ثقافة

شبكة المعارف الإسلامية :: التحليل النفسي والتربية

التحليل النفسي والتربية

قال الله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(القيامة:1ـ2).

لما للاختبار النفسي والوصول إلى الأسرار الباطنية من أهمية كبيرة في البحوث النفسية والتربوية فاننا نخصص بحثنا في هذا المقال لذلك.

العقدة النفسية
هناك بعض الأسرار التي توجد عقدة في باطن الاشخاص حيث لا يمكن اكتشافها من جهة، وإن كتمانها يسبب القلق والاضطراب من جهة أخرى وهي تجعل الحياة أحياناً مرة وجحيماً لا يطاق، وأحياناً تسبب أمراضاً نفسية. إن السبيل الوحيد للعلاج منحصر في اكتشاف ذلك السر المكتوم وحل تلك العقدة وهذه مهمة شاقة جداً.

الضمير الباطن والظاهر
ولا يضاح معنى الضمير الباطن والضمير الظاهر من زاوية علم النفس نجد من الضروري أن نمثل لهما بمثال: تصوروا أسرة متوسطة مسلمة عاشت حياتها في طهارة وشرف، فالزنا والاستهتار يعدان عملا شنيعاً في أنظار أفراد الأسرة. ولم يسبق لهم أن دنسوا أذيالهم بتلك الجريمة. تتعارف فتاة من هذه الأسرة مع شاب بصورة سرية، وبعد عدة لقاءات عادية يتفقان على أن يقضيا نهاراً كاملاً معاً. تخرج الفتاة بحجة التذاكر في الدروس والذهاب إلى بيت إحدى زميلاتها وتذهب مع رفيقها للنزهة إلى (سد كرج)، يتنزهان لساعتين أو ثلاث، ويتلذذان بمشاهدة المناظر الطبيعية الجميلة… وعند الظهر يذهبان إلى بيت ما للاستراحة وتناول طعام الغذاء. المحيط الهادئ وانعدام الرقيب عليهما يهيجان عواطف الشباب و بصورة موجزة ينال وطره من الفتاة. وبالرغم من أن الفتاة لم تكن تملك فكراً هادئاً من أول الصباح وكانت تحس بالقلق في باطنها، لكن فقدان بكارتها سبب لها انهيار شديد، ولكن الآوان قد فات، وقد وقع ما كان واجباً أن لا يقع. وعند المغرب يرجعان إلى المدينة. كان غياب الفتاة هذا اليوم للمطالعة والتذاكر العلمي في الظاهر، ولكن قد وقع في الباطن اتصال غير مشروع. إن الفتاة تحس باضطراب شديد من جراء عملها هذا، وتشعر بأن شرفها مهدد بالخطر، فإن أفشي سرها فإن ذلك سيجر لها فضيحة عظيمة. إنها تفكر، وتخطط، وتصمم في النهاية خلاصاً من الفضيحة أن لا تتزوج مدى العمر وتحتفظ بهذا السر تصحبه معها إلى القبر، ولتنفيذ خطتها هذه تبدأ بالتمهيد للموضوع، تتحدث عن مشاكل الزواج أحياناً. ثم لا يمضي بضعة أشهر حتى يجيء إليها من يطلب يدها. الفتاة تختفي عن الخاطبات، وتخبر أبويها وأفراد أسرتها عن امتناعها عن الزواج وتتحدث عن تصميمها دائماً: لا أتزوج، الرجال غير أوفياء، لا يوجد رجل في مجتمعنا. لماذا أتزوج؟ لماذا أرمي بنفسي في دوامة المشاكل والآلام؟ وما أكثر الفتيات اللاتي تزوجن ورجعن بعد عدة أشهر إلى بيوت آبائهن، حوامل، وقضين حياة ملؤها الكدر والأسى. إني لا أرمي بنفسي في هوة الشقاء والتعاسة أبداً! وتكثر من الحديث عن أمثال هذه القضايا وتستشهد ضمناً بحياة بعض الفتيات، ولكنه يوجد في باطن الفتاة ضمير مستتر آخر تكتمه عن كل أحد. ولكنها حين تختلي بنفسها أو تذهب إلى الفراش تتحدث إلى نفسها: ما أشأم ذلك اليوم! لماذا ألقيت بنفسي في هذه المخاطر؟ كيف أديت بنفسي إلى الشقاء والتهلكة كيف أعيش عمري وحيدة محرومة من لذة الحياة الزوجية؟ تتحدث مع نفسها عن الماضي دائماً وتظهر الندم والأسف باستمرار، وقد تزرف الدموع لذلك!!!..

يوجد في باطن هذه الفتاة ضميران: أحدهما ظاهر. والآخر ضمير باطن. لقد رتبت الأحاديث في ضميرها الظاهر وأينما جلست تتحدث قائلة: لا أتزوج، الرجال غير أوفياء، لا يوجد رجل في مجتمعنا أصلاً، لا أسبب الشقاء لنفسي، وما شاكل ذلك من الأحاديث… أما في ضميرها الباطن فتوجد أشياء لا ترضى بأن تخبر عنها أحداً. وهي المطلعة عليها فحسب. لماذا خرجت للنزهة؟ لماذا عاشرت رفيق السوء؟ لماذا أشقيت نفسي مدى العمر؟ وما شاكل ذلك…

رقابة الضمير الباطن
ولأجل ألا يطلع شخص على أسرار ضميرها الباطن، فان الفتاة تراقب حركاتها وألفاظها تماماً، وتتكلم بكل حيطة وحذر، وتنفر من الكلمات التي ترتبط بسرها، وتحاول أن لا تستعملها في أحاديثها أصلاً، ومثلاً على ذلك فانها تتألم وتتنفر من كلمات، السد، كرج، البحيرة، المحركات، الجسر، البساتين، وتتجنب ذكرها دائماً، وعلى ما يقول علماء النفس فان ضميرها الظاهر يضع ضميرها الباطن تحت رقابة شديدة.

تمر سنة أو سنتان على هذا الوضع، ولكن القضية تكسب لوناً جديداً بالتدريج. فمن جهة تصاب الفتاة على أثر الضغط الروحي الدائم، والألم الباطن، والاضطراب والأرق بالاضطراب الفكري، والانزجار النفسي، وتفقد طاقتها بالتدريج. ومن جهة أخرى فان والديها وأسرتها يرون هذا الوضع الشاذ نتيجة عدم الزواج، ويلحون عليها في أن تتزوج وتنهي كلماتها الباطلة. وهكذا تؤدي هذه المجموعة من العوامل الداخلية والخارجية إلى أن تصاب الفتاة بمرض روحي وتصاب بالجنون في النهاية. يراجع أهلها الطبيب، ولكن المرض يشتد يوماً فيوماً، وإن الطريق الوحيد للعلاج هو اكتشاف السر الذي تعرفه الفتاة فقط، وهي غير مستعدة لافشاء ذلك السر بأي ثمن كان.

إن اكتشاف الضمير الباطن للفتاة، والوصول إلى سرها الذي يقع تحت رقابة شديدة مهمة شاقة جداً، ويجب الاستفادة من بعض الآثار والعلامات التي تنبع من أعماق روحها في حالات خاصة.

“يجب لهذا العمل التصدي لاكتشاف الشواهد والامارات وكما يمكن أن نتوصل إلى وجود حيوان عظيم يسبح تحت ماء المحيط المظلم المتراكم، من بعض حركات الماء أو الارتفاع الموقت في سطح الماء، فلا بد من ممارسة ودقة كثيرتين للاستفادة من بعض الظواهر الموقتة في كشف بعض الأسرار، وأخيراً فبالامكان أن يترصدوا بكل صبر وتحمل اللحظة الخاطفة التي يفقد المصاب وعيه ويكشف عن السر عندما لا يحس بأي رقابة عليه”1.

طرق اكتشاف السر الباطن

يمكن الاستفادة من بعض الوسائل العديدة في الوصول إلى اكتشاف الأسرار الباطنية للأشخاص، ما عدا التعذيب فانه عمل غير إنساني، وإليك بعض النماذج:

1- لقد وجدنا في بعض قضاءات أمير المؤمنين عليه السلام كيف استفاد من قوة الوجدان وقبح التزوج من الابن، في اكتشاف سر المرأة، إذ أجبرها على أن تعترف بأمومتها بصراحة وتعلن الأساليب الشاذة التي ارتكبتها لانكار ذلك.

2- القصة المعروفة التي جرت بين ابن سينا والمريض بمرض العشق: لقد حضر ابن سينا عند مريض كان يخفي في ضميره عشقاً شديداً لا يستطيع إظهاره، أخذ نبضه في يده وطلب ممن كان يعرف أسماء محلات المدينة أن يذكرها واحدة بعد الأخرى، وعندما وصل إلى إسم إحدى المحلات أخذ نبض المريض يدق بسرعة شديدة. فأمر إبن سينا أن يذكر أسماء أزقة تلك المحلة. ولقد أدى ذكر اسم أحد الأزقة إلى الاسراع في نبض المريض. وأخيراً طلب أن يذكر له أسماء البيوت التي في ذلك الزقاق. وأسماء الساكنين في تلك البيوت، حتى جاء ذكر فتاة، فاشتد نبض المريض بصورة فائقة.. وهناك توجه إبن سينا إلى الحاضرين وقال لهم: إن هذا المريض يعشق فتاة ذلك البيت وأغرم بها. لقد توصل إبن سينا إلى اكتشاف سر المريض عن طريق دقات نبضه واكتشف عشقه وغرامه لتلك الفتاة 2.

3- يمكن إخضاع المريض للتنويم الاصطناعي، وإجباره على إفشاء أسراره الباطنية بعد سلب إرادته واختياره.

4- تغير سحنات الوجه: فمن الممكن التوصل إلى الأسرار الباطنية عن طريق ملاحظة التغيرات الطارئة على سحنات الوجه والحركات غير الاعتيادية التي تصدر منهم في بعض الأحيان. فمثلاً يقرأ أحد أفراد الأسرة صحيفة بصوت عال والكل يصغون إليه، ويصل في الأثناء إلى حادثة فتاة أغفلها شاب وفعل معها كذا وكذا. إن جميع أفراد الأسرة يتلقون الحادثة بصورة اعتيادية تماماً ويتعجبون منها أو يتأثرون بالمقدار العادي، ولكن الفتاة الآنفة الذكر التي أغفلت وفقدت شرفها وعفافها تضطرب عند سماع القصة المشابهة لقصتها، ويمتقع لونها، وتصاب بالقلق والذهول، لا ترغب في سماع القصة، ولكيلا يطلع الآخرون على قلقها واضطرابها تظهر بمظهر الغافلة عن الحادثة، وتشغل نفسها بشغل آخر في ذلك الوقت، أو تنادي طفلة جيرانهم بصوت عال، وبصورة موجزة فانها تحاول أن تتظاهر بأنها غير مصغية للصحيفة وتتشاغل بشغل آخر، وهي غافلة عن أن هذه الأعمال إنما هي علائم وضعها الشاذ، وهي تكشف بذلك قلقها الباطن.

الخلاصة: إن تغير سحنات الوجه والقيام بالحركات غير الطبيعية والمرتبكة، من أهم وسائل اكتشاف أسرار الأشخاص وضمائرهم الباطنة.

أما فرويد
لقد استند فرويد لاكتشاف أسرار الأشخاص، إلى طريقين أكثر من غيرهما، وهما: الكلمات أو الأفعال التي تصدر في غير محلها، والتي تقع سهواً ومن دون إرادة، والأحلام وتفسيرها.

لقد ظن بعض علماء الغرب أن فرويد أول من استند إلى فلتات اللسان، وتفسير الأحلام في الوصول إلى الضمير الباطن وربما يقع بعض الباحثين في بلادنا أيضاً في نفس الخطأ، في حين أن الاسلام سبق فرويد إلى العمل بهما. وقد ذكرت تطبيقات عليهما في بعض الكتب الدينية. هذا مضافاً إلى أن نظرية فرويد حول تفسير الأحلام ناقصة وغير ناضجة. أما نحن فسنحاول أن نتكلم في هذه المقال بشيء من الاسهاب والوضوح حول الموضوع.

فلتات اللسان
ولأجل أن يتضح دور فلتة اللسان في فضح أسرار الانسان، نستشهد بنفس قصة الفتاة. لما كانت الفتاة تحمل في داخلها خاطرة سوداء وذكريات مرة عن حادثة (كرج) وتخاف من انفضاح أمرها بشدة، فهي تصمم على أن لا تتحدث عن (كرج) ولا عما شاهدته هناك. وتلاقي لذلك عنتاً شديداً وتراقب نفسها دائماً. ويصادف أن تذهب إلى زيارة عمها بصحبة أبويها، وذلك بمناسبة عودته من زيارة الامام الرضا عليه السلام بخراسان. وتذهب العشيرة كلها بصورة تدريجية لزيارته، الغرفة مكتظة بالزائرين، والكل يباركون قدوم الزائر الجديد. وعلى الفتاة أن تتكلم بكلمة أو كلمتين وتحيي عمها بذلك، وفي اللحظة المناسبة، وعندما يلتفت عمها نحوها ترفع صوتها وتقول مع كمال الأدب: لقد شرفت يا عمي العزيز، أهلاً وسهلاً بك، قرت الأعين بك، تقبل الله الزيارة أرجو أن تكون قد استأنست كثيراً بزيارة (كرج). العم يبتسم، ثم يتشكر منها ولكنه يقول: أنا لم أذهب إلى كرج بل كنت ذاهباً إلى مشهد، وهنا تضطرب الفتاة وتحس بارتباك شديد وتعتذر من خطأها.

إن الاتيان بكلمة (كرج) بدلاً من (مشهد) يمكن أن يعد أمراً اعتيادياً جداً في أنظار الناس، وربما يحمل الأمر عندهم على خطأ لفظي، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى عالم نفساني. فإن لكلمة (كرج) التي فلتت من لسان الفتاة جذوراً في نفسها. فيجب البحث عن منشأ هذه الكلمة، خصوصاً وأن الفتاة قد تغير لونها وارتبكت بعد أن عرفت أنها أخطأت فإن عينيها المضطربتين ووضعها المرتبك يكشفان عن بركان ثائر في باطنها.

قد تنبعث من النار المستورة بالرماد شرارة ترشدنا إلى أن في قلب الرماد ناراً، وإن فلتات اللسان والحركات غير الارادية تشبه الشرارة المنبعثة من باطن الرماد والتي يمكن الاستناد اليها في الوصول إلى الضمير الباطن.

“من المتاهات التي أخضعها فرويد لبحوثه في بدء اختراعاته هي الأفعال الساهية، إن المراد من الأفعال الساهية في اصطلاح النفسيين، هو الأفعال التي تصدر من الانسان وهي فاقدة للأهمية في بداية الأمر. كالاشتباه في استعمال الألفاظ أو العبارات. إن علم النفس القديم كان يعزو عبثاً هذه الاشتباهات وهذا النوع من السهو في الكلام إلى الصدفة والتعب الفكري، والذهول وعدم الدقة. أما فرويد فلم يكتف بهذه الايضاحات وأخذ يبحث بدقة أكثر، لماذا ينفضح الذهول؟ وما معنى الذهول أصلاً؟ أليس سوى ظهور الأفكار والتوجيهات التي لا يراد لها الظهور في وقت ما؟ لماذا لا يقع عمل إرادي، ويقع بدلاً منه عمل من دون أن يريده شخص؟ نحن نفكر، نريد أن نتكلم وفجأة نعبر بعبارة أخرى غير التي كنا قد أعددنا لها في أذهاننا لماذا؟ لا بد من ميكانيكية تجعلنا نتفوه بكلمة بعيدة عن ذهننا تماماً بدل الكلمة التي نريد استعمالها كقطعة النقد الزائفة. لا بد من وجود ميكانيكية خاصة توجد انحرافاً في خواطرنا في نفس اللحظة التي نريد أداء الكلمة المقصودة”.

“إن العمل العابث ليس كما تظن الغالبية عملاً ناشئاً من الذهول والارتباك في التفكير، بل إنه أحد الموارد التي تظهر فيها الفكرة المكبوتة من أعماق عالم اللاشعور. هذه الأخطاء إنما هي نماذج مما تحاول الارادة الشعورية إخفاءه بصورة دائمة”.

“من هنا يستنتج: أن العمل العابث والساهي يفضح أمر صاحبه دائماً تقريباً”3.

إن الفتاة كانت تريد أن تقول (مشهد) ولكن فلتت على لسانها كلمة (كرج). ومع الانتباه إلى سوابق الفتاة وأنها تعيش حياتها في اضطراب وتشويش بال لفترة غير قصيرة، وأنها مصابة بمرض نفسي وتبتعد عن الزواج وعن ذكره فان الاتيان بتلك الكلمة أمر يسترعي الانتباه فباستطاعة الوالدين أن يكتشفا ضميرها الباطن ويطلعان على سرها المكتوم. ولقد ظن البعض أن فرويد هو أول من التفت إلى هذه النكتة مستعيناً بفلتات اللسان في الوصول إلى كشف الأسرار. يقول (فليسين شاله) في موضوع السهو، والاشتباه، ما يلي: “إن فرويد ينسب إلى جميع هذه الأفعال التي تعتبر لأول وهلة مجرد مصادفة واعتيادية، طابعاً لم يتوصل إليه فكر أحد، ويكتشف وراء تلك الأفعال عن قضايا مخبوءة أو استياء، أو ميل نحو أمر مضاد”4.

لقد صرح الامام أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الحقيقة النفسية في كمال الوضوح حين قال: “ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه5.

يمثل فرويد للكلام الساهي العابث بمثال ننقطه نصاً:

“يقف معلم في حصة الانشاء بالنسبة إلى موضوع إنشائي أعده أحد تلاميذه. على سبيل التمجيد به، ويقول خطأ: (لا أعلم كيف اذم!) إن المعلم بحسب فحواه الارادية وأفكاره الشعورية لما كان في مقام التمجيد فلا بد أنه كان يريد أن يقول: (أمدح). ولكنه لما كان عالماً بتفاهة الموضوع الانشائي الذي كتبه التلميذ فكان مقصوده متوجهاً نحو (المذمة) نفسها. وعلى هذا فان فلتة المعلم في كلامه كشفت عن نيته الأصلية والباطنية تلك النية التي كان يريد أن يسترها بإرادته الشعورية لمبررات خاصة ويظهرها في صورة المدح والتمجيد. وفي الحقيقة فانه في حين ارتكاب ذلك الخطأ قد عبر عن عقيدته التي كان يبطنها، ولكنه كان يتفادى ظهورها”6.

وإذا حاول أحد أن يختصر هذه العبارة، ويوجز هذا النص فلن يستطيع أن يأتي بأجمع وأشمل من كلام الامام أمير المؤمنين عليه السلام. فسلام على روح طاهرة من إمام كشف كثيراً من الحقائق العلمية قبل أربعة عشر قرناً في عبارات قصيرة وجمل مفيدة.

لقد أخطأ فليسين شاله حين ادعى أن هذا الموضوع لم يخطر ببال أحد حتى زمان فرويد، وإن حديثه لا يستند إلى بحث علمي متين فليس فرويد أول من تنبه إلى فلتات اللسان. لقد سبقه إليها قائد الاسلام العظيم في عبارة قصيرة جداً بكل صراحة، وأوضح دورها في كشف الأسرار المخبوءة.

هناك أحاديث أخرى في الكتب الدينية في هذا الموضوع. وبالرغم من أنه لم يصرح فيها بالكلمات الساهية وفلتات اللسان، إلا أنه يمكن استفادة هذا الموضوع منها، يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام: “إن أحببت سلامة نفسك وستر معايبك، فأقلل كلامك، وأكثر صمتك7إن الانسان لا يكشف عن عيوبه الباطنية مع إرادته واختياره أبداً، ولكنه حين يثرثر فقد تفلت من بين كلامه ودون اختيار أو قصد بعض أسراره وعيوبه، وكذلك ورد عنه عليه السلام: “قلة الكلام تستر العوار، وتؤمن العثار8. ويقول الامام الجواد عليه السلام راوياً عن جده: “المرء مخبوء تحت لسانه9أي أن اللسان يستطيع أن يكشف سر الانسان إما عمداً أو سهواً.

وعن الامام علي بن أبي طالب عليه السلام: “إياك وفضول الكلام فإنه يظهر من عيوبك ما بطن، ويحرك عليك من أعدائك ما سكن10.

الأحلام وتفسيرها
إن الطريقة الثانية التي اعتمد عليها فرويد كثيراً في اكتشاف الضمير الباطن هي تفسير الأحلام، ولقد كانت توجد ولا تزال عقائد مختلفة في الماضي والحاضر حول الأحلام. ولقد تطرق فرويد نفسه في كتابه تفسير الأحلام، وكذلك كل من كتب عن نظريات فرويد، إلى بيان آراء العلماء الآخرين ونظرياتهم في هذا الموضوع بإسهاب. ولأجل أن يتضح الموضوع للقراء الكرام، نرى لزاماً أن ننقل بعض العبارات من تلك النظريات المختلفة هنا:

“كان المعروف فيما مضى أن الأحلام تلهم إلى النفوس بواسطة قوة فوق طاقة الانسان. كانوا يعتبرون منشأ الالهام وجوداً غير أرضي، وخارجاً عن طاقة الانسان، وحيث كانوا يعتبرون المظهر لكل إرادة خارجة عن قدرة الانسان الخارجة عن الأرض متمثلاً في الآلهة، اضطروا لاعتبار الأحلام نوعاً من الظهور الجسماني لارادتهم، حيث كانوا يبشرون الأفراد بالخير والأمل أو يتنبأون لهم بوقوع المآسي والحوادث المؤلمة. وبالتدريج فقد برز الكهنة في تأويل إشارات الحلم الغامضة، وتفسير أسراره الدقيقة، ومن هنا صار علم تفسير الأحلام من العلوم البدائية في المجتمع الانساني، علماً له أهمية في الحياة اليومية الناس: لأن الكهنة على خلاف علماء النفس المعاصرين الذين يسعون في تفسير الأحلام إلى البحث عن حياة الانسان الماضية، كانوا يعملون في تفسير الأحلام على اصطناع أخبار عن المستقبل على لسان الآلهة ونشرها”11.

إن بعض الفلاسفة لم يبتعدوا كثيراً عن طريق الكهنة في تفسير الحلم على ضوء عالم ما وراء الطبيعة، ويقولون بأن منشأ الحلم هو نشاط خاص للروح التي تصعد إلى العالم الأعلى كما يقول (شوبر): إن النوم عبارة عن انطلاق الخاطر عن قيد العالم الخارجي وخلاص الروح من أسر المادة “12.

“أما الأطباء الذين يكتبون حول الأحلام فانهم بخلاف الفلاسفة لا يعتبرون الحلم عملاً روحياً. بل يرون أن صور الأحلام هي نتاج حركات الجسم والحواس التي تصل من العالم أو من اختلاج الأعضاء الباطنية إلى النائم وعلى هذا يجب اعتبار الحلم أمراً تافهاً شبيهاً بلحن يخرجه انسان لا يجيد الضرب على الالة الموسيقية، كما يقول بينز: إن الحلم عمل جسماني، تافه دائماً، وناشىء من المرض في الغالب. يقولون: إن العوالم الخاصة بالأحلام هي نتاج النشاط المشوش للأفكار اليقظة في دماغ الشخص النائم. والمتحركة على أثر الحركات الجسمانية”13.

“يرى فرويد أن الحلم برزخ بين حياتنا المخفية وحياتنا المعقولة والمنطقية. ولهذا فاننا إذا دققنا البحث ونظرنا إلى الموضوع من قريب أمكننا أن نصل إلى نتائج مهمة”.

“ويرى فرويد أنه لا يمكن اعتبار أي حلم عبثاً وباطلاً وبغير معنى، بل وعلى العكس من ذلك لما كان نتيجة عمل روحي فلا بد أن يكون له معنى ومفهوم خاص. وفي النهاية فليس الحلم مظهراً من إرادة فوق طاقة البشر بل إنه نموذج عن الارادة المخفية للانسان”14.

الاسلام والأحلام
إن الروايات الاسلامية لا تنظر إلى جميع الأحلام نظرة واحدة، بل إنها تقسم الأحلام إلى ثلاثة أقسام:

قسم منها عبارة عن الأفكار العادية أو الأسرار المخفية للانسان، التي تظهر بنفسها أحياناً. أو تظهر بصورة أخرى أحياناً لعلل خاصة. هذا النوع من الأحلام فقط هي التي لها قيمة علمية عظيمة في نظر التحليل النفسي وعلماء النفس، وبواسطتها يمكن الوصول إلى الضمير الباطن للأشخاص، وتعيين الجذور الأصلية للأمراض الروحية.

والقسم الثاني من الأحلام، عبارة عن الأفكار المشتتة والمضطربة التي تتطرق إلى ذهن الانسان في اليقظة أحياناً، وخصوصاً في حالات المرض ولا قيمة علمية ونفسية لها، وقد عبر عنها بـ”أضغاث أحلام” أو الأفكار الشيطانية.

والقسم الثالث هو الأحلام التي لها جانب الهامي، والتي ينكشف بواسطتها بعض الحقائق المجهولة من كل جهة.

يقول الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله: “الرؤيا ثلاثة: بشرى من الله، وتحزين من الشيطان، والذي يحدث به الانسان نفسه فيراه في منامه15.

التحليل النفسي قبل فرويد
ليس مقصودنا من هذا البحث، الحديث عن الرؤيا وتفسيرها، بل إن مرادنا هو بيان أن قسماً من الأحلام هي التي تكشف أسرار الانسان وتفضح الضمير الباطن للأفراد، ولنثبت أن هذا الموضوع ليس من اختراعات فرويد، بل إن أولياء الاسلام وبعض علماء المسلمين قد سبقوه إلى ذلك:

ولأجل أن يتنبه القراء الكرام إلى هدف البحث نستشهد بمثال من قصة الفتاة المخدوعة:

لقد أوردت الحادثة المزعجة والمكتومة ضربة قاضية نحو شرف الفتاة وعفتها، فقد أغفلها شاب في (كرج) وأزال بكارتها والفتاة لم تذكر هذا السر لأحد بل احتفظت به في ضميرها الباطن. وفي عالم الرؤيا يريد ذلك السر أن ينكشف ولكن الفتاة لم تكن في حال اليقظة مستعدة لأن تكشف ذلك السر لأحد، وكان ضميرها الظاهر مخضعاً ضميرها الباطن للرقابة الشديدة، فهي في حالة النوم كأنها تدرك تلك الفضيحة، لكن قوة مجهولة لا تسمح بأن تنكشف المخزاة بلا ستار لذلك فان صورة الحقيقة المرة تتبدل، وتظهر بمظهر غير مخز تماماً.

“إن حلم الشخص البالغ مخفي خلف آلاف الأستار من الكذب والتزوير والأخلاق والقوانين والأنظمة الاجتماعية وإن هناك نوعاً من فوق الأنا تراقب أفعال الشخص ولو في عالم الرؤيا. لهذا فان الانسان يرتكب جريمته في الحلم خلف ستار من فوق الأنا فيخفي نفسه عن نفسه، وفي عالم كهذا حيث يتم كل شيء بالنكاية والاستعارة وإخفاء الحقائق وراء أقنعة عديدة فان التعبير الصحيح والبسيط والمجرد عن الأقنعة لا يمكن أن يظهر أصلاً في الضمير الانساني”.

“في أحلام الشخص البالغ تريد بعض الأحاسيس أن تخرج إلى الوجود، ولكنها لا تملك الجرأة على الخروج بذلك المظهر بصورة صريحة حرة، بل إنها تراقب فوق الأنا الأخلاقية والاجتماعية، وتضطر إلى أن ترسل التنبؤات المختلفة والصور الخداعة والمتباينة إلى ضميرنا”16.

ولهذا فإن منتزه (كرج) وغرفة الدار، وصورة الشاب الذي خدعها والعمل المنافي للشرف والعفة، وبصورة موجزة فان القصة الحقيقية للجريمة لا تأتي إلى خاطر الفتاة في الحلم. وعلى فرض أنها رأت حلماً كذلك فانها لا تخبر أحداً به، ولكنها ترى في الحلم أنها في بستان كبير متعلقة بغصن شجرة، وتحت قدميها هوة سحيقة ومظلمة مليئة بالوحل والطين، وهي مضطربة لأجل ذلك وتخاف من أن يفلت الغصن من يدها وتسقط في الهوة ولكنها تقع في ما كانت تحذر منه ويفلت الغصن من يدها فجأة وتسقط في تلك الحفرة المظلمة وتتحطم وسط الأوحال!.

تحوير الضمير الباطن
هذا الحلم هو مظهر الضمير الباطن، وانعكاس لتلك القصة الواقعية التي كانت تخشى الفتاة من إظهارها، مع فارق بسيط هو أن القصة نفسها لما كانت مخزية وقبيحة فإن لباسها يتغير، وتتبدل صورة الاتصال الجنسي بشاب أجنبي إلى شكل التعلق بغصن شجرة، ويبدو التردي الاجتماعي الناشىء من ذلك الاتصال فى إطار السقوط في الوحل.

“هناك رابطة العلية والمعلولية بين ظلمة صور الأحلام وحالة الكبت النفسي. والنتيجة أنه إذا كان الحلم مظلماً فذلك لأن طائفة من الأفكار الباطنة والمكبوتة قد منع الوجدان من ظهورها”17.

هذا الحلم يبدو في نظر الأفراد العاديين تافهاً لا قيمة له، ولكن الذي يستطيع تفسير الأحلام وتحليلها يرى في هذا الحلم مفتاحاً لمخزن أسرار الفتاة، وبذلك يتمكن من اكتشاف الضمير الباطن لها.

لقد أعطى فرويد أهمية كبيرة للحلم وتفسيره من حيث الوصول إلى الضمير الباطن، وإن قسماً كبيراً من مدرسته في التحليل النفسي أشغله هذا الفصل. وقد قوبل هذا الموضوع بأهمية بالغة في أنظار طائفة من الغربيين وكتبوا حوله البحوث المطولة، ظانين أن (فرويد) هو أول من تنبه إلى هذا الأمر. واليكم بعض النماذج:

“إن تفسير الأحلام هو الطريق الصحيح للوصول إلى الضمير الباطن في الحياة النفسانية، ويمكن ملاحظة هذه المعادلة الغامضة في أول أثر لفرويد حول الحلم. إنه ربط ظهور الأحلام في إحدى كتاباته التي انتشرت في الشطر الثاني من حياته بالتحليل النفسي. هذا العلم الحديث لم يوجد قاعدة أساسية أو أدق قابلية للقياس مع أصول الأحلام. إنه أرض مجهولة تنشأ من العقائد العمومية والتصرف”18.

“إن الحلم عبارة عن نوع من الاعتراف، لكنه اعتراف مصحوب بلحن مناسب، وعلى هذا يجب تصحيحه. هذه الأفكار المختفية تسلط فور اكتشافها أضواء ساطعة على جميع أجزاء الحلم. وتكمل النقائص الموجودة بين تلك الأجزاء وتجعل المجموعة الاعتيادية منها قابلة للفهم. هذا هو الأسلوب الذي يتبعه فرويد في تفسير الأحلام”19.

“أما الموضوع الأساسي فهو: أنه كيف نستطيع أن نرسو في هذا البحر الخضم المتلاطم؟ كيف نبسط شيئاً لا يرى بصورة واضحة تماماً؟ كيف يستطيع البصيص الضعيف الذي يظهر على صفحة الحلم المظلمة لبضع لحظات أن يكشف عن حقيقة خفية وغامضة تماماً؟ إن اكتشاف هذه الرموز والوصول إلى هذه الأسرار الخفية والمبهمة تحتاج إلى فراسة وذكاء من شخص ساحر ماهر، أو مخبر عن الغيب، فريد في نوعه”.

“أما فرويد فبدون أن يتشبث بالسحر أو يعرف نفسه كمطلع على الغيوب، يوجد في أعماله رمز لا يقف في سبيله رادع أو مانع. إن سر نجاح فرويد يكمن في أنه يبدأ في حل أغمض الأسرار من أبسط المقدمات”20.

يستفاد من هذه العبارات مدى اهتمام الغربيين بفرويد وأساليبه في تفسير الأحلام… ومدى تأثرهم بوجهات نظره.

التحليل النفسي في الاسلام
لقد وجد في الاسلام بالاضافة إلى التفسيرات التي أدلى بها الأئمة عليهم السلام عن بعض الأحلام أحياناً، أفراد عاديون كانوا يستطيعون اكتشاف الضمير الباطن للأشخاص، والوصول إلى أسرارهم عن طريق تفسير أحلامهم. هؤلاء لم يكونوا ساحرين، ولا مدعين للعلم بالغيب، بل انهم كانوا أشخاصاً عاديين تماماً، ولكن أذكياء في نفس الوقت. وأن بعض نماذج تفسيرهم للأحلام مهمة وراقية إلى درجة أنه قلما نجد لها مثيلاً في جميع كتب علم النفس في العصر الحديث.

من الأشخاص الذين اشتهروا في تفسير الأحلام إبن سيرين لقد بدأ التحليل النفسي عن طريق الحلم قبل ثلاثة عشر قرناً، وأوضح الحقائق الغامضة الكثيرة عن هذا الطريق ” إسمه محمد، وكان معاصراً للحسن البصري. وكان أبوه سيرين صفاراً”21.

وقبل أن نعرض لبعض النماذج عن تفسير الأحلام في الاسلام من وجهة التحليل النفسي، لا بد من أن نتطرق إلى نكتتين:

أ- ربط الحلم بالعواطف

إن العواطف الدينية والثقافة العامة تختلف في كل أمة عن غيرها من الأمم، فهناك فرق شائع بين مشاعر فرد مسلم متعرف على تعاليم القرآن الكريم، وبين ياباني بوذي… وطبيعي أن تكون أحلام المسلم ممتزجة بالعواطف الاسلامية والمشاعر القومية له، وأن تظهر أحلام الياباني البوذي في صور متناسبة مع اعتقاداته القومية والدينية.

والشخص المفسر للأحلام يستطيع أن يقوم بمهمته بصورة جيدة، متى ما كان عارفاً بالعواطف الدينية والثقافة القومية للشخص الحالم. ولهذا فان المفسرين الاسلاميين للأحلام، يستندون إلى الآيات القرآنية والأحاديث الدينية التي تستند إليها عواطف الناس ومشاعرهم.

“يعتقد فرويد أن الذين يكونون على مستوى واحد من الثقافة يستعملون إشارات وعلائم متشابهة في معالم الوجدان الباطن لهم، ويجب اكتشاف هذه الاشارات والرموز من خلال أحلامهم”22.

ب- الرموز والكنايات في الحلم

غالباً ما لا يسمح الادراك الوجداني للقبح، والنفور الاجتماعي، أو الأخلاق والآداب العامة في ظهور محتويات الضمير الباطن بالصورة الحقيقية في الحلم، لذلك فان الأفكار المخفية تظهر في صورة المظاهر المختلفة وعلى شكل رموز أو كتابات. فعلى المفسر أن يكون على جانب كبير من الفراسة والذكاء لكي يستطيع أن يكتشف من الصورة الظاهرية للحلم والتي ملئت رموزاً وكنايات، الحقيقة التي تكمن وراءها، ويفسر الحلم بذلك تفسيراً كاملاً.

“إن أسلوب الحديث في هذا العالم اللاشعوري لا بد وأن يختلف عن أسلوب الحديث في الحياة الظاهرية التي تعودناها اختلافاً بيناً. واننا لا نستطيع في بادئ الأمر أن ندرك المقصود من تلك الأحاديث فيجب في الوهلة الأولى أن نسعى لتفسير وتوجيه مظاهرها بحسب الالفباء المصطلحةعندنا. لأن لغة الأحلام تشبه اللغات البدائية كالمصرية، والكلدانية، والمكسيكية، في أنها مكونة من رموز وعلائم، ولا بد من تفسير هذه الرموز في كل مرة حسب الاصطلاح الجاري والمعمول به عندنا”23.

وقد جاء في الحديث: “للرؤيا كنى وأسماء، فكنوها واعتبروها بأسمائها24.

إن تبدل الشكل الباطن إلى الصورة الظاهرة نسميه بالحلم. والعمل المعاكس له أي تبديل الصورة الظاهرة بالباطن نسميه بالتحليل25.

والآن نعرض لبعض نماذج من الأحلام المعبرة من حيث التحليل النفسي في الاسلام:

1- “قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام: رأيت كأني أبول في يدي. قال: تحتك محرم. فنظروا فإذا بينه وبين امرأته رضاع”26. في هذا الحلم نجد أن اليد وهي عضو من أعضاء البدن كناية عن الأخت وهي عضو الأسرة والبول رمز للمني. والامام عليه السلام فسر البول في اليد بنكاح المحرم. فإن كان الرجل يعرف أن زوجته هي أخته في الحقيقة، فان تفسير الحلم يعتبر اختباراً نفسياً واكتشافاً للضمير الباطن للرجل. وإن لم يكن يعرف ذلك، فهو الالهام.

2- “أتى إلى أبي عبد الله عليه السلام رجل فقال: يابن رسول الله رأيت في منامي كأني خارج عن مدينة الكوفة في موضع أعرفه، وكأن شيخاً من خشب أو رجلاً منحوتاً من خشب على فرس من خشب يلوح بسيفه، وأنا أشاهده فزعاً مرعوباً. فقال له عليه السلام: أنت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته. فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك. فقال الرجل: أشهد أنك قد أوتيت علماً واستنبطته من معدنه. أخبرك يابن رسول الله عما قد فسرت لي. إن رجلاً من جيراني جاءني وعرض علي ضيعة، فهممت أن أملكها بوكس كثير لما عرفت أنه ليس لها طالب غيري”27.

3- “جاءت امرأة إلى ابن سيرين فقالت له: رأيت كأني أضع البيض تحت الخشب فتخرج فراريج. فقال إبن سيرين: ويلك اتقي الله فانك امرأة توفقين بين الرجال والنساء فيما لا يحبه الله عز وجل، فقيل له من أين أخذت ذلك؟ قال: من قوله تعالى في النساء: “كأنهن بيض مكنون” وشبه المنافقين بالخشب: “كأنهم خشب مسندة”. فالبيض النساء. والخشب: هم المفسدون، والفراريج: هم أولاد الزنا”28.

وكان الأمر كما ذكره إبن سيرين، وانكشف سر المرأة بتلك الرؤيا.

4- “روي عن إبن سيرين أنه أتاه رجل فقال: رأيت كأني أقشر بيضة وأرمي صفارها وآكل بياضها. فقال إبن سيرين: هذا رجل نباش للقبور، فقيل له: من أين أخذت هذا؟ فقال: البيضة: القبر. والصفار: الجسد. والبياض: الكفن. فيلقي الميت ويأكل ثمن الكفن وهو البياض”29.

لقد ظهرت الخيانة الخفية للرجل الذي كان يشق القبور ليلاً ويسرق الأكفان بصورة حلم، مع تغيير شكل الضمير الباطن. ولقد استطاع إبن سيرين العالم الحاذق، أن يفسر تلك الرؤيا ويكتشف ذلك السر.

5- جاء رجل إلى إبن سيرين ومعه جراب، فقال له: رأيت في النوم، كأني أسد الزقاق سداً وثيقاً شديداً فقال له: أنت رأيت هذا قال: نعم، فقال لمن حضره: ينبغي أن يكون هذا الرجل يخنق الصبيان وربما يكون في جرابه آلة الخنق، فوثبوا عليه، وفتشوا الجراب، فوجدوا فيه أوتاراً وحلقاً فسلموه إلى السلطان”30.

6- جاء رجل إلى إبن سيرين قائلاً: رأيت فيما يرى النائم أني أجامع فأرة، ويخرج من شرجها تمرة. فقال له إبن سيرين: هكذا أفهم أنك متزوج بامرأة زانية. قال: نعم. قال له: إنها حامل. وأبشرك بأنها تلد لك ولداً طاهراً شريفاً”31.

7- وجاءه رجل فقال له: رأيت كأني أسقي شجرة زيتون زيتاً، فاستوى جالساً، فقال: ما التي تحتك؟ قال: علجة إشتريتها. وفي رواية جارية وأنا أطؤها، فقال: أخاف أن تكون أمك، فكشف عنها فوجدها أمه”32.

يتضح من استعراضنا لهذه النماذج القليلة من تفسير الأحلام أن الاختبار النفسي والوصول إلى الضمائر الخفية للأفراد عن طريق تفسير أحلامهم ليس أمراً جديداً حتى يتصور أن فرويد أول من ابتكرها وتختص بمدرسته… وأن في الاسلام أفراداً أذكياء ونوابغ طرقوا هذا الباب قبله. ومنهم مفسر الأحلام الشرقي إبن سيرين حيث بدأ تجاربه وأعماله الرائعة قبل 13 قرناً.

نصيحة في نقل الحلم

للرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله نصيحة دقيقة في الرؤيا. إنه يقول: “لا تقصها إلا على وادٍ، أو ذي رأي33. أما بالنسبة إلى الواد (الصديق) فانه إن لم يكن يعرف طريقة تفسير الحلم، فلا أقل من أنه لا يعجل للانسان بفكرة مشؤومة، وخاطرة سيئة، “وإن لم يكن عالماً بالعبارة، لم يعجل بما يغمك”… ثم يتطرق صلّى الله عليه وآله إلى بيان فوائد ذكر الحلم لمن يجيد تفسيره فيقول: “ولعله أن يكون في تفسيرها موعظة يردعك عن قبيح ما أنت عليه”.

فرويد ونظريته البتراء
إن الموضوع الجدير بالانتباه هو أن نظرية فرويد حول الأحلام بتراء وغير ناضجة. لقد نظر فرويد كغيره من الماديين إلى جميع الأمور نظرة مادية فقط. وكما انحرف عن الطريق السوي في موضوع الخالق والدين، فقد انحرف لاتجاهه المادي البحت في موضوع الأحلام أيضاً، ولم يستطع أن يدرك الواقع من جميع جهاته. إنه يرى الأحلام مظهراً للأفكار الباطنة فقط.

“يمكن وصف الحلم بأنه تحوير الأفكار المخفية إلى الشكل الظاهر. والخلاصة أن الحلم ليس موجداً، لا يخلق شيئاً من نفسه ولا يحكم أو يستنتج”.

“إن عمل الحلم عبارة عن التلخيص أو الايجاز، التبديل أو التحوير، تغيير الصورة أو التمثيل… ومن ثم فهو التنظيم والطلي بالشكل الذي انتهينا من شرحه قبل قليل”.

“والذي يبدو لي أن قسماً من محتويات الحلم يكون نتيجة للنشاط الذهني في النوم، ولكن الذي يتضح من تحليل الحلم أن هذه التعقلات كانت موجودة في الأفكار الباطنة للشخص الحالم. وظهرت بعينها في النوم”.

“كل قصة منطقية واستنتاجية تشاهد في الحلم هي نفسها التي كانت موجودة في الأفكار الباطنة”34.

وكما أن الكهنة كانوا يفسرون الأحلام بالتنبؤات عن الوقائع المستقبلة وكان تفسيرهم خاطئاً…

وكما أن طائفة من علماء القرن السادس عشر والسابع عشر كانوا يرونها معلولة لسلسلة من الأعمال العضوية ونشاطات بعض الأنسجة العصبية، وكانت نظرتهم هذه خاطئة…

كذلك نظرية فرويد في حصر جميع الأحلام بخصيصة نفسية واحدة وهي أنها مظهر للوجدان الباطن… فانها غير صحيحة، إن ما لا شك فيه أن طائفة من الأحلام عبارة عن تجليات الضمير الباطن وهذا القسم منها يعتبر سليماً يربط وادي النفس الخفية بوادي النفس الظاهرة. وهذا ما قال عنه الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله: “والذي يحدث به الانسان نفسه، فيراه في منامه”.

وهذه الطائفة هي التي قام بتفسيرها على أحسن وجه إبن سيرين في عدة موارد. لقد توهم فرويد أن جميع الأحلام يجب أن تفسر وتعبر بنفس اللغة، وإن منشأ خطأه هو حصره هذا.

الحقائق المجهولة
ما أكثر الأشخاص الذين توصلوا إلى اكتشاف حقائق مجهولة في الماضي والحاضر عن طريق الأحلام، ولطالما كان الحلم مخبراً بصورة صريحة أو مع شيء من التحوير وبمساعدة التفسير عن بعض الحقائق التي لم تكن تخطر على بال الحالم أو ضميره الباطن! وإن هذه الطائفة من الأحلام من الكثرة بمقدار أنها لا تقبل الانكار والتكذيب. وهناك في الأسر الشرقية والغربية أفراد عديدون تقع لهم أمثال هذه الأحلام.

لقد توفيت زوجة أحد العلماء القديرين المعاصرين، وكانت تطلب في أيام حياتها مبلغاً مهماً من المال من شخص ما، ويوجد عندها سند يثبت الدين، والمدين طالبهم بالسند الرسمي، ولقد قامت ابنة المتوفاة بالبحث عن السند في البيت كله، وفي أي مكان تحتمل وجوده فيه من دون أن تصل إلى نتيجة. ولم يكن المدين مستعداً لدفع دينه دون أن يقبض السند الرسمي. فيئس الورثة من استحصال الدين. وفجأة رأت الخادم في الحلم أنها رأت سيدتها المتوفاة تأمرها بأن تخبر ابنتها بأن السند في جيب الثوب الفلاني. فذهبت البنت إلى مكان ذلك الثوب ووجدت السند فيه كما أخبرت به الخادم. هذه الرؤيا لا يمكن تفسيرها حسب أصول التحليل النفسي لفرويد. فليست ظهوراً لمكنونات الضمير الباطن للخادم. فإن الخادم لم تكن تعرف عن موضوع الدين والسند أي شيء أصلاً، حتى تعرف محله!.

لهذا النوع من الأحلام حساب خاص، أوضحه النبي صلّى الله عليه وآله بقوله: “… بشرى من الله” كمامر، وهي نوع من الالهام الإلهي، وهي كثيرة إلى درجة أنها لو جمعت من كل عصر لأصبحت بصورة كتاب كبير. لم يتحدث فرويد عن هذا النوع من الأحلام أصلاً، ولا يستطيع أن يقول شيئاً عنها، ذلك ان فرويد رجل مادي، وإن الاعتراف بهذا النوع من الأحلام والاذعان لها (وهي تكشف عن حقائق مجهولة تماماً) لازمه اعتراف بالمبادئ الروحية، والتصديق بعالم ما فوق المادة، والاعراض عن المذهب المادي، وفرويد غير مستعد للاعتراف بهذا الأمر. هب أن امتناعه عن الاعتراف بالحقيقة، لا يغير من الواقع شيئاً، ولا تستطيع أفكاره الهوجاء إخفاء حقيقة مسلمة تملك آلاف الشواهد الحية عند شعوب العالم المتحضر.

وإتماماً للفائدة، نعرض لبعض النماذج من هذا النوع من الأحلام أيضاً:

1- حلم ملك مصر
: لقد رأى ملك مصر كما يحدثنا القرآن سبع بقرات ضعاف تأكل سبع بقرات سمان. وسمع سنابل يابسة ومعها سبع سنابل خضراء… ﴿قَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ(يوسف:43).

فعرض رؤياه على رجال بلاطه وعلماء بلاده، فعجزوا عن تعبيرها، وسموها بأضغاث أحلام…

أما يوسف الصديق، فقد كان حاذقاً في تعبير الرؤيا، وفسر الحلم الذي رآه الملك بالشكل التالي: جدوا في أمر الزراعة لسبع سنين، وادخروا في كل عام ما يفضل من قمحكم، واخزنوا الزائد عن الاستعمال في سنابله فبعد هذه الأعوام السبع يجتاح البلاد قحط عظيم ويستمر هذا القحط لسبع سنوات، ويقع الناس في حرج وشدة. وفي هذه الفترة يجب الاستفادة من القمح المخزون. ولقد تحقق كلام يوسف تماماً واستفادوا في أعوام القحط من ذخائر السنوات السابقة ونجت البلاد في ظل دراية يوسف من السقوط الحتمي والموت المحتم. وعلى أثر هذا التفسير العلمي الدقيق والخدمة العظيمة التي أسداها يوسف إلى الشعب المصري فقد صار محبوباً من قبل الناس، وأدى ذلك إلى أن يصل يوسف بمساندة الرأي العام إلى زمام الحكم لسنوات طوال.

لم يكن حلم ملك مصر تلخيصاً لمكنونات الضمير الباطن، ولم يكن التفسير العجيب الذي أدلى به يوسف مستنداً إلى الاختبار النفسي، والتوصل إلى الوجدان المكنون للملك. فقد كشف هذا الحلم عن مستقبل مجهول تمامأً، وأعلن عن حادثة خفية.

2- رأى عبد الملك بن مروان في المنام: أنه يبول في محراب مسجد الرسول الأعظم أربع مرات. فسأل إبن سيرين عن تفسير رؤياه. فقال له ابن سيرين: أربعة من أولادك يصلون إلى مقام الخلافة، ويقفون للامامة في محراب الرسول الأعظم، ويتعهدون قيادة شؤون المسلمين، وكان كما قال. فقد تنزى كل من وليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك ويزيد بن عبد الملك فترات قصيرة واحداً تلو الآخر على منصب الخلافة. لقد كشف هذا الحلم عن مستقبل مجهول لم يكن ليعرفه أحد أصلاً35.

3– ينقل عن المهدي العباسي، أنه رأى في المنام أن وجهه قد أسود، فسأل المعبرين عن تعبير ذلك فعجزوا إلا إبراهيم الكرماني، فانه قال: توجد لك بنت. قالوا: من أين علمت ذلك؟ قال: لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا(النحل:58) فأعطاه المهدي ألف درهم ولما حصل له بنت زاد عليه ألف درهم آخر36.

هذه الرؤيا كشفت عن مستقبل مجهول لم يكن أمره بيد أحد: فالخليفة يحلم بشيء، ثم يتحقق حلمه بعد أشهر عندما تلد زوجته بنتاً له.

4– جاء رجل إلى إبن سيرين وقال له: رأيت في المنام أن ديكاً قد دخل إلى منزلي وقطف بضع حبات شعير. فقال له إبن سيرين إذا سرق من بيتك شيء فراجعني. وجاء بعد أيام. وقال: لقد سرق سجاد من بيتي. فقال له إبن سيرين: لقد سرقه المؤذن فذهب الرجل إلى المؤذن وطالبه بسجاده، وتنازع معه حتى استرد ماله”37.

وهكذا نجد أن هذا الحلم أخبر عن أمرين خفيين: وقوع السرقة وتعيين السارق.

وعلى أية حال فإن طائفة من الاحلام لا يمكن أن تفسر حسب أصول التحليل النفسي والمدرسة المادية، وهي قابلة للتفسير على مبنى الالهيين والمعتقدين بما وراء الطبيعة والمادة.

إن الجانب المعنوي والالهام الروحاني لبعض الأحلام مهم إلى درجة أن النبي صلّى الله عليه وآله يقول عنها: “إن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة38.

*الطفل بين الوراثة والتربية، محمد تقي فلسفي، الأعلمي ط3، 2002م،ج1، ص299-324.


 

1- فرويد ص:34.
2- دائرة معارف دهخدا الفارسية مادة أبو علي- ص:644.
3- فرويد ص:35.
4- فرويد وفرويديسم ص:48.
5- نهج البلاغة ص:518.
6- فرويد ص:37.
7- غرر الحكم ودرر الكلم طبعة دار الثقافة. النجف الأشرف ص:274.
8- غرر الحكم ودرر الكلم ص:537، ط النجف.
9- بحار الأنوار ج 17ص101.
10- غرر الحكم ودرر الكلم ص:155.
11- فرويد ص:38.
12- تفسير الأحلام تأليف فرويد ص:4.
13- المصدر السابق ص:5.
14- فرويد ص:39.
15- بحار الأنوار ج 14ص441.
16- فرويد ص:43.
17- تفسير الأحلام، تأليف فرويد ص:71.
18- فرويد وفرويديسم ص:58.
19- المصدر السابق ص:61.
20- فرويد ص:41.
21- قاموس دهخدا الفارسي ص:321 إبن سيرين.
22- انديشه هاى فرويد ص:38.
23- فرويد ص:39.
24- بحار الأنوار 14ص436.
25- تفسير الأحلام ص:18.
26- تفسير الأحلام ص:18.
27- روضة الكافي ص:293. والاغتيال هنا بمعنى: الخديعة.
28- حياة الحيوان للدميري ج 1ص234 دجاج.
29- حياة الحيوان للدميري ج 1ص234 دجاج.
30- المستطرف ج 2ص88 مطبعة الاستقامة القاهرة 1383 هجرية.
31- نامه دانشوران ج 2ص176.
32- المستطرف ج 2ص88.
33- البحار ج 14ص437.
34- تفسير الأحلام. تأليف فرويد ص:62.
35- تتمة المنتهى ص:80.
36- الكنى والألقاب 1ص314.
37- نامه دانشوران ج 2ص176.
38- بحار الأنوار للشيخ المجلسي ج 14ص435.

28-08-2009
عدد
القراءات 16047

مصدر المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى