ثقافة

شبكة المعارف الإسلامية :: قابلية الإنسان للتربية والتعليم

قابلية الإنسان للتربية والتعليم

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(التين:4-6).

للوصول إلى السعادة، وتحقيق الكمال اللائق بالانسان من الناحية التربوية، يجب الالتفات إلى أصلين مهمين:

الأول: إحياء الاستعدادات الفطرية المفيدة.

والثاني: إماتة الميول المنحرفة والاتجاهات الشريرة. وبعبارة أوضح فان المربي الممتاز هو الذي يستطيع أن ينمي القابليات والمواهب الفطرية التي يملكها الطفل بالأساليب التربوية الصالحة من جانب. ومن جانب آخر يعمل على دحر الصفات الوراثية الشريرة والاتجاهات التي لا تلائم السلوك الصحيح. ولأجل أن يتضح مدى أثر التربية وأهميتها بالنسبة إلى الوصول إلى الكمال الانساني اللائق به نرى لزاماً أن نبحث في هذه الجهات بحثاً مفصلاً. والظاهر أن هذا البحث مضافاً لما سيوضحه من ضرورة التربية بالنسبة للانسان سيرشدنا إلى إحدى آيات الله الدقيقة في هذا الكون ويدلنا على إرادته الحكيمة في تسييره.

إمتياز الانسان عن سائر الأحياء
بالرغم من أن الانسان يعد أحد الموجودات الحية في العالم، ويتركب وجوده من سائر العناصر المكونة للموجودات الأخرى… لكنه يمتاز عنها بخصائص ومميزات تفصله عن سائر الأحياء. إن الانسان يختلف عن الأشجار والأزهار، وعن الحشرات والحيوانات في جهات متعددة، ومن جملة هذه الفروق: أن الحيوانات لا تحتاج في بلوغها الكمال المحدد لها إلى تعليم وتربية. إن الغرائز الفطرية التي أودعها الله تعالى فيها هي التي ترشدها بانتظام وفي جميع مراحل حياتها إلى مطاليبها، وهي تسلك طريق تكاملها بصورة صحيحة… لكن الانسان يحتاج إلى التعليم والتربية، فإنه إن لم تكن تربيته مطابقة لأساليب علمية وعملية لا يصل إلى الكمال اللائق به، ويستحيل أن تظهر استعداداته الفطرية ومواهبه إلى حيز الخارج.

إن القرآن يحكي لنا قصة موسى وهارون حين توجها بأمر من الله إلى فرعون وقومه ليدعواهم إلى توحيد الله وعبادته، ومن خلال تلك القصة يسأل فرعون عن الخالق الذي يدعوان إليه قائلاً: “فمن ربكما يا موسى؟!”فيجيبه موسى عليه السلام:”ربنا الذي: أعطى كل شيء خلقه ثم هدى!!!”

الأعضاء اللازمة للحياة

يتبين لنا من الآية السابقة أن الله تبارك وتعالى قد وهب لكل موجود ما يحتاجه، وقرر له ما ينبغي له. ومن الواضح أن درجة احتياج كل موجود إلى شيء ما تختلف… فالحيوانات مثلاً يختلف بناؤها الطبيعي ونوع الغذاء، الذي تحتاجه، وقد طورها الله على الشكل الملائم لها، فأعطاها الأعضاء اللازمة لحياتها، أعطى الأسد مخالب قوية لتمزيق اللحوم، ومنح الشاة أسناناً حادة لقضم الأعشاب… ووهب البعض قوة الركض والجري السريع، وأعطى للبعض الآخر القدرة على الطيران، خلق في البعوضة الضعيفة خرطوماً للمص، وجهز الطيور الداجنة بمنقار يختلف تماماً عن منقار الطيور القانصة.

إن أول دليل يقدمه موسى لفرعون على وجود الله تعالى هو أن: ربي هو الذي نظم بناء الخلق العظيم بعلم وحكمة، وأعطى لكل موجود ما يستحقه ويحتاجه في بلوغ مقاصده، ولذلك فإن آثار قدرته تعالى ظاهرة في كل موجود. يقول الشاعر:

فانظره في حجر وانظره في شجر    وانظره في كـل شـيء… إنه الله

يقول الآخر:

وفـي كل شــيء لــه آيــة     تـدل عــلــى أنــه واحــد

استخدام العضو
إن الحصول على الأدوات والآلات أمر… وكيفية استخدام تلك الآلات أمر آخر، فمكبرة الصوت عبارة عن جهاز لتوزيع الصوت وإيصاله إلى ابعد ما يمكن، ولكن استخدام هذا الجهاز والاستفادة منه يحتاج إلى علم وإطلاع بشؤونه، فمن الممكن أن توجد في قاعة ما أجهزة فخمة لتكبير الصوت ولكن لا يوجد عامل فني واحد يعرف كيفية استعمالها. وهكذا، فوجود وسائل الفحص بالأشعة السينية وأدوات الجراحة في المستشفى يختلف عن كيفية استخدامها. فانه لا بد من طبيب ممارس كي يعرف كيفية التصوير بدقة، وتشخيص حصى الكلية مثلاً، ثم كيفية شق بطن المريض بالمباضع والسكاكين واستخراج الحصى، وإعادة خياطة موضع الجرح بدقة… وفي النهاية برء المريض وخلاصه من الآلام.

ولهذا نجد أن الدليل الثاني الذي يقدمه موسى لفرعون على وجود الله تعالى هو: أنه بعد الفراغ من تزويد الله تلك الموجودات بالوسائل والأدوات اللازمة، علمها كيفية استخدام تلك الأعضاء وطريقة الاستفادة من تلك الآلات والأجهزة كلاً على حدة. إن بعوضة ضعيفة تعرف كيف وأين تدخل مضخة الدم أي خرطومها الذي هو بمثابة المحقنة الطبية لتمص الدم بذلك، وتحفظ حياتها بالتغذي عليه.

هذا النظام الدقيق، وهذه الأساليب المتقنة لا يمكن أن تصدر من ناحية الطبيعة العمياء، وعلى نحو الصدفة التي لا تعي ولا تشعر. إن الذات التي تتمثل فيها القدرة الكاملة والعلم المحيط والارادة التامة التي أوجدت هذا الكون بحسب نظام دقيق منحصرة في الله تعالى.

التكامل البشري
يتقدم الانسان دوماً نحو الرقي والتكامل… كثير من الحقائق كان يجهلها الناس أمس الأول وكشف الحجاب عنها أمس، وقسم من الحقائق كانت مجهولة أمس، وإذا بالعلم يكشف عن أسرارها اليوم… وهكذا فإن هناك كثيراً من الحقائق يجهلها العالم اليوم، ولكنها ستنكشف لعالم الغد. وعلى مر الأيام كلما انكشفت زاوية مجهولة في هذا الكون الفسيح ورفع النقاب عن سر مكنون… إطلع العالم على النظام الحكيم الذي أودعه الله، فيقف إجلالاً ويركع خضوعاً وخشوعاً حيال عظمته وحكمته.

وحين كان موسى يتكلم مع فرعون حول توحيد الله… وحين نزل حديث موسى بن عمران بصورة آية من القرآن على نبينا العظيم، كانت معلومات البشر عن نظام الخلقة، وأسرارها العجيبة محدودة وضئيلة جداً ولم معلومات البشر عن نظام الخلقة، وأسرارها العجية محدودة وضئيلة جداً ولم يكن الناس ليتوصلوا إلا إلى ما تراه عيونهم المجردة القاصرة غافلين كل الغفلة عن أن الحقائق التي لا تدرك بالعين المجردة، والأمواج التي لا تسمع بالأذن العادية أكثر بكثير من المبصرات والمسموعات العادية للبشر. لكن أئمة الاسلام الهداة، والقادة المعصومين الذين كانوا ينظرون بنور الوحي والإلهام وبعين الحقيقة والواقع التي لا تحجبها الأستار المادية، كانوا على علم بجميع تلك الحقائق.

يذكر الامام علي عليه السلام هذه الحقيقة في خطبة من خطبه، ضمن حمد الله والثناء عليه قائلاً: “وما الذي نرى من خلقك، ونعجب له من قدرتك، ونصفه من عظيم سلطانك؟ وما يغيب عنا منه وقصرت أبصارنا عنه، وانتهت عقولنا دونه، وحالت سواتر الغيوب بيننا وبينه أعظم1.

الموجودات المجهرية
لم يكن ليعرف الانسان قبل أربعة عشر قرناً شيئاً عن العالم المحير والعجيب للموجوادات المجهرية، ولم يكن بالامكان للعلماء في عصر نزول القرآن أن يؤمنوا أن في القطرة الواحدة من نطفة الرجل تسبح ملايين الموجودات الحية… ولكننا نجد في ذلك العصر حينما يسأل (الفتح بن يزيد الجرجاني) من الامام الرضا عليه السلام عن سبب تسمية الله باللطيف يقول الامام في جوابه: “للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف… ومن الخلق اللطيف، ومن الحيوان الصغار ومن البعوض والجرجس وما هو أصغر منها، ما لا يكاد تستبينه العيون بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الأنثى، والحدث المولود من القديم2.

هذا الحديث يرينا أن الامام الرضا عليه السلام كان مطلعاً في ذلك الزمان على وجود الحيوانات المجهرية، ولذلك فهو يذكر السبب في تسمية الله باللطيف، خلقه تعالى للأشياء الدقيقة الصغيرة بنظم متقن وإبداع عجيب، حيث أنها لصغرها لا يمكن أن ترى بالعين المجردة.

المستقبل الوضاء
وفي تلك الأيام التي كانت معلومات علماء البشر محدودة وكانوا لا يعرفون الكثير من الحقائق المكتشفة اليوم لعدم حصولهم على الوسائل والآلات العلمية… وفي تلك الأيام بالذات ظهر القرآن الكريم ببشارة سعيدة للبشرية، وبعث في نفوس البشر الأمل الوطيد في وصولهم إلى حقائق خفية وأسرار مكنونة فقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ(فصلت:53).

فتنطلق هذه البشارة باعثة الأمل في نفوس الباحثين ليعلموا أن المستقبل سيظهر لهم الكثير من آيات الله في الآفاق الكونية، وفي بناء البشر أنفسهم… ليصلوا إلى النتيجة المطلوبة وهي أن الله هو الحق والموجود.

… وكأن الله تعالى يقول للبشر في عصر النبي صلّى الله عليه وآله: بالرغم من أنني أظهرت كثيرا من الآيات والحقائق للبشر، ولكن الحقائق التي يمكن اكتشافها لهم هي أكثر بكثير من الحقائق المكتشفة لحد الآن. وفي المستقبل القريب، سأظهر لهم من الآيات الجديدة والحقائق الكثيرة ما يكفل لهم إتضاح الحق والقدرة الالهية أكثر.

وكأن الأئمة عليهم السلام كانوا يتنبأون بالتقدم العلمي للبشر، والتعمق الذي سيبذلونه في بحوثهم في العصور التالية، ولذلك فكانوا يذكرون ذلك في الأوقات المناسبة…

“سئل علي بن الحسين عليه السلام عن التوحيد، فقال: الله عز وجل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(الإخلاص:1) والآيات من”سورة الحديد”…”3.

إن مما لا شك فيه هو أن البشر اليوم قد اكتشفوا بفضل التقدم العلمي كثيراً من الحقائق والأسرار في الآفاق الكونية والنفس الانسانية مما لم يكن يحدس به أصحاب القرون السابقة، فمثلاً كان السابقون يستفيدون من قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(طه:50) بمقدار ما كان يعرف البشر من أسرار العالم حينذاك، فكانوا يعرفون مثلاً أن النحلة تملك الأدوات اللازمة لها في صنع غذائها وكذلك تعرف بفضل الهداية الفطرية كيفية استخدامها. أو أن الحمامة تعرف بالهداية الفطرية كيف أن تضع عشها، وكيف تحافظ على فروخها.

أما العلماء اليوم فإنهم عبروا المراحل التي تدرك بالعين المجردة. وشاهدوا الموجودات الحية التي ليست قابلة للرؤية، بواسطة العين المسلحة (بسلاح المجهر)، وتمكنوا أن يراقبوا نشاط الخلية التي تعتبر الوحدة الأولى لجميع الأحياء في العالم. إن ما لا شك فيه هو أن هذه الاكتشافات العلمية قد كشفت الستار عن كثير من آيات الله الخفية وأرتنا قدرة الله العظيم في الهداية الفطرية التي أودعها في هذه الموجودات لمزاولة نشاطها بصورة أوسع مما مضى.

عالم الخلية
لقد قام الدكتور الكسيس كارل4 بتجارب دقيقة حول حياة الخلايا خارج محيط البدن وتوصل إلى كشف رموز دقيقة في اختباراته العلمية، ومن خلال قراءة بعض الفقرات من عباراته يتضح لنا أن الخلية الصغيرة الدقيقة لم تحرم أيضاً من فيض الهداية الفطرية التي أودعها الله تعالى في هذا الكون، إنه يقول:

“ولقد عرف علماء التشريح والفسيولوجيا الصفات المميزة للأنسجة والأعضاء أي جمعيات الخلايا، منذ أمد بعيد ولكنهم نجحوا حديثاً فقط في تحليل صفات الخلايا نفسها ولقد أمكن دراسة الخلايا الحية في قنينة بسهولة كما يمكن دراسة النمل في الخلية. وذلك بسبب الطرق الحديثة المستخدمة في توزيع الأنسجة. ولقد كشفت هذه الخلايا عن نفسها وعما وهبته من قوى لا يرقى اليها الشك ذات صفات مذهلة… ومع أن هذه الصفات تقديرية في أحوال الحياة الطبيعية، فانها تصبح حقيقة تحت تأثير المرض حينما يتعرض الوسط العضوي إلى تغييرات (طبيعية-كيماوية) معينة”5.

“والخلايا، كالحيوانات، تنتمي إلى أجناس مختلفة، وهذه الأجناس أو الأنواع تعين بصفات تكوينها ووظائفها المميزة لها”6.

“وحينما تربى مختلف هذه الأنواع من الخلايا في قنينة فإن صفاتها المميزة تصبح من الوضوح مثل الصفات المميزة لمختلف الجراثيم. فلكل نوع صفاته الفطرية الملازمة له والتي تظل محدودة حتى بعد أن تنقضي بضعة أعوام على انفصاله من الجسم…”7.

“ويبدو أن الخلايا تتذكر وحدتها الأصلية حتى حينما تصبح عناصر مجهرة لا عدد لها.. انها تعرف، من تلقاء ذاتها، الوظائف المطلوب منها تأديتها في الجسم كوحدة. فلو أننا زرعنا خلايا أبثيلية عدة أشهر، وهي بعيدة عن الحيوان الذي تنتسب إليه، فانها تنظم نفسها تنظيماً يشبه الفسيفساء كما لو كانت ستحمي سطحاً تاماً ومع ذلك فان هذا السطح يكون غير موجود، كذلك فإن كرات الدم البيضاء التي تعيش في قنينة تبذل قصارى جهدها للفتك بالجراثيم والكرات الحمراء على الرغم من عدم وجود جسم تتولى حمايته من غزو هذه الأعداء. وذلك لأن إلمامها الفطري بالدور الذي يجب عليها أن تلعبه في الجسم إن هو إلا وسيلة للبقاء تلتزمها جميع عناصر الجسم”.

“وتختص الخلايا المعزولة بقوة إعادة إنشاء التكوين الذي يتميز به كل عضو من غير إرشاد أو من غير غرض معين، فلو أن عدة كرات حمراء انسالت بفعل الجاذبية، من قطرة من الدم وضعت في وسائل البلازما وكونت مجرى دقيقاً، فانها سرعان ما تنشىء له شاطئين ولن يلبث هذان الشاطئان أن يغطيا نفسيهما بخويطات من الليفين ويصبح المجرى أنبوية تنسال فيها الكرات الحمراء مثلما تنسال في وعاء دموي، وتحيط نفسها بغشائها المتماوج. وفي هذه الأثناء يتخذ مجرى الدم مظهر وعاء شعري مغلف بطبقة من الخلايا القابضة وهكذا فإن كرات الدم الحمراء والبيضاء المعزولة تستطيع أن تنشىء قطاعاً صغيراً من جهاز الدورة الدموية على الرغم من عدم وجود قلب أو دورة دموية أو أنسجة لترويها”8.

القيام بالواجب في الخلية
إن ما كان يعرفه علماء البشر بالأمس عن الهداية الفطرية للموجودات الحية كان مقتصراً مثلاً على أن القطة التي هي من الأحياء قد جهزت بالوسائل والأدوات اللازمة لإدامة الحياة، وجهزت بجهاز خاص لتربية صغارها لغرض بقاء النسل… أولاً، وأنها تعرف كيف تستعمل تلك الأدوات والوسائل في حياتها والاستفادة منها، وكيف تحمل وتضع وبأي صورة تربي صغارها… ثانياً.

أما علماء اليوم فقد توصلوا إلى أن القطة تعني آلاف الملايين من الخلايا الحية التي تمتاز بخصائص معينة، اجتمعت كل مجموعة منها لصنع عضو خاص والمهم أن كل واحدة من هذه الخلايا الحية التي لا ترى بالعين المجردة قد جهزت بلوازم إدامة الحياة وكل منها تعرف بفضل الهداية الفطرية الطريق إلى تكاملها والوصول إلى غايتها، وكما شرح لنا العالم الاختصاصي بمعرفة الخلايا، فان هذه الخلايا لا تنسى واجبها حتى في خارج بدن الموجود الحي (أي في المختبرات العلمية) بل تستمر في أداء وظيفتها بأحسن وجه قرره لها الله تعالى بقلم قضائه.

الجنين المختبري
قبل سنتين نشرت الجرائد والصحف المحلية خبراً حول توصل البروفسور الايطالي (دانيل بتروجي) إلى إيجاد طفل في المختبر من نطفة الرجل والمرأة…

“باريس:14 كانون الثاني: وكالة الأنباء الفرنسية، لقد أعلن اليوم أن البروفسور دانيل أحد علماء الأحياء الايطاليين استطاع أن يلقح نطفة الرجل والمرأة في خارج رحم الأم وأن يوجد جنيناً يقوم بتربيته بصورة صناعية”9.

“لقد أكد العالم الايطالي أن الفيلم الذي صوره يوضح كيفية دخول (الحيمن المنوي) في (البويضة) داخل أنبوبة الاختبار. والنطفة التي انعقدت بهذه الصورة استمرت في النمو لمدة 29 يوماً”10.

“إن المحافل الكاثوليكية ومجلس الفاتيكان يرون أن هذه الاختبارات تفسد روح البشرية وأخلاقها ويعتقدون بأن علماء العالم يجب أن يجتنبوا عن مثل هذه التجارب التي تؤدي إلى وجود موجود حي ثم قتله”11.

الهداية الالهية في عالم الخلية
إننا لا نريد أن نبحث عن أساس هذا العمل وحكم قتل هكذا طفل من الوجهة الشرعية، ولكننا نقول: إنه من الجانب العلمي نجد أن هذا العمل مقتبس من أحد القوانين الكونية، وهذا هو دليل الهداية الفطرية الالهية في عالم الخلية. إن (الحيمن المنوي) هو أحد مصاديق (كل شيء) الذي تحدث عنه موسى بن عمران بقوله”الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى”.

هذا الموجود المجهري مجهز بلوازم الحياة، ومضافاً إلى ذلك فإن الله قد منحه جميع جميع الهدايات اللازمة له، والتي منها: العشق إلى بويضة المرأة. إن الوضع الاعتيادي للبويضة هو في عنق الرحم، والحيامن مأمورة بحكم الهداية الالهية الفطرية أن توصل أنفسها إلى البويضة، وتظهر جميع النشاطات في سبيل الوصول إليها… وتكون النتيجة أن أحد تلك الحيامن يلقح البويضة ويصير سبباً لظهور الانسان.

وكما أشرنا سابقاً فإن تجارب العلماء قد أثبتت أن الخلايا تستمر في عملها حتى خارج البدن، ولا تنسى واجبها، ولهذا فإذا استطاع البروفسور الايطالي من أن يضع بويضة المرأة في أنبوبة الاختبار بدلاً من عنق الرحم وهيأ الظروف اللازمة لذلك، فإن الحيامن لا تقف عن أداء وظيفتها التي خلقت لأجلها، بل تلقح البويضة هناك وتوجد طفلاً.

وهكذا فإن لكل مجموعة من الخلايا وظيفة معينة، تؤديها في محيطها الاعتيادي، ولا تكف عن إتيانها في الظروف غير الاعتيادية أيضاً، وهذا السر العظيم للخلقة دقيق إلى درجة أن العلماء لم يتوصلوا بعد إلى كثير من رموزه.

“تتميز أنواع الخلايا بطريقتها في الحركة، وفي اتحاد إحداها مع الأخرى وشكل مجموعاتها، ودرجة نموها واستجابتها لمختلف الكيميائيات، والمواد التي تفرزها والطعام الذي تحتاجه، كما تتميز بشكلها وبنيانها… إن قوانين تنظيم كل مجموعة خلايا أي كل عضو مستمدة من هذه الخصائص العنصرية. وإذا كانت خلايا النسيج تملك فقط الصفات التي ينسبها علم التشريح لها، لما كان في استطاعتها أن تنشئ جسماً حياً… انها تملك قوى أخرى، تكون مخبأة عادة ولكنها تصبح فعالة حينما تستجيب لتغييرات معينة في الوسيط، وهكذا تتاح لها فرصة علاج الحوادث غير المتوقعة إبان الحياة العادية أو في أثناء المرض… وتتحد الخلايا في جماهير كثيفة هي الأنسجة والأعضاء التي يتوقفها تنظيمها الهندسي على الاحتياجات التكوينية والوظيفية للجسم في مجموعة”12. “وجميع الخلايا الحية تعتمد كل الاعتماد وبصفة خاصة على الوسيط الذي غاصت فيه وهي تعدل هذا الوسيط من غير توقف، وتتعدل هي به من غير توقف أيضاً. بل الحقيقة أنهاغير قابلة للانفصال عنه مثلما لا ينفصل جسمها عن نواته. وبنيانها يتبعان الأحوال المادية (الطبيعية ـ الكيميائية) والكيميائية للسائل المحيط بها…”13.

وتملك الخلايا نشاطات مختلفة في الحالات الاعتيادية وغير الاعتيادية وإن الظروف البيئية تؤثر فيها. وفي حالة المرض حيث يكون وضع البدن غير اعتيادي تقوم الخلايا بنشاطات خاصة دقيقة وغير واضحة تماماً لصالح البدن ولدفع المرض. وكذلك أيام الحمل تكون وضعاً لا اعتيادياً بالنسبة إلى المرأة. وبالرغم من أن الخلية التناسلية الأولى تنتج من تلقيح البويضة بالحيمن، ولا يختلف محيط الرحم مع محيط المختبر من هذه الجهة لكن ما لا شك فيه هو أن خلايا بدن الأم تقع تحت تأثير العوامل البيئية للحمل طيلة التسعة أشهر حيث يتم خلالها نمو الطفل في الرحم وتؤثر تلك التأثيرات في البناء الطبيعي للطفل بلا ريب، ولهذا السبب فإن البروفسور الايطالي قد قطع التجربة في اليوم التاسع والعشرين بالنسبة إلى أيجاد الطفل في المختبر.

“إن الجنين أخذ شكله اللازم له طيلة (25 يوماً)، وتوقفت التجربة في اليوم (29) عمداً. لقد أعلن العالم لايطالي أنه أوقف التجربة عمداً، لأنه كان من المحتمل أن ينشأ من نمو هذا الجنين عملاق ضخم، ويكون النمو التالي للجنين غير طبيعي”.

“هذا الأمر يدلنا على أن العلماء لم يستطيعوا بعد، من إيجاد الظروف اللازمة لتربية النطفة وتحويلها إلى طفل جديد خارج بدن الانسان. ويبدو أن هناك أسراراً دقيقة حول تغيير أشكال الأنسجة، ونفوذ الهورمونات بين نطفتين إنسانيتين لم تكشف لحد الآن”14.

إن بعض الجهال والمنحرفين الذين يستغلون الفرص المناسبة لاسداء الضربة القاضية إلى التعاليم الدينية. قد استغلوا هذه المناسبة فراحوا يقولون إن البشر استطاع أن يخلق بشراً مثله، وبهذا لا داعي لموافقة المتألهين حول حصر نسبة الخالقية إلى الله. ولتوضيح الموضوع والرد على هذه الشبهة لا بد من تمهيد بعض المقدمات.

جهاز التفقيس

إن الطريقة الطبيعية في تربية فروخ الدجاج هي أن يستقر البيض تحت جناحي الدجاجة وريشها، ويفقس البيض بعد ثلاثة أسابيع… ولقد فكر البعض فيما مضى في إيجاد حرارة مشابهة لحرارة جسد الدجاجة في الدرجة في جهاز خاص وذلك لغرض التفقيس بلا دجاجة. ولقد تم هذا العمل فعلاً، واليوم يفقس عدد كثير من البيض عن كتاكيت بواسطة الحاضنات الاوتوماتيكية… ولكن لم يظهر لحد الآن من يتمكن من صنع البيضة التي هي بمنزلة خلية كبيرة لنطفة الكتكوت وسوف لن يستطع من ذلك في المستقبل، بل يجب عليه أن يحصل على البيض من نفس الطريق الذي قرره خالق الكون، أي عن طريق الدجاجة. (وهنا نضيف نكتة مهمة. وهي أنهم على فرض صنعهم للبيضة أيضاً بطريقة ميكانيكية، فلا يسمى عملهم ذلك خلقاً، بل هو اقتباس لخلق الله… إذ لا يتم ذلك على فرض الامكان إلا بعد فحصهم لمكونات البيضة وعناصرها وتحليلها ومعرفة ظروف تركيبها من حرارة وضوء ورطوبة… الخ، كي يتمكنوا من صنع بيضة مثلها، وحينذاك لايسمى عملهم هذا خلقاً بل هو تقليد لخلق الله).

واليوم نجد أن البروفسور الايطالي قد أخذ نطفة الرجل والمرأة التي هي بمنزلة البيضة من مجراها الطبيعي، ولقحها في المختبر الذي هو بمنزلة مكائن التفقيس مع فارق واحد هو أن جهاز التفقيس يؤدي عملاً واحداً هو تنظيم درجة الحرارة وتقليب البيضات ظهراً لبطن يومياً لمنع الترسب… بينما يجب على البروفسور الايطالي أن يقوم بمائة عمل أو مئات الأفعال لتهيئة الظروف المتنوعة من الحرارة والرطوبة والمحيط المساعد، والمواد الغذائيةالصالحة، وتغذية الجنين… وغيرها من العوامل. نعم! لا شك في أنه قام بعمل مهم من الناحية العلمية، ولكنه لم يصنع الحيمن والبويضة، بل إنه حصل على أساس الخلقة البشرية وخليته الأولى بواسطة الرجل والمرأة، ومن بين أحضان الطبيعة والمجرى الطبيعي للقضاء والقدر الآلهيين، ولكنه قام بتلقيحهما وتربيتهما وتغذيتهما في داخل المختبر. وإذا أمكن القول بأن جهاز التفقيس أو المتصدي لتنظيم درجة حرارة الجهاز أو واضع الزيت فيه هو خالق الكتكوت (الفرخ) الذي يخرج منه، أمكن القول هنا أيضاً بأن البروفسور والمختبر قد خلقا الجنين!!!

سر الحياة المجهول
إن العالم لم يتوصل بعد إلى كشف رمز الحياة، وحل سر الوجود على وجه الكرة الأرضية. فكيف بقدرته على صنع خلية حية تكون منشأ ظهور البشر أو الحيوان. إن علماء الحياة بعد القيام بجهود عظيمة في هذا الميدان يبعثون الأمل في نفوس الناس بإمكان معرفة كيفية ظهور الموجود الحي بعد ألف سنة… “وبعد ألف سنة، يتوصل الانسان إلى كشف سر الحياة ولكن لا يدل هذا على أن باستطاعة البشر أن يوجد ذبابة أو حشرة أخرى أو حتى خلية حية. لقد أعلن هذا الموضوع في مؤتمر انعقد باسم (داروين). وقد أعلن (البروفسور هانز) العالم الأمريكي أن العلماء سيبحثون عن سر الحياة خلال الألف سنة القادمة”15.

أما بالنسبة إلى تلقيح البيضة بالحيمن في المختبر، والتجربة الناقصة التي قام بها البروفسور الايطالي، فلو فرض أن العلماء توصلوا إلى جميع الخصائص الخلوية المجهولة في بدن الأم، وتفاعلاتها الكيميائية في أيام الحمل، واستطاعوا من إيجادها في محيط المختبر، وأوجدوا طفلاً كاملاً وسالماً… فليس هذا العمل غير مناف لأساس التوحيد فحسب، بل يبقى سنداً قوياً على النظام الدقيق الذي يسود الكون، ودليلاً بارزاً على وجود الخالق الحكيم العالم الذي أوجد حتى الذرات غير المرئية في هذا العالم حسب نظام دقيق وتقدير مطابق. وهنا يتبين قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر(القمر:49). إذ أنه لا شك في أن الطبيعة الجاهلة والصدفة العمياء لا يمكن أن يصدر منها هذا النظام العجيب.

نستنتج مما سبق أن الحيوانات والحشرات وحتى الخلايا تملك قسطاً وافراً من الهداية الفطرية الالهية، ولا تحتاج في الوصول إلى كمالها اللائق بها إلى التعليم والتربية. إن النحل والعناكب تعرف منهجها التكاملي على نحو الغريزة الفطرية، وكذلك الحيامن والكريات البيض تعرف وظائفها عن طريق الهداية الالهية.

إن بعض النشاطات التي تظهر من الحيوانات والحشرات بإرشاد من هدايتها الغريزية دقيقة ومهمة إلى درجة أنها تبعث الانسان على التعجب والحيرة!

حشرة الآموفيل
“إن حشرة الآموفيل لا تأكل الديدان، بل هي تتغذى على الأعشاب، لكن صغارها تحتاج إلى الديدان في تغذيتها في أولى أدوار حياتها، ولهذا فإن هذه الحشرة تلسع الديدان وتخدرها بالسم المخصوص الذي تفرزه ولكن لا تقتلها… وذلك لكي تولد صغارها فتستطيع التغذي على هذه الديدان. إن حشرة الآموفيل تعلم أن الديدان لو قتلت قبل ولادة صغارها فانها تتعفن ولا تصلح غذاء لها. إن هذه الحشرة قد اكتشفت أنه لو لم تخدر الديدان بالدرجة الكافية فانها تستعيد نشاطها وتأخذ بالفرار… فتموت صغارها جوعاً، لذلك فانها تلسع الدودة بصورة غير قاتلة بل مخدرة فقط”16.

إن الحيوانات والحشرات تسير بأحسن ما يكون من الانتظام في طريق حياتها وتكاملها في كنف الهداية الفطرية ولا تحتاج في ذلك إلى التربية والتعليم.

الخصائص المشتركة بين الانسان والحيوان

أما البشر فإن جانباً من مناهجه الحياتية وقوانينه التكاملية تدار بواسطة الهداية الفطرية من قبل الله تعالى، وفي ذلك يشبه الحيوانات والحشرات في أنه لا يحتاج إلى مرشد ومعلم. فالمعدة في هضمها للطعام، والكبد في تصفية الغذاء وتحويله إلى دم، يعرفان واجباتهما على أكمل وجه ولا يحتاجان في ذلك إلى من يرشدهما ويهديهما. وكذا مبيض المرأة فانه يعمل بصورة تلقائية على صنع بيضة واحدة في كل شهر. وكذلك الرحم في صنع الجنين، وغدد الثديين في صنع الحليب للطفل. فكل هذه الاعضاء قد تلقت دروسها في مدرسة الخلقة والابداع.

والانسان لا يحتاج في إحساسه بالجوع والعطش والتعب والرغبة في النوم وإدراك البلوغ والرغبة الجنسية إلى دراسة ومدرسة، إذ أنه يدرك هذه الحقائق بصورة فطرية. لكن الأطفال يحتاجون إلى المربي والمعلم في موردين: الأول في صفات مشتركة بين الانسان والحيوان. والثاني من خواص الانسان. وسنضرب لكل منهما بعض الأمثلة الموجزة.

أما الموارد التي يتشرك فيها الانسان مع سائر الحيوانات، فهي أن الحيوانات تعرف أعداءها وتهرب منها بلا حاجة إلى دراسة وتلقين، ولكن الانسان يعرف أعداءه عن طريق التعلم والتجربة. الحيوانات تعرف مقدار حاجتها إلى الطعام من ناحية الكم والكيف، وتعرف كيفية تربية أطفالها وتغذيتهم أيضاً بلا حاجة إلى معلم، ولكن الانسان يعرف احتياجاته الغذائية ونسب المواد الغذائية التي يجب أن يتناولها بعد تجارب عديدة ومحاولات طويلة، أما تغذية الأطفال بالصورة الصحيحة فيخضع لنظر الطبيب.

إن صغار القط تدرك الفواصل تماماً وتعرف مقدرتها أيضاً، فلا تقفز إلى الأماكن التي تكون الفاصلة نحوها بعيدة ولا تستطيع القفز نحوها ولكن الأطفال لا يفهمون هذه الأمور فما أكثر ما رأيناهم يسقطون من السطوح العالية ويموتون. وهكذا المهر فانه يفهم خطر الغرق في الماء ولا يرمي بنفسه فيه ولم يسمع لحد الآن أن مهرة قد اختنقت في نهر القرية أو بركتها جهلاً، لكن أطفال البشر هم الذين يسقطون في أحواض البيوت والمسابح فيغرقون!

والحيوانات لا تحتاج في الأمور الصحية وحفظ سلامتها وسلامة صغارها إلى التعليم والتربية، ولكن البشر نراه ماداً يد الحاجة دائماً إلى العلم والعالم لحفظ سلامته وسلامة أطفاله على ضوء ارشاداته. هذه هي بعض الأمثلة البسيطة على المقارنة بين الصفات المشتركة بين الانسان وسائر الحيوانات.

خواص الانسان
أما فيما يتعلق بالجانب الثاني. فإن في باطن الانسان قابليات ومواهب خاصة لا توجد في الحيوانات أصلاً. هذه المواهب والقابليات هي التي تبلغ بالانسان إلى أعلى درجات الكمال الانساني في المدارج الايمانية والمراحل الأخلاقية، وبذلك تحفظه عن كل المدنسات والرذائل… وهي التي تجعله مسيطراً على عالم الطبيعة في المجال العلمي وإدراك نواحي الخلقة، وبذلك تخضع له جميع القوى والطاقات الأرضية، ثم تفسح له المجال للسيطرة على الأجرام السماوية وتسخيرها أيضاً. لكن هذه الثروة العظيمة التي ينحصر بها الانسان تكمن في الباطن بصورة استعدادات وقابليات ولا تظهر لوحدها أصلاً، وفي ظل التربية والتعليم فقط يمكن إخراج تلك الذخائر العظيمة من القوة إلى الفعل، ومن الاستعداد إلى حيز التنفيذ والاستغلال.

إن أصوات الحيوانات التي تكون كل منها بمنزلة علامة خاصة، لا تحتاج إلى تمرين وتربية، ولكن التكلم الذي لا يعدو كونه أبسط الظواهر الانسانية لا يتم من دون مرشد ومرب، إذ لو ترك الطفل من أول يوم ولادته وحيداً لا يتكلم معه، فلا شك في أن قابليته على التكلم تموت ولا تصل إلى عالم الفعلية، وهكذا سائر الاستعدادات الفطرية في الانسان فانها تظهر عن طريق التربية والتعليم فقط.

قيمة التربية

لقد تبين بما ذكر ضرورة التربية وأهميتها في إظهار الكمالات الباطنية للبشر، وإخراج الاستعدادات الفطرية إلى حيز الفعلية، إن الانسان لا يصل إلى الكمال اللائق به بدون التعليم والتربية، ولا يتمكن أن يسير بدونهما في الطريق الذي ينبغي أن يسير فيه.

بعد أن اتضحت لدينا المقدمات السابقة، لنرجع إلى بيان الأساسين اللذين ذكرناهما في مطلع الحديث… لقد كان الأساس الأول هو أن يتنبه المربي القدير إلى جميع الاستعدادات الكامنة في الطفل، ويعمل على تنميتها مع مراعاة الموازنة بين ميوله والتوفيق بينها، وإخراجها إلى حيز الفعلية… وهذا يتفرع على معرفة الانسان ومواهبه وملكاته الكامنة والبارزة. وبعبارة أوضح، فإن التربية الصحيحة هي التي تكون مطابقة للفطرة الواقعية للانسان، ولا يوفق المربي إلى ذلك إلا عندما يدرك جميع الميول والغرائز الطبيعية في الانسان أولاً والعمل على تنمية تلك الميول وإرضائها في مقام التربية ثانياً.

معرفة النفس

إن الروايات الواردة عن أئمة الاسلام في لزوم معرفة النفس كثيرة، وهي وإن اختلفت في ألفاظها وأساليبها ترمي إلى اعتبارها أساس السعادة الانسانية. وهنا لا بأس بسرد بعض تلك الروايات:

1- يقول الامام علي عليه السلام: “أفضل المعرفة، معرفة الانسان نفسه17.

2- وكذلك يقول عليه السلام: “أعظم الجهل، جهل الانسان أمر نفسه18.

3- وقد ورد عنه عليه السلام: “أفضل العقل معرفة المرء نفسه. فمن عرف نفسه عقل. ومن جهلها ضل19.

4- وكذلك يقول عليه السلام: “من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة وعلم20“.

5- وقد ورد عنه: “من لم يعرف نفسه، بعد عن سبيل النجاة وخبط في الضلال والجهالات21.

وهكذا نرى في هذه الروايات أن أساس السعادة قائم على معرفة النفس. فمن لم يعرف نفسه ولم يدرك قيمتها الواقعية لا يصل إلى الكمال الانساني اللائق به ابداً، والذين يجهلون كل شيء عن الثروات الفطرية المودعة في نفوسهم لا يتمكنون من العمل على إحيائها واستثمار المواهب الكامنة عندهم.

“روي عن كميل بن زياد، قال: سألت مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قلت: يا أمير المؤمنين: أريد أن تعرفني نفسي، فقال: يا كميل: أي النفس تريد أن أعرفك؟ قلت: يا مولاي هل هي إلا نفس واحدة؟ فقال: يا كميل إنما هي أربعة: النامية النباتية والحسية الحيوانية، والناطقة القدسية، والملكية الالهية…”22. وللحديث تفصيل طويل مذكور في 23.

إحياء الميول المعنوية

إن الانسان يملك غير الطبع النباتي، والشهوة الحيوانية، ثروة عقلية بشرية وروحاً ملكوتية إلهية، فالسعيد من اعتنى بجميع ذخائره وثرواته المادية والمعنوية، وحاول استغلالها والاستجابة لها حسب قياس صحيح. وهكذا فالانسان في الوقت الذي يهتم بجلب اللذائذ الجسمانية ويستجيب للميول الحيوانية يجب أن يهتم بصفاء باطنه. وإحياء الميول المعنوية التي تعد جزءاً من فطرته، ويحاول استخدام مواهبه كلها في سبيل الوصول إلى التكامل، منقاداً في ذلك للفطرة بإخلاص تام، لكي لا يلقى عقابه على يد الطبيعة التي تخلف عن قوانينها.

الانحراف عن طريق الفطرة

إن من المؤسف أن الحياة العصرية قد انحرفت بالبشر عن طريق الفطرة وقصرت اهتمامها على الجوانب المادية فقط. إن أكثر الأفراد اليوم يرون البشرية من خلف منظار اللذائذ والشهوات، فيتناسون أهمية الجوانب المعنوية. وعلى هذا الأسلوب من التفكير يربون أبناءهم أيضاً فيعطفون جل اهتمامهم على العيش الرغيد والالتذاذ أكثر، في حين أن اهتمامهم بتربية الايمان الفطري والسجايا الخلقية والواجبات الروحية… لا يبلغ الواحد في المائة من العناية بالجوانب المادية، ولا شك في أن الانحراف عن طريق الفطرة لا يبقى بلا عقاب.

إن المدنية الحديثة تسيطر على العالم منذ مدة، والعلماء يقفون كل يوم على حل رمز جديد من كتاب الكون، ويخطون خطوة جديدة في طريق العلم، ويحرزون انتصارات عظيمة في هذا السبيل. ولذلك فإن اسلوب المعيشة قد تغير والحياة ملئت جمالاً، وخضع البر والبحر والجو لسيطرة البشر، فالأكواخ المرطوبة المظلمة قد استبدلت بالقصور الضخمة الفاخرة المجهزة بجميع وسائل الراحة. وهكذا حلت النفاثات الجميلة القوية محل الفرس والجمل حيث توصل المسافر في أتم راحة وأسرع وقت إلى مقصده. ولا غرابة إذا رأينا أن المغازل اليدوية للعجائز وأدوات الحياكة اليدوية للشيوخ تخلي مكانها لمعامل للغزل والنسيج الاوتوماتيكية، وهكذا خرجت الزراعة عن شكلها القديم، وبدأ المزارعون العمل في الحقول بأحدث المكائن الزراعية وفقاً لأحدث النظريات العلمية… وبصورة موجزة: نرى أن العلم قد أخذ طريقه إلى جميع مظاهر الحياة، مضيئاً كالشمس كل مكان، ومنظماً وسائل الراحة المادية والرفاه في العيش.

المدنية والأمراض الروحية

… ولكن هذه الانتصارات التي أحرزها الانسان في مختلف الميادين لم تقدر على إيجاد الطمأنينة الفكرية والارتياح الروحي للبشر، بل نجد الأمر على عكس ذلك، فبنفس النسبة التي تتقدم فيها المدنية وتهيئ وسائل جلب اللذة والشهوات للبشر نجد أن اضطرابه وانزجاره، شقاءه وبؤسه يزداد. إن الأمراض الروحية والعصبية والاختلالات العقلية والجنون أضحت مثل سحب سوداء وخطيرة قد سيطرت على أفق الدول المتمدنة بصورة فظيعة مخيفة.

“لقد كتبت الجرائد الرسمية الامريكية، في مطلع هذا العام أن في العام الماضي بلغ مصرف الأقراص المنومة والمهدئة للأعصاب، والخاصة بالأمراض الروحية المستعملة في أمريكا مائتي مليون دولار. هذا الرقم الهائل إنما هو للأدوية المستعملة في حالات ضعف الأعصاب والقلق الفكري، أما الأقراص المسكنة للأوجاع أمثال الأسبرين فانها تشمل مبالغ طائلة أخرى من ميزانية الدولة”24.

إن الدول العظمى في العالم تعمل على استئصال جذور الأمراض المختلفة بمختلف الوسائل العلمية والتطبيقية، لتخلص شعوبها من شر التيفوئيد والهيضة والملاريا ونحوها، ولكنها بدلاً عن ذلك قد ملأت المستشفيات بالمصابين بالأمراض الروحية والعقلية، وتزيد من عددهم الهائل يوماً بعد يوم.

“ومن العجيب أن الأمراض العقلية أكثر عدداً من جميع الأمراض الأخرى مجتمعة. ولهذا فإن مستشفيات المجاذيب تعج بنزلائها وتعجز عن استقبال جميع الذين يجب حجزهم… ويقول س. و. بيرسي: إن شخصاً من كل 22 شخصاً من سكان نيويورك يجب إدخاله أحد مستشفيات الأمراض العقلية بين حين وحين، وفي الولايات المتحدة تبدي المستشفيات عنايتها لعدد من ضعاف العقول يعادل أكثر من ثمانية أمثال عدد المصدومين. ففي كل عام يدخل مصحات الأمراض العقلية وما يماثلها من المؤسسات نحو 86000 حالة جديدة”.

“إن أمراض العقل خطر داهم. انها أكثر خطورة من السل والسرطان وأمراض القلب والكلى، بل التيفوس والطاعون والكوليرا… ولا شك في أن كثرة عدد مرضى الأعصاب والنفوس دليل حاسم على النقص الخطير الذي تعاني منه المدنية العصرية، وعلى أن عادات الحياة الجديدة لم تؤد مطلقاً إلى تحسين صحتنا العقلية”25.

هذه النصوص ترينا أن حالات الجنون والأمراض الروحية تأخذ بالازدياد بسرعة هائلة في الدول العظمى والمتمدنة، فالدكتور كارل إنما يكتب هذه الفقرات عن الوضع الروحي في أمريكا قبل 30 سنة تقريباً ولكن النشرة الاحصائية الرسمية في أمريكا لعام 1960 ميلادية، تشير إلى أرقام أعلى من الأرقام السابقة. فمثلاً بينما نجد أن النشرة المذكورة تذكر عدد المصابين روحياً في المستشفيات العقلية الأمريكية 340000 سنة 1932 ميلادية، نجد أن هذا الرقم يرتفع إلى الضعف سنة 1959.

إزدياد الجرائم والجنايات
تلك النشرة نفسها تذكر في (ص 311) أرقام الجرائم المختلفة التي تلقتها من محاضر محاكمات القضاة، وتكتب أرقام ثلاث سنوات بهذه الصورة:

عام 1955 2،262،450 جريمة
عام 1956 2،563،150 جريمة
عام 1957 2،796،400 جريمة

وهكذا تلاحظون أن الجرائم أيضاً في طريقها إلى الازدياد يوماً بعد يوم. والآن لنذكر بعض الاحصائيات الطريفة حول الموضوع:

“الجناية في فرنسا، إسم كتاب ألفه رجلان من علماء الاجتماع في فرنسا أحدهما هو (بول شولو)، والآخر (جان سوزنين)، بعد أن استفادا من الاحصائيات والملفات الجنائية بمعونة البوليس. لقد ورد في إحدى تلك الاحصائيات ما يلي: تقع في فرنسا سرقة واحدة في كل دقيقتين، وعملية اختطاف واحدة في كل عشر دقائق، وسرقة سيارة في كل ثلاثين دقيقة واتصال جنسي غير مشروع في كل ثلاث ساعات، وجناية واحدة في كل أربع ساعات…”26.

“لندن أعلنت مؤسسة التحقيقات في الصحة النفسية: ان خمسة آلاف رجل وامرأة بريطانيين ينتحرون كل عام. وهذا العدد يساوي حالات الموت الناشئة من اصطدام السيارات في هذه البلاد. وفي مدينة لندن التي لا يزيد سكانها على التسع ملايين، يكون معدل الانتحارات في كل يوم 3 انتحارات”27.

إن ما لا شك فيه هو أن هذه المصائب هي وليدة التخلف عن قوانين الخلقة، فالتمدن الحديث قد صرف كل جهوده في سبيل توسعة اللذائذ المادية وإيجاد الرفاه المعيشي للبشر، وغفل تمام الغفلة عن الجوانب الروحية في النفس الانسانية.

الافراط في الشهوة
والمدنية الحديثة قد سدت على الناس أبصارهم ومسامعهم وصورت لهم أن معنى (الانسانية) ليس إلا العمل على إيجاد حياة أفضل، والانتفاع من اللذة أكثر وكأن ليس للانسان هدف غير ذلك. فالكل يفكرون في كيفية الحصول على مسكن أحسن، ومركب أجمل، ومقام أرفع، ويجدون في أن يعرفوا أي السبل تدر عليهم ثروة أكثر كي يتمكنوا من ممارسة شهواتهم بصورة أوسع…

وتسعى شركات الأفلام السينمائية دوماً في سبيل إخراج أفلام أكثر تهييجاً، ورقصات أشد إثارة، لتتمكن من إرضاء شهوات الناس إلى أبعد مدى ممكن وبذلك لتحصل على أرباح أكثر…

واجتماعات المساجد والكنائس آخذة في الضعف والتأخر. أما حانات الخمور ودور السينما والمراقص والملاهي فأنها مليئة بالحاضرين ومكتظة بالشباب…

الرجل الثري يحترم ويعتنى به عناية بالغة لثروته، أما الفرد المؤمن التقي الذي يعتبر ثروته الايمان والفضيلة، فلا يملك واحداً بالمائة من احترام ذلك الرجل.

إن نجمة سينمائية تمكنت بخروجها بجسد نصف عريان وإتيانها حركات مهيجة من إرضاء ميول المتفرجين، وعندما دخلت بلدة أخذ الآلاف من الناس يتنافسون في الخروج لاستقبالها معتبرين النظر إليها فوزاً عظيماً وسعادة كبرى. ولكن إذا دخل عالم في الأخلاق والتربية أو رجل مؤمن ورع يكون كلامه وأفعاله قدوة للعفة والصلاح إلى تلك البلدة فلا يخرج لاستقباله سوى أفراد قليلين يعدون بالأصابع….

ومحنة الكتب أشد، فالكتب التربوية المفيدة والعلمية الصالحة لا تلقى إقبالاً من القراء، بينما نجد أن القصص المهيجة والأشعار المغرية تنفد في فترة قصيرة ويعاد طبعها عدة مرات.

إختلال التوازن
هذه الشواهد وعشرات من أمثالها ترينا أن التوازن بين الروح والبدن قد اختل في المدنية الحديثة. فالميول المادية والشهوانية تراعى ويدافع عنها ولذلك فقد اتسعت دائرتها، وفي قبال ذلك نجد أن العواطف الانسانية والميول الروحية مفقودة ولا يبحث عنها أصلاً. هذا العمل إنما هو حرب صريح مع الفطرة، ومخالفة مباشرة لقانون خلقة البشر… ومن البديهي أن الخروج على قوانين الكون لا يبقى خالياً من عقاب.

“إننا فقدنا جميع مقرراتنا الداخلية كما فقدنا تعاليمنا الدينية، والأجيال الحاضرة تجهل حتى وجود مثل هذه القيم في الماضي. وهكذا فالعدالة، الشرف، الاستقامة، المسؤولية، الطهارة، العطف على الناس، الشهامة… قد أضحت عبارات فارغة لا معنى لها، وكلمات تقابل بالسخرية من قبل الشباب، وإذا اتفق وأن رأينا منهم شوقاً نحو العقائد الدينية فذلك كاحترامهم للأشياء النادرة في المتاحف. إن الانسان الحديث لا يعرف غير اللذة أساساً آخر لحياته وسلوكه”28.

إن الانسان لا يستطيع الاستمرار في حياته من دون أن يؤمن وسائل الحياة المادية، فهو محتاج إلى الطعام واللباس والمأوى، وإرضاء الميول الجسدية بحكم القضاء القطعي الالهي، وعليه أن يسعى في سبيلها… ولكن يجب أن لا ينسى أن المطاليب الفطرية للبشر ليست منحصرة في ميوله المادية فقط، فإن ما يسبب الفضيلة والكمال للانسان ويفصله عن سائر الحيوانات هو ثرواته المعنوية وفضائله الروحية فمن أهمل الذخائر الروحية المودعة لديه فهو (حيوان) في لباس (إنسان).

“لا يستطيع أحد أن ينكر أن البشرية تخضع لقوى منبثقة من الفكر والعقائد. وكانت نتائج بعض الفكر المجردة أن غيرت محيطنا وقلبته رأساً على عقب (وهي العلوم التجريبية والميكانيكية)، وتركت أثراً كبيراً في حياتنا الفردية والاجتماعية. ولكن يجب البحث عن العواطف الباطنية والالهامات الفطرية في ضمن الفكر التي يمكن تسميتها بـ (الفكر العتلية) (هكذا ورد في تعبير المؤلف. ولعل ذلك يرجع إلى العتلة. والمراد بالعتلات في بحوث الميكانيك من علم الفيزياء، هو الآلات التي تستعمل لرفع وتحريك أجسام عظيمة بصرف جهود بسيطة.

كما لو رفعنا صخرة كبيرة بواسطة و

28-08-2009
عدد
القراءات 13159

مصدر المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى