تحقيقات وقائية

انطلاق حرب التحرير الوطنية في الشرق

بقلم/ نقولا طعمة _

حدَّد السيِّد حسن نصرالله عملية انطلاق حرب التحرير الوطنية في الشرق بتاريخ استشهاد القائدين قاسم سليماني وأبو المهدي المهندس وأصحابهما، وقال إنه في 2 كانون الثاني/يناير 2020 تبدأ العملية التنفيذية لانطلاق هذه الحرب لإخراج الوجود العسكري الأميركي والصهيوني من المنطقة، وهي الحرب التي تأخَّرت ما يوازي القرن من الزمن.

لم ينطلق السيِّد نصرالله من العَدَم لإعلانه التاريخي الكبير لأنه يعرف
ما تم التحضير له من قوى مقاومة على امتداد الإقليم، تبدأ من إيران شرقاً،
حتى البحر المتوسّط غرباً مروراً بالعراق وسوريا فلبنان، ومن اليمن
جنوباً، وحتى تركيا شمالاً، وما بينهما من دول. مساحة تُعتَبر الأغنى بين
مناطق العالم، كانت تنزع إلى الوحدة على الدوام، فكان الاستعمار الغربي
يُجهِض قيام وحدتها، وعندما انتصرت دول  الاستعمار في الحرب العالمية
الأولى، جزَّأت المنطقة، وشَرْعَنت تجزئتها بدولٍ مُصطَنعة، حتى إذا انتصف
القرن، أقام الكيان الصهيوني لحراسة ما رسمته، وارتكبته أياديه من تجزئة،
وعبر الكيان الصهيوني فرضت على المنطقة الحروب اللا مُتناهية.

مرَّت عقود طويلة من الزمن، والمنطقة لم ترتح من مُخطَّطات الاستعمار
الأوروبي بداية، ليرثها الأمبريالي الأميركي، فدخلت المنطقة بحروبٍ
متواصلةٍ استنزفت قُدراتها الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والفكرية،
والثقافية، ووضعتها في أتون حربٍ لا هوادة فيها، ولا مُستراح. بينما مضت هي
في بناء وتطوير بلدانها، وإراحة شعوبها على حساب شعوب منطقتنا.

وفي استعادةٍ سريعةٍ لأبرز محطَّاته العدوانية، تتصدَّر اللائحة عملية
اغتصاب فلسطين، وغَرْز الكيان الصهيوني فيها بالقوَّة في نكبة 1948، وما هي
إلا سنوات، حتى تقع حرب السويس 1956 مانِعة شعوب العالم العربي من الإمساك
بثرواتها، ثم تنعكس الأحداث تمزيقاً للبنان في أحداث 1958، وما هي إلا
سنوات حتى تقع نكسة ال1967، وتليها حروب، وتوتّرات تفضي إلى حرب 1973،
بلوغاً الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، وبين هذه التواريخ كمحطّات مفصلية
كبيرة، وقعت حروب أهلية استنزفت المنطقة، وفي كل تلك التطوّرات والأحداث،
استنزاف لقُدرات الأمَّة، وتدمير لأيّ بناء مُحتَمل، ومنع تطوّرها، وتقدّم
مجتمعاتها. 

اعتمد الأميركي لتكريس سيطرته أساليب مُتعدِّدة، منها العسكري، المباشر
وغير المباشر، ومنها السياسي بتثبيت وكلاء له في سدَّة حُكم الكثير من
الدول، أو الاقتصادي باتفاقية “بريتون وودز” التي جعلت الدولار هو العملة
المركزية لدول العالم قاطِبة، ثم جاء الإنترنت ليوحِّد العالم في قريةٍ
صغيرةٍ تحت الهيمنة الأميركية.

لم يبق أمام الأميركي إلا حدث فظيع لكي يفلت من عقاله، وذلك عام 1990
بسقوط الاتحاد السوفياتي، ووقوع العالم بأسره تحت هيمنة أحادية، فوجدت
الولايات المتحدة الأميركية في الظروف المُستجدّة مجالاً لممارسة بطشها،
وسيطرتها بكل غرائزية، وكانت من أولى أعمالها حرب أفغانستان، وحرب العراق،
من دون التوقّف عندها، واستخدمت كل أنواع الأسلحة المخابراتية، لمنع العديد
من دول العالم النامي من الحياة الطبيعية، والتطوّر، والتقدّم.

وفي ظلّ اختلال موازين القوى العسكرية، لم يكن أمام بعض شعوب المنطقة،
ودولها، إلا اللجوء إلى المقاومة بأشكالٍ مختلفةٍ، وكانت المقاومة
الفلسطينية أولى الحركات التي اتّبعت نماذج حرب العصابات مُستفيدة من تجارب
ثورات عالمية أخرى كالفييتنام والصين وكوبا في النصف الأول من القرن
العشرين، وما بعده قليلاً.

كما ألهمت هذه الحركات شعوباً ودولاً أخرى لاتباع أساليب المقاومة
لمواجهة الغطرسة الأمبريالية في ظل اختلال كبير في موازين القوى، فكانت
المقاومة الأفغانية، والعراقية، بالإضافة إلى استمرار المقاومة الفلسطينية.

ولا بدّ من التوقّف عند تجربة المقاومة العراقية حيث كانت السيطرة
الأميركية تامة، والغَلَبة لصالحها كاملة، فنشأت حركة مقاومة ناشطة أفضت
إلى فرض الخروج الجزئي، لكن الكبير للقوات العسكرية الأميركية من العراق،
لكن كل ذلك لم يكن ليردع العدوان الأميركي، وبخاصة عدوان الكيان الصهيوني
لمنع دول المنطقة من النمو والتطوّر.

وفي تجربة المقاومة العراقية ضد الأميركي، وبتضافر جهود إيران الرافِضة
للهيمنة الأميركية، مع الجهود السورية العامِلة على الخط عينه، نمت
المقاومة الإسلامية في لبنان مُحقِّقة الانتصارات، لتبدأ الأمور بالتحوّل،
وميزان القوى يتعدَّل بالتدرّج لصالح قوى المقاومة والتحرّر. 

وبمرور الوقت، ودخول الولايات المتحدة بأزماتها، وفُقدانها القُدرة على
الإبقاء على سيطرتها السابقة، لجأت إلى أساليب غير عسكرية مُستفيدة من
تطويرها لآليات التكنولوجيا الحديثة “الإنترنت”، فشهدت الساحات العربية
انتفاضات شعبية الطابع أطلق عليها أصحابها لقب “الربيع العربي” الذي استقرّ
في سوريا مواجهةً كبيرةً استدرجت دولاً عالمية للتدخّل في الصراع، ومنع
الأميركي من استعادة ما خسره في الأشكال السابقة من المقاومة، ونتج من
الحرب السورية تشكّل تحالف لدولٍ استراتيجيةٍ كُبرى كإيران وروسيا والصين،
وفي أجوائها دول المقاومة كالعراق وسوريا، ومعها المقاومة الوطنية
والإسلامية في لبنان وفلسطين.

ومارست الولايات المتحدة الأميركية أسلحة الدولار والإنترنت لحصار دولٍ
كثيرةٍ تريد الخروج من سيطرتها، ومارست كل ضغوطاتها على إيران في الملف
النووي تريد منع هذه الدولة من التطوّر والصعود، ولم تبقِ وسيلة للحفاظ على
وضعية غلبتها، وإخضاع شعوب المنطقة لإرادتها ومصالحها، فأدخلت المنطقة من
جديدٍ في توتّرات التحرّكات الاحتجاجية حيثما طالت أياديها، ولم تترك
الولايات المتحدة الأميركية، ووليدها الكيان الصهيوني، فرصة إلا وتدخلتا
تخريباً، وقتلاً واغتيالاً، ومنعاً لاستقرار، فعاشت شعوب المنطقة حالة لم
تعد تُطاق من التوتّر، والأزمات، وأخيراً، تفاقم قوى العدوان عدوانيّتها
باغتيال القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس والمناضلين الباقين في
علمية لم يعد أحد يحتمل السكوت عنها.

كل تلك التطوّرات كان سببها عدم قُدرة المقاومة على إنجاز عملية التحرّر
الوطني من السيطرة الامبريالية-الصهيونية بسبب اختلال ميزان القوى لصالح
العدوان. لكن، وبعد الانتصارات التي حقَّقها حلف المقاومة، وبتضافُر روسي
وصيني، بات الأميركي والصهيوني يشعر بخطرٍ على مصالحه، فعمد إلى عملية
اغتيال القائدين الكبيرين وصحبهما، وبذلك، وضعت الحادثة المنطقة على مفصلٍ
خطيرٍ، فإما ترد ردَّاً قاسياً يضع حداً للعدوان الأميركي-الصهيوني عليها،
أو تستسلم، وتنتهي.

شعر العرب بحالٍ من اليأس من رد تلك الحال العدوانية الدائمة،
والمستمرة، ووضع حد لغطرستها، ولم يعد لأحد أيّ أمل بحياةٍ كريمةٍ في ظل
انهيار السلطات، أو حصارها، والحصار بالدولار، أي بالعمل وبلقمة العيش.
الكل يتساءل إلى أين نحن متّجهون؟ وما هي آخرة هذا النفق المظلِم؟ لم يعد
أحد يتقبّل تهنئة بالأعياد ومناسبات الأفراح، فاليأس ضرب أطنابه في كل
مفاصل الحياة، وعلى مدى زمني طويل.

ويُطلّ سيِّد المقاومة حسن نصرالله في خطابه الذي أعقب اغتيال القادة،
مُطلِقاً حركة التحرّر من الأميركي والصهيوني، وحدَّد بإصبعه : “2 كانون
الثاني يناير 2020” موعداً لانطلاق الرد بضرب الوجود العسكري الأميركي في
المنطقة، ليتنفَّس الناس الصُعداء، ولتنطلق مبدئياً حركة التحرّر الوطني من
الامبريالية الأميركية- والصهيونية، فاتِحة أملاً جديداً، وأخيراً، للحياة
الكريمة في المنطقة، تتويجاً لرغبة سليماني والمهندس، وكل الشهداء الذين
سبقوهما على هذه الطريق.

مصدر المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق