادة الإلهية بعزمنا وإرادتنا، إذ يرى أنّ استبعادهم لإمكانية صدور مراد حادث عن إرادة قديمة إنّما هو راجع لهذا التّمثيل والتّشبيه؛ مشدّدًا على أنه لا وجه للمقارنة بين إرادة الله القديمة وعزم الإنسان وقصوده الحادثة([68]). ولنا أن نسجّل، هنا، أنّ أبا حامد، وإن كان واعيًا جدًّا بالتّقاطع الدّلالي لمفاهيم القصد والعزم والإرادة، فإنّنا نشتمّ عنده ميلًا إلى قصر الإرادة على الكائن الإلهي وحده وحصر مفهومها في الإرادة الإلهية القديمة؛ إذ لا وجود لإرادة إلا الإرادة القديمة بينما المقصود الإنسانية هي حادثة. لنلاحظ أنّه يميّز بين مفهومي الإرادة والقصد، وفي الوقت الذي يسحب فيه الثاني على الإنسان نجده يخصّ الله بالمفهوم الأول؛ وحين يستحضر المضمون الإنساني الذي شحن به مفهوم الإرادة في الاستعمال اللغوي، نجده يستشعر نوعًا من الحرج في هذا الإطلاق. لذا، يستدرك بالقول إنّه لم يطلق الإرادة على الكائن الإلهي إلا لأن الشّرع أطلقها عليه، وأنّ المقصود هو المعنى وليس اللّفظ ما دامت الإرادة في اللغة تقتضي الغرض، ”ولا غرض في حق الله“.

إنّ جوهر ردّ ابن رشد على ما ذهب إليه الغزالي، ومعه فرقة الأشاعرة، من “أن العالم حدث بإرادة قديمة، اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه”([69])، ينبني على ملاحظة نافذة، مفادها وقوع الأشاعرة في نوع من الالتباس والخلط بين مفهومي الإرادة والفعل. فإذا كان جائزًا، في نظر الفلاسفة، أن يتراخى المفعول عن إرادة الفاعل، فإنّ تراخيه عن فعل الفاعل غير جائز؛ وهو بالضّبط ما ارتكبه الغزالي وأصحابه، في رأيه. فالله إذا أراد فعل العالم بإرادة قديمة، فيجب أن يكون فعله على نحو أزلي، وإلّا تجدّدت في الفاعل القديم حالة ما ولحقه التغيّر، وهو أمر محال في الفاعل المطلق. إنّه لا مخلص للأشعرية، في نظر ابن رشد، من “أن يضعوا أن حالة الفاعل من المفعول المحدث تكون في وقت الفعل، هي بعينها حالته، في وقت عدم الفعل. فهناك لابدّ حالة متجدّدة أو نسبة لم تكن. وذلك ضروري: إما في الفاعل أو في المفعول، أو في كليهما”([70]).

 يتلخّص موقف فلاسفة الإسلام المشّائيين من الإرادة الإلهية، إذن، في كونها قديمة، وكذلك فعلها ومفعولاتها؛ إذ لا يُتصوّر، في نظرهم، صدور مراد حادث عن إرادة  قديمة بغير واسطة أصلًا؛ وهو أمر يراه الأشاعرة ممكنًا جدًّا ويدافعون عنه. ولا يختلف كثيرًا نقد المعتزلة، كما رأينا، لهذه الفرقة عن الذي وجّهه لها ابن رشد. إنّ مؤاخذتهم الكبيرة للأشاعرة لا تحمل على قولهم بقدم الإرادة الإلهية، بقدر ما تحمل، بالدرجة الأولى، على تفسيرهم ‘الغريب’ في نظر المعتزلة والفلاسفة، لصدور الفعل المحدث عن الإرادة القديمة ولطبيعة التّعليل الذي يقدّمونه لذلك؛ إذ لم يقبل العقل الاعتزالي ولا الفلسفي فكرة صدور فعل حادث عن إرادة قديمة. ولهذا السبب عينه، نفى المعتزلة أن تكون الإرادة الإلهية تتقدّم أصلًا مرادها، وشدّدوا على كونها مقارنة لفعلها، حادثة مع حدوث الفعل لا قبله. وعلى غرار المعتزلة، نجد ابن رشد يذهب، بدوره، إلى أنّ الإرادة الإلهية تقارن مرادها ولا يمكن أن تتقدّمه ما دامت إرادة بالفعل، وليست إرادة بالقوّة كما هو شأن الإرادة الإنسانية. وذلك “لأنّ الإرادة من المضاف، وقد تبيّن أنه إذا وجد أحد المضافين بالفعل وجد الآخر بالفعل[…] فإن كانت الإرادة التي بالفعل حادثة، فالمراد ولا بدّ حادث بالفعل. وإن كانت الإرادة التي بالفعل قديمة فالمراد الذي بالفعل قديم”([71]). وفي هذا تكاد تلتقي المعتزلة والفلاسفة لولا قول هذه الفرقة المتكلّمة بالحدوث؛ وذلك أنّه لمّا شقّ عليها تصوّر إمكانية صدور الحوادث عن إرادة قديمة، التجأت إلى فرض صدورها عن إرادة حادثة. أما الفلاسفة، فما كان مذهبهم في قدم العالم، علاوة على قولهم ”باللزوم الضروري“، كافيًا ليجعلهم بمنأى عن التورّط المباشر )والحوار الرشدي الغزالي، والرشدي الأشعري عمومًا، خير دليل على ذلك( في السجال الذي دار بين فرقتي المعتزلة والأشاعرة حول صدور المرادات الحادثة عن المريد الأول، والدفاع عن أطروحة تنسجم وموقفهم الرافض لنظرية الإبداع والخلق من عدم التي يعتمدها المتكلّمون كمنطلق نظري يحكم طبيعة تصوّرهم لموضوع الإرادة الإلهية وإنتاجاتها؛ وذلك ما دعا الفرق الكلامية إلى نسب المرادات الحادثة، حينًا، إلى إرادة قديمة وهو ما ذهبت إليه فرقة الأشاعرة، أو بنسب الإرادة إلى هذه المرادات حينًا آخر وجعلها، من ثمّة، حادثة وهو ما دافعت عنه فرقة المعتزلة.

الهوامش

*  أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة/ المغرب.

[1] – يقول أبو الوليد: “[…] فإن كانت الإرادة التي بالفعل حادثة فالمراد ولا بدّ حادث بالفعل. إن كانت الإرادة التي بالفعل قديمة  فالمراد الذي بالفعل  قديم”. ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة، ضمن: فلسفة ابن رشد، (بيروت: منشورات دار الآفاق الجديدة، 1982)، الصفحة 58.

[2] – الجويني، لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة، تحقيق: فوقية حسين محمود، (بيروت: عالم الكتب، الطبعة2، 1987)، الصفحة 96.

[3] – المصدر نفسه، الصفحة 96.

[4] – الإيجي، المواقف في علم الكلام، (بيروت: عالم الكتب، دون تاريخ)، الصفحة 291 .

[5] – المصدر نفسه، الصفحة 291.

[6]  القاضي عبد الجبار، المغنى في أبواب التوحيد والعدل، الجزء 6، ق. 2: الإرادة، تحقيق: جورج قنواتي، (المؤسسة المصرية، بدون تاريخ)، الصفحتان 189-190.

[7] – المصدر نفسه، الصفحة 190.

[8] – فيصل عون، علم الكلام ومدارسه، (جامعة عين شمس، الطبعة2، 1982)، الصفحة 324.

[9] – القاضي عبد الجبار، المغني، الجزء 6، ق. 2: الإرادة، تحقيق: جورج قنواتي، م. م. الصفحة 175.

[10] – المصدر نفسه، الصفحة 175.

[11] – يقول القاضي عبد الجبار: “فلا يصح أن يقال إن كونه مريدًا بعدما لم يكن كذلك، يوجب كونه عالمًا بعد أن لم يكن كذلك”. المصدر نفسه، الصفحة 178.

[12] – المصدر نفسه، الصفحة 178.

[13] – المصدر نفسه، الصفحة 176.

[14] – المصدر نفسه، الصفحة 179.

[15] – المصدر نفسه، الصفحة 179. وفي أحد سجالاته مع المعتزلة، يقول الأشعري بهذا الصدد: “يقال لهم : ألستم تزعمون أن الله تعالى لم  يزل عالمًا؟ فمن قولهم، نعم. قيل لهم : فلم لا قلتم إن من لم يزل عالمًا، أنه يكون في وقت من الأوقات، لم يزل مريدًا أن يكون في ذلك الوقت ما يريد؟ ومن لم يزل عالمًا في أن لا يكون، فإنه لم  يزل مريدًا في أن لا يكون، أو أنه لم يزل مريدًا أن يكون ما علم كما علم”. الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، تحقيق: عباس صباغ، (دار النفائس، 1994)، الصفحة 117.

[16] – القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، الجزء 6، ق. 2: الإرادة، تحقيق: جورج قنواتي، م. م. الصفحتان 179- 180.

[17] – المصدر نفسه، الصفحتان 179-180.

[18] – المصدر نفسه، الصفحة 181.

[19] – المصدر نفسه، الصفحة 181 .

[20] – المصدر نفسه، الصفحتان 181-182.

[21] – الإيجي، المواقف في علم الكلام، م. م. الصفحة 291.

[22] – ابن سينا، المباحثات، ضمن: عبد الرحمن بدوي، أرسطو عند العرب، (الكويت: وكالة المطبوعات، الطبعة 2، 1978)، الصفحة 233.

[23] – يقول ابن سينا: “صور الموجودات مرتسمة في ذات الباري، إذ هي معلومة له، وعلمه لها سبب وجودها”. المصدر نفسه، الصفحة 233.

[24] – القاضي عبد الجبار، المغني، الجزء 6، ق. 2: الإرادة، تحقيق: جورج قنواتي، م. م.، الصفحة 176.

[25] – المصدر نفسه، الصفحة 176.

[26] – المصدر نفسه، الصفحة 184. حيث يرى القاضي أن تقدّم الإرادة “ممّن لا يشق الفعل عليه، ولا تصحّ عليه المنافع والسهو، يقبح”.

[27] -المصدر نفسه، الصفحة 176.

[28] – الإيجي، المواقف في علم الكلام، م. م. الصفحة 148.

[29] – المصدر نفسه، الصفحة 148.

[30] – المصدر نفسه، الصفحة 149.

[31] – المصدر نفسه، الصفحة 148.

[32] – الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق: موريس بويج، (بيروت: دار المشرق، الطبعة 4، 1990)، الصفحة 56.

[33] – المصدر نفسه، الصفحة 56.

[34] – المصدر نفسه، الصفحة 56.

[35] – المصدر نفسه، الصفحة 57.

[36] – المصدر نفسه، الصفحة 57.

[37] – المصدر نفسه، الصفحة 57.

[38] – الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، (بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة1، 1988)، الصفحة 69.

[39] – المصدر نفسه، الصفحتان 69-70.

[40] – الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق: موريس بويج، م. م. الصفحة 57.

[41] – المصدر نفسه، الصفحة 58.

[42] – ابن رشد، تهافت التهافت، نشرة محمد العريبي، (بيروت: دار الفكر اللبناني، 1993)، الصفحة 45.

[43] – المصدر نفسه، الصفحة 46.

[44] – يقول ابن رشد مضيفًا: “ولا يمكن أن يترجّح أحد المثلين على صاحبه بما هو مثل، وإن كانا وجودهما، من حيث هما شخصان، ليسا متماثلين. لأنّ كلّ شخصين يساير أحدهما الثاني، بصفة خاصّة به. فإن فرضنا الإرادة تعلّقت بالمعنى الخاصّ من أحدهما، تصوّر وقوع الإرادة بأحدهما دون الثاني، لأنّ الغيرية موجودة فيهما”. المصدر نفسه، الصفحة 46.

[45] – القاضي عبد الجبار، المغني، الجزء 6، ق. 2: الإرادة، تحقيق: قنواتي، م. م. الصفحة 111. حيث يقول: “اعلم أن الذي يدلّ على ذلك ما اعتمد عليه الشيوخ رحمهم الله من أنّه كان يجب أن يكون مريدًا لكلّ ما يصحّ أن يريده كل مريد، لأنّ المرادات لا يقع فيها اختصاص، كما أنّه لمّا كان عالمًا لنفسه، وجب كونه عالمًا بكلّ معلوم يصحّ أن يعلم، لأنّ المعلومات لا يقع فيها اختصاص”.

[46] – المصدر نفسه، الصفحة 111. حيث يقول: “وهذا يوجب وجوهًا فاسدة: منها أنه كان يجب إذا أراد الواحد منا لنفسه المال والولد وغير ذلك من ضروب النعم، أن يريد الله تعالى إحداثه له، كما أراده لنفسه. ولو أراد ذلك لوجب أن يوجد لا محالة، لأنّه لا يصحّ أن يريد الشيء من فعله فلا يقع، لأنّ ذلك يوجب فيه نقصًا أو ضعفًا”.

[47] -يقول القاضي عبد الجبار: “ومنها أنّه كان يجب إذا أراد أحدنا الشيء والآخر ضدّه، أن يكون تعالى مريدًا لكلا الأمرين في حالة واحدة، وهذا يوجب كونه على صفتين ضدّين، على قول من يقول بتضادّ إرادة الضّدين”. المصدر نفسه، الصفحة 112.

[48] – المصدر نفسه، الصفحة 121، حيث يقول: يصحّ عندنا أن يضطر تعالى إلى إرادة كلا الضّدّين، وإن كان لا يختار إلا أحد المرادين”.

[49] – المصدر نفسه، الصفحة 111.

[50] – المصدر نفسه، الصفحة 134.

[51] – المصدر نفسه، الصفحة 136.

[52] – المصدر نفسه، الصفحة 137.

[53] – المصدر نفسه، الصفحة 136.

[54] – المصدر نفسه، الصفحة 140.

[55] – المصدر نفسه، الصفحة 140.

[56] – المصدر نفسه، الصفحة 137.

[57] – المصدر نفسه، الصفحة 138.

[58] – المصدر نفسه، الصفحة 141

[59] – المصدر نفسه، الصفحة 140.

[60] – يقول القاضي عبد الجبار: “وممّا يبيّن ذلك أنّه إذا ثبت أنّه قد حصل مريدًا بعد ما لم يكن كذلك، وثبت أنه لا شيء أراده إلا ويصحّ أن يكرهه على  البدل، فليس بأن يريد الشيء أولى من أن يكرهه، إلا لمعنى من المعاني”. المصدر نفسه، الصفحة 140.

[61] – المصدر نفسه، الصفحة 145.

[62] – الإيجي، المواقف في علم الكلام، م. م. الصفحة 291.

[63] – المصدر نفسه، الصفحة 291.

[64] –  ابن سينا، المباحثات، ضمن: بدوي، أرسطو عند العرب، م. م.، الصفحة 233. حيث نجد ابن سينا يقول: “لا لمّية  لفعل الباري لأن فعله لذاته، لا لداع  دعاه إلى ذلك”. ويضيف مؤكّدًا ذلك بقوله: إنّ  “فعل الباري مخالف لأفعالنا، فإنّه لا يكون تابعًا لتخيّل، وكذلك إرادته مخالفة لإرادتنا، فإنّ فعله كما قال: كن فيكون”.

[65] – الغزالي، تهافت الفلاسفة، م. م. الصفحة 50.

[66] – يقول الغزالي: “استحالة  إرادة  قديمة متعلّقة بإحداث شيء أيّ شيء كان، تعرفونه بضرورة  العقل أو نظره؟ وعلى لغتكم في المنطق تعرفون الالتقاء بين هذين الحدّين بحدّ أوسط أو من غير حدّ أوسط. فإن ادّعيتم حدًّا أوسطًا وهو الطريق النظري فلا بدّ من إظهاره، وإن ادّعيتم معرفة ذلك ضرورة فكيف لم يشارككم في معرفة ذلك مخالفوكم والفرقة المعتقدة بحدث العالم بإرادة قديمة لا يحصرها بلد ولا يحصيها عدد”. المصدر نفسه، الصفحة 52.

[67] – الغزالي، تهافت الفلاسفة، ضمن: ابن رشد، تهافت التهافت، م. م. الصفحة 44.

[68] – يقول: “إذ ليس في جميع ما ذكرتموه إلا الاستعداد والتمثيل بعزمنا وإرادتنا وهو فاسد، فلا تضاهي الإرادة القديمة القصود الحادثة”. الغزالي، تهافت الفلاسفة، م. م، الصفحتان 52-53.

[69] – ابن رشد، تهافت التهافت، م. م. الصفحة 29، والقول لأبي حامد  الغزالي.

[70] – المصدر نفسه، الصفحة 29.

[71] – ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ضمن: فلسفة ابن رشد، م. م. الصفحة 58.


الدكتور سعيد البوسكلاوي

الدكتور سعيد البوسكلاوي



الكاتب : الدكتور سعيد البوسكلاوي
الموقع :maarefhekmiya.org
نشر الخبر اول مرة بتاريخ : 2022-01-17 09:46:20

رابط الخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى