ثقافة

شبكة المعارف الإسلامية :: القضاء والقدر والتربية

قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(الاسراء:24).

ركنا السعادة
إن التربية أحد ركني السعادة، فالسعادة البشرية ترتكز على ركنين مهمين هما: الوراثة والتربية.

إن أهمية التربية قد تتجاوز أهمية الوراثة إلى درجة أن بامكانها أن توقف قانون الوراثة إلى حد ما. فتتغلب عليه وتضطره إلى الانسحاب من الميدان حسب درجة قوتها واصالتها إلا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (أي لا يمكن أن تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الأخرى قوية).

ففي هذه الصور، حيث تعتبر تلك الصفات الوراثية قضاء حتمياً وقدراً لازماً بالنسبة للطفل تقف التربية عن التأثير أيضاً.

ولأجل أن نلفت أذهان القراء الكرام إلى هذه الحقيقة بصورة أوضح لابد من البحث بصورة موجزة عن القضاء والقدر والمصير، ثم ندخل إلى صلب الموضوع. فهناك الكثيرون ممن يؤدي بهم الجحود أو الجهل إلى أن ينكروا تاثير القضاء والقدر إنكاراً تاماً زاعمين أنهما أمران وهميان لا أكثر. كما أن هناك طائفة أخرى في قبال هذه الطائفة تخضع جميع الوقائع والأحداث جهلاً بحقائق الدين والعلم إلى القضاء والقدر الحتميين، ويرون أن البشر عاجز عن مقابلتها أو حفظ نفسه عنها. ولكن الواقع أن العالم كله يدور على أساس القضاء والقدر وعلى أساس مقاييس وقوانين دقيقة.

معنى القدر
يقول الله تعالى في القرآن الحكيم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(القمر:49) فأصغر الذرات الأرضية وأكبر الأجرام السماوية قد خلقت كلها على أساس مقياس دقيق وتقدير صحيح، كل قد انتظم في مكانه الخاص به… وهذا هو معنى القدر. إن عالماً فلكياً يستفيد من هذا التقدير العظيم والحساب الدقيق فيتوصل بمحاسباته الرياضية إلى التنبؤ عن وقت خسوف القمر ومدة الخسوف ومقداره قبل أشهر عديدة. فإذا لم يكن وضع الشمس وحركة القمر على أساس نظام متين ثابت لا يتغير، فانه يستحيل على الفلكي أن يصل إلى هذا التنبؤ. وبهذا الصدد يتحدث القرآن الكريم عن حركة الشمس والقمر فيقول ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ(الرحمن:5).

وهكذا، فإذا وجدنا الفضاء الفسيح بأجرامه العظيمة منظماً وثابتاً، وإذا كانت قطعة من الحجر تنسحب من الفضاء إلى المركز بفعل جاذبية الأرض، وإذا خرجت البذرة من تحت سطح الأرض بصورة نبتة، وإذا وجدنا النطفة تنمو في رحم الحيوان أو الانسان فتتحول إلى موجود كامل… فذلك كله يسير طبق القوانين والسنن الالهية وكلها مظاهر لقضاء الله وقدره. إذن فالعالم يسير بموجب القضاء والقدر وكل يجري إلى مصيره المعين له بحسب التقدير الالهي.

الجبر والتفويض
وأحد الموجودات في هذا العالم هو الانسان، ترتبط كل قواه وأفعاله، وجميع حركاته وسكناته بالقضاء والقدر الالهيين. فدقات القلب ودوران الدم، والاحساس في العصب، والهضم في المعدة، والتصفية في الكبد، والإبصار بواسطة العين، والسماع بواسطة الأذن… كل أولئك يسير حسب قضاء الله وقدره، ولكن النقطة المهمة في البحث هي أن القضاء والقدر ينقسم بالنسبة إلى الانسان إلى قسمين:

فقسم منه يتسم بطابع الحتمية والجبرية حيث يجري من غير إرادة الانسان واختياره، وقسم آخر جعله الله تعالى طوع إرادتنا وخاضعاً لاختيارنا.

ولنأخذ مثلاً على ذلك: اللسان، فهو عضو من أعضائنا وجزء من بدننا وله مقدرات كثيرة. فأحد تلك المقدرات جريان الدم في عروقه. ومنها أيضاً تكلمه. أما جريان الدم في عروق اللسان فهو خارج عن إرادتنا وإختيارنا، فالدم يجري في الأوعية الدموية الموجودة في اللسان سواء شئنا أم أبينا. وهنا (في دوران الدم في اللسان) قضاءان: الأول جريان الدم في عروق اللسان بالتقدير الالهي. والثاني جبرية هذا الدوران وحتميتة في اللسان بالتقدير الالهي أيضاً حيث لا مجال لارادتنا واختيارنا فيه.

هذا هو أحد المقدرات بالنسبة إلى اللسان، وقد عرفنا التقدير الالهي فيه.

وأما المقدر الآخر فهو صدور التكلم منه. ولكن الواضح أن التكلم نفسه خاضع لارادتنا، فبامكاننا أن نتكلم، وبإمكاننا أن نسكت. كما أننا نستطيع أن نصدق في كلامنا، ونستطيع أن نكذب. فهنا أيضاً (في تكلم اللسان) قضاءان: الأول صدور التكلم من اللسان بالتقدير الالهي. والثاني اختيارية التكلم، وإراديته أيضاً بالتقدير الالهي.

ومن هنا يتضح جلياً أن القضاء والقدر قد يجريان بصورة جبرية.

وأحياناً يقع القضاء الحتمي بواسطة قدر اختياري لنا. فمثلاً نجد أن الموت أمر مسلم وحتمي على جميع البشر بحكم القضاء الالهي، وهو صريح قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ(آل عمران:185). ولكن هذا القضاء الحتمي قد يتم بنحو الموت الطبيعي وانقطاع النشاط الحيوي. كما يمكن أن يتم بإرادة واختيار من قبل شاب يملك من القوة وسلامة البدن ما تجعل باستطاعته أن يعيش سنين طوالاً فيقدم على الانتحار.

وهكذا فالشيخ الذي عمر مائة سنة حتى مات حتف أنفه، والشاب الذي لم يعش أكثر من عشرين سنة حتى انتحر بإرادته واختياره متساويان في أنهما ماتا بقضاء الله وقدره، مع فارق واحد وهو أنه في الصورة الأولى كان القضاء والقدر حتميين غير اختياريين، بينما في الصورة الثانية إستغل الشاب حرية الاختيار بالنسبة إلى القضاء والقدر وأنهى بذلك حياته.

وعلى هذا يجب أن لا نستغرب من قول الراوي عن الرضا عليه السلام حيث يقول: “سمعت الرضا عليه السلام يقول: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا ناجى ربه قال: أللهم إني قويت على معاصيك بنعمك”1 ومعنى هذه الرواية أن الذي يقدم على المعصية إنما يستغل نعمة الحرية والاختيار التي وهبها الله له بالقضاء والقدر استغلالاً سيئاً، فيصاب بالانحراف.

إرادتنا واختيارنا
النقطة التي تزل عليها الأقدام غالباً هي أن الناس متى سمعوا إسم القضاء والقدر ظنوا أنه حتمي وجبري. في حين أن الحق ليس كذلك، فقد يتمثل القضاء والقدر الالهي في اختيار الناس وإرادتهم. وهناك حديث عن الامام علي بن أبي طالب عليه السلام يؤيد هذا الموضوع بوضوح:

عن أمير المؤمنين أنه قال لرجل سأله بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام أكان بقضاء وقدر؟ قال عليه السلام: نعم يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم وادياً إلا بقضاء الله وقدره…”.

“فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين؟” أي: فليس لأتعابنا التي تحملناها في سفرنا هذا من أجر عند الله…؟

فيجيب الامام عليه السلام: “مه يا شيخ، فان الله قد عظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من أموركم مكرهين ولا إليه مضطرين، لعلك ظننت أنه قضاء حتم وقدر لازم؟! لو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب، ولسقط الوعد والوعيد2.

فنجد الامام عليه السلام في هذا الحديث ينسب جميع الأفعال الارادية للبشر إلى القضاء والقدر الالهي. ولكنه مع ذلك يقول: إن هذا القضاء لم يكن حتمياً والقدر لم يكن لازماً. وبنفس المضمون ورد حديث آخر عن الامام الرضا عليه السلام يسأل فيه الراوي عن معنى الأمر بين الأمرين فيقول:”فما أمر بين أمرين؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا وترك ما نهوا عنه3.

الأمر بين الأمرين
وهنا يسأل الراوي:”فقلت له: فهل لله عز وجل مشية وإرادة في ذلك؟ فقال: أما الطاعات فإرادة الله ومشيته فيها: الأمر بها، والرضا لها، والمعاونة عليها، وإرادته ومشيته في المعاصي النهي عنها، والسخط لها، والخذلان عليها” فهذه الفقرة تبين إرادة الله في أعمال البشر وكيفية التأثير عليها…”قلت: فلله عز وجل فيها القضاء؟! قال: نعم، ما من فعل يفعله العبد من خير وشر إلا ولله فيه قضاء. قلت: فما معنى هذا القضاء؟! قال: الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة”4.

فنجد أن الامام الرضا عليه السلام يسند جميع الأفعال الصالحة والطالحة للبشر إلى القضاء الالهي بكل صراحة فإن قضاء الله في أعمال البشر هو حريتهم… تلك الحرية، وذلك الاختيار اللذين يستحق بهما الثواب في الطاعة والعقاب في المعصية.

الثالثة تقف موقفاً وسطاً بين الافراط في حق الارادة الانسانية والتفريط فيها وهي التي ترى أن (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين) وهؤلاء هم (الامامية). وأول من عبر عن هذا الاصطلاح عندهم إمامهم السادس جعفر بن محمد الصادق (رئيس المذهب الجعفري). ولقد كثر البحث والنقاش في الاستدلال على صحة أحد هذه المذاهب الثلاثة، ولكن المثال الآتي يؤيد صحة استناد أفعالنا إلى إرادتنا وحريتنا، في حين كونها مسيرة بإرادة الله أيضاً ويثبت حقانية مذهب الأمامية في الموضوع. لنفرض إنساناً كانت يده شلاء لا يستطيع تحريكها بنفسه. وقد استطاع الطبيب بأن يوجد فيها حركة إرادية وقتية بواسطة قوة الكهرباء بحيث أصبح الرجل يستطيع تحريك يده بنفسه متى وصلها الطبيب بسلك الكهرباء وإذا انفصلت عن مصدر القوة لم يمكنه تحريكها أصلاً. فتحريك المريض يده والطبيب يمده بالقوة في كل آن يوضح الأمر بين الأمرين، حيث لا تستند الحركة إلى الرجل مستقلاً لأنها موقوفة على إيصال القوة إلى يده، وقد فرضنا أنها بفعل الطبيب. ولا تستند إلى الطبيب مستقلاً، لأن التحريك قد أصدره الرجل بإرادته، فالفاعل لم يجبر على فعله لأنه مريد ولم يفوض إليه الفعل لأن المدد من غيره، وهكذا فالأفعال الصادرة منا بمشيئتنا، ولكننا لا نشاء شيئاً إلا بمشيئة الله. ولتفصيل الموضوع يراجع كتب العقائد والكلام المفصلة.

القضاء الالهي
ولأجل أن يتضح الموضوع للقراء الكرام بصورة أحسن نضرب مثالاً على الانتحار. فلو أن شخصاً رمى بنفسه من فوق سطح العمارة إلى الأرض المبلطة بالرخام، وقال في نفسه: لو كان المقدر لي أن أموت فاني ألاقي حتفي وإن لم أرم بنفسي من فوق السطح، وإن كان المقدر أن أبقى حياً فاني سأستمر على الحياة وإن رميت نفسي من على السطح… ففي ذلك خطأ فظيع. لأن لله تعالى عدة مقدرات جبرية بهذا الشأن، ومقدر اختياري واحد. أما المقدرات الجبرية فهي عبارة عن:

1- إن القضاء والقدر الالهيين قد جعلا الرخام الذي يغطي ساحة هذه القاعة صلباً وقوياً.

2- خلقت جمجمة الانسان بموجب القضاء والقدر من عظم دقيق قابل للتهشم.

3- القضاء والقدر أكسب الأرض قوة الجاذبية، حيث تجذب الأجسام التي في الفضاء، إليها.

4- إن القضاء والقدر الالهيين يحكمان بأن كل من يرمي بنفسه من مكان شاهق إلى أرض صلبة تتكسر جمجمته ويتلاشي مخه.

5- القضاء والقدر الالهيين يقضيان بموت الانسان عند تلاشي مخه. هذه هي الأقدار الالهية الحتمية والجبرية بالنسبة إلى حادثة الانتحار.

6- القضاء والقدر الالهيان يحكمان بأن للانسان الارادة والاختيار الكاملين، فله أن يرمي بنفسه من السطح ويموت أو يمتنع عن ذلك فينزل من السلم درجة درجة.

إذن، يجب أن نقول لذلك الشخص الواقف على السطح لغرض إلقاء نفسه إلى الأرض: إن القضاء الالهي بالنسبة إلى موتك وحياتك يتبع إرادتك واختيارك. فإن اخترت الالقاء بالنفس من السطح فالمقدر أن تموت. وإن اخترت الهبوط على السلم فالمقدر لك أن تبقى حياً. وعلى كلتا الصورتين تجري القضية بموجب القضاء والقدر.

ومن خلال الحديث الثاني، نتبين حرية الارادة الانسانية، بالرغم من جريان القضاء والقدر على جميع الأمور، لأن للانسان تمام الاختيار في سلوك الطريق المؤدي إلى الخير أو الشر. فإن سلك أحدهما وصل إلى النتيجة بلا شك:

“عن ابن نباتة قال: أن أمير المؤمنين عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر. فقيل له يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله عز وجل5.

حرية البشر

إن أهم ما يمتاز به الانسان على غيره من الموجودات على وجه الأرض هو حريته التي وهبها الله تعالى إياه. فجميع الترقيات وأوجه التكامل التي حصل عليها البشر لحد الآن ترجع إلى هذه الميزة. تمر قرون مديدة على النحلة ولا تزال تبني بيتها على شكل سداسي وستستمر تبني بيتها على هذا الشكل في القرون المقبلة، لأنها مجبرة في هذا العمل ولا تملك عقلاً أو تفكيراً. تقودها غريزتها التي أودعها الله تعالى فيها. ولكن الانسان الحر لا يزال يتكيف لبيئته وظروف حياته، فقد انتقل من سكنى الكهوف إلى تكوين الأكواخ، ومنها إلى إنشاء القصور الضخمة التي نراها اليوم.

للانسان أن يقرر مصيره
إن جانباً من القضاء والقدر يرجع إلى إرادتنا واختيارنا. وان الرسالات السماوية تدور حول أفعالنا الارادية. ولهذا فان الثواب والعقاب من قبل الله نظير الجزاء والعقاب البشري في أنه يرجع إلى إرادة البشر واختيارهم.

وهكذا فإن لكل منا أن يقرر مصيره بيده. وما أكثر أولئك الذين يدفعهم الكسل وحب الذات إلى التقصير في اداء الواجبات الاجتماعية اللازمة، ثم ينسبون الشقاء الذي يلاقونه إلى القضاء والقدر، في حين أنهم كانوا يملكون الحرية الكاملة، ولم يستغلوا هذه الحرية استغلالاً حسناً بل أساؤا التصرف إليها وجلبوا الشقاء لأنفسهم!!.

إن الله تعالى يقرر في القرآن الكريم أن الذين يرثون الأرض ولهم الحق في أن يقودوا بزمامها هم الرجال الصالحون فقط: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ(الأنبياء:105).

والعباد الصالحون هم الذين وصلوا إلى جميع مدارج الكمال المادي والمعنوي بفضل الايمان والعلم. وفي ظل الفضائل الخلقية والملكات الطاهرة ونتيجة الجهد والجد… وبذلك صاروا يستحقون إسم الانسان الحقيقي.

إن القضاء الحتمي والذي لا يقبل التخلف في هؤلاء الرجال الصالحين هو أن يرثوا حكومة الأرض ولكن الوصول إلى مقام الصلاح واستحقاق تلك الدرجة (قدر) إختياري يتعلق به ذلك القضاء الحتمي… وهؤلاء هم الذين يتمكنون أن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم بإرادتهم واختيارهم ويصلوا إلى المقام الذين يستحقون معه وراثة الأرض. وهم الذين إن استغلوا حريتهم التي وهبها الله إياهم استغلالاً سيئاً هووا إلى هوة سحيقة من الجهل والالحاد والفساد والكسل والأنانية.

نستنتج مما سبق أن العالم كله يدار بواسطة القضاء والقدر. أي أن السنن الآلهية هي التي تحكم في هذا الكون. وكذلك الأمور التي ترتبط بالإنسان. فانها خاضعة للقضاء والقدر، غاية ما هناك أن جانباً من القضاء والقدر المتعلق بالبشر يكون مصيراً حتمياً لا أثر لاختيارنا وإرادتنا فيه كدقات القلب ودوران الدم… وجانباً منه تابع لارادتنا واختيارنا، ولنا أن نستغله إما استغلالاً حسناً أو سيئاً.

الوراثة والتربية
وبعد أن تطرقنا بصورة موجزة إلى القضاء والقدر وبيان علاقته بالارادة البشرية، ندخل إلى صلب الموضوع.

إن الطفل يرث في رحم الأم صفات الآباء والأمهات، وهذا الأمر خاضع للقضاء والقدر. والصفات التي تنتقل بالوراثة تكون على نحوين:

فقسم منها يكون على نحو القضاء والقدر الحتمي والمصير القطعي الذي يبقى مدى الحياة ملازماً للطفل، وفي هذه الصورة تكون ظروف الرحم (علة تامة) لتلك الصفات. والقسم الثاني ما يكون على نحو العوامل السماعدة في انتقالها إلى الأبناء، فهي ليست مصيراً حتمياً وفي هذه الصورة تكون ظروف الرحم (عاملاً مساعداً) لها.

“يتحدد مصير أفراد معينين بشكل قاطع في حين يتوقف مصير آخرين إن كثيراً أو قليلاً على أحوال نموهم”6.

“من المعروف أن ضعف العقل والجنون والاستعداد الوراثي للنزف الدموي والصمم والبكم نقائص وراثية… كذلك تنتقل أمراض معينة كالسرطان والسل… ألخ من الآباء إلى الأبناء ولكن كاستعداد فقط، وقد تعوق أحوال النمو ظهور هذه الأمراض أو تساعد على تحققها…”7.

وكما أن لون البشرة والعين أو قصر النظر في العين من الأمور الوارثية التي لا تقبل التغيير فإن الجنون الوراثي أيضاً من العيوب التي لا تقبل التغيير. فالطفل الذي يولد من أبوين مجنونين يظل مجنوناً مدى الحياة، وهذا هو مصيره الحتمي.

المصير الحتمي
هذا المصير الحتمي لا يمكن أن يتبدل بتعاليم الأنبياء الرصينة، ولا بالوسائل الطبية والتربوية، فهو مجبر على الجنون، وهكذا الطفل الذي يولد في رحم الأم أحمقاً بليداً، ويرث البله والبلادة من أبويه يستمر مدى العمر على ذلك الوضع، ولن تؤثر الأساليب التربوية فيه.
“إن أحوال النمو لا تستطيع أن تحول الطفل الضعيف البليد الشعور، المشتت العقل، الجبان، الخامل، إلى رجل نشيط أو زعيم قوي شجاع.”8.

وبهذا الصدد يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام: “الحمق داء لا يداوى ومرض لا يبرأ9.

وهكذا فالطفل الذي يولد من أم مصابة بالسل يملك تربة مساعدة لنشوء هذا المرض فيه وقد ورث هذه التربة المساعدة من أمه. ومع هذا فإن إصابته بالسل ليست قضاءاً حتمياً وقدراً جبرياً. فإن العوامل الصحية والظروف الحياتية الصالحة يمكن أن تضمن له سلامته من المرض. فإذا انفصل عن أمه بعد الولادة مباشرة وخضع لمراقبة دقيقة في بيئة صحية فبإمكانه أن يعيش سالماً مدى العمر. أما إذا تربى في حجر أمه المصابة بالسل وارتضع من لبنها الملوث، فبالامكان أن يصاب بالسل بسهولة.

وكما سبق فإن الحالات النفسية والملكات الصالحة والطالحة للآباء والأمهات تؤثر في الأطفال. وهكذا فالطهارة والرذالة، والشجاعة والجبن والكرم والبخل، وغيرها من الصفات المختلفة تكون تربة مساعدة للصلاح أو الفساد في سلوك الطفل… ولكن هذه الصفات ليست قدراً حتمياً بل يمكن إصلاح الفاسد بالطرق التربوية الصالحة… وعلى العكس تبديل التربة المساعدة للصلاح إلى الفساد بالطرق التربوية الفاسدة.

التربية والبيئة
إن الطفل المتولد من أبوين صالحين يملك تربة مساعدة لنشوء الصفات الخيرة في نفسه ولكن إذا ترك في بيئة فاسدة منذ الصغر، أو سلم إلى أفراد خبثاء بذيئي الأخلاق فإن النتيجة ستكشف عن فرد فاسد شرير، لأن الصفات الموروثة والفضائل العائلية لا تستطيع المقاومة أمام قوة التربية (وأصدق شاهد على ذلك قصة (إبن نوح) حيث جالس الملحدين وخالط الفساد، فاختفت معالم الفضائل التي ورثها عن أبيه في سلوكه وهكذا اتصف بصفات قرنائه، وصار ملحداً مثلهم، وحينما دعاه أبوه إلى أن يركب السفينة لينجو من السيل ولا يصيبه عذاب الله، أجابه بما يحكي القرآن عنه”سآوي إلى جبل يعصمني من الماء” وبالرغم من أن نوحاً قال له: “إنه لا عاصم اليوم من أمر الله” لم يلتفت إلى كلامه، وكانت نتيجته الغرق).

وعلى العكس من ذلك فان الاطفال الذين يتولدون من أبوين فاسدين ويملكون التربة المساعدة لنشوء الآثار السيئة في سلوكهم، لو تركوا في محيط مليء بالصلاح والخير وسلموا إلى مربين صالحين فمن الممكن أن تختفي تلك الآثار السيئة عنهم وينشأوا أفراداً يتسمون بالفضيلة والايمان.

“وتؤثر العوامل السيكولوجية تأثيراً أكبر على الفرد، فهي التي تكسب حياتنا شكلها العقلي والأدبي. إذ أنها تولد النظام أو التفرق. وهي التي تدفعنا إلى إهمال أنفسنا أو السيطرة عليها، كما أنها تغير شكل تكوين الجسم ووجوه نشاطه بوساطة الدورة الدموية والتغييرات الغددية، فإن لنظام العقل والاستعداد الفسيولوجي تأثيراً قاطعاً ليس على حالة الفرد السيكولوجية فقط بل أيضاً على تكوينه العضوي والاخلاطي ومع أننا لا نعلم إلى أي مدى تستطيع التأثيرات العقلية التي تنشأ من البيئة أن تحسن أو تقضي على الميول المستمدة من الأسلاف، فانه لا شك في أنها تلعب دوراً رئيسياً في مصير الفرد، فهي أحياناً تبدد أسمى الصفات العقيلة، وتجعل أفراداً معينين ينمون بدرجة لم تكن متوقعة على الاطلاق… وهي تساعد الضعيف وتجعل القوي أكثر قوة”.

“إنه مهما يكن من أمر ميول الأسلاف، فإن كل فرد يدفع بتأثير أحوال النمو في طريق يقوده إما إلى العزلة في الجبال أو إلى جمال التلال أو إلى أوحال المستنقعات حيث يطيب للسواد الأعظم من الرجال المتحضرين أن يعيشوا”10.

الصفات القابلة للتغيير
إن الامام محمد بن علي الباقر عليهما السلام يعبر عن قابلية تغيير بعض الصفات الوراثية للطفل في رحم الأم بكلمة (البداء)، في ضمن حديث طويل بهذا الصدد فيقول:

ثم يوحي الله تعالى إلى الملكين: إكتبا عليه قضائي وقدري، ونافذ أمري واشترطا لي البداء فيما تكتبان…” فهذا يدل على أن القضاء والقدر في حق الطفل ليس أمراً قطعياً، بل قابل للتغيير والتبديل حسب بداء الله تعالى

“… فيقولان: يا رب، ما نكتب؟ فيوحي الله عز وجل إليهما أن إرفعا رؤوسكما إلى رأس أمه، فيرفعان… فإذا اللوح يقرع جبهة أمه. فينظران فيجدان في اللوح: صورته، ورؤيته، وأجله وميثاقه، شقياً أو سعيداً، وجميع شأنه. فيكتبان جميع ما في اللوح ويشترطان البداء فيما يكتبان”11.

المصير اللامحتوم

نجد في هذا الحديث نكتتين لطيفتين:

الأولى
: أن اللوح ليس في ساعد الأم ولا في صدرها بل في جبينها. إن الجبهة بالرغم من أنها من الناحية الجسمية لا تزيد على أنها أحد أعضاء البدن، إلا أن بالامكان أن تكون كناية عن الجهاز المعنوي وعن أفكار الدماغ عند الأم، وعلى هذا فإن مجموعة المقررات التكوينية لجسم الأم وفكرها تكون ممهدة لبناء الطفل.

والنكتة الثانية: ورود كلمة (البداء) بالنسبة إلى الأمر الالهي، والملائكة أيضاً يثبتون اللوح بشرط البداء، وفي هذا دلالة صريحة على أن جميع الصفات الوراثية في رحم الأم ليست مصيراً حتمياً، فان هناك عوامل (قد تكون البيئة والتربية منها) تغير تلك الصفات.

إذا كانت جميع الصفات الوراثية حتمية غير قابلة للتغيير، وإذا كانت جميع الصفات الرذيلة في الأبوين تنتقل إلى الأولاد تماماً شأنها شأن لون العيون أو الجنون والحماقة… لم يكن معنى لارسال الأنبياء من قبل الله تعالى، وكانت الشرايع والتعاليم السماوية لغواً لا فائدة فيها، كما أنه من العبث قيام المحاولات الاصلاحية والمذاهب التربوية في المجتمعات البشرية، لأنها لاتستطيع أن تؤثر في السلوك الموروث.

“ويميل نمو الجسم في اتجاهات مختلفة استجابة للوسط فتصبح صفاته الفطرية حقيقية أو تظل خاملة. فمن المحقق أن ميولاً وراثية معينة تتعدل تعديلاً كبيراً بظروف تكويننا”12.

تغلب التربية على الوراثة
تبلغ العادات التربوية والتمارين الاصلاحية المتواصلة درجة من القوة في التأثير بحيث تتغلب على الصفات الوراثية وتحدث وضعاً جديداً في الأفراد، يقول الامام علي عليه السلام بهذا الصدد: “العادة طبع ثانٍ”13.

إن الرئتين في الانسان خلقتا لاستنشاق الهواء، والذي يدخن السيجارة لأول مرة، ويرسل دخانها إلى أعماق رئتيه يحس باضطراب عجيب، إذ يحس بدوار في رأسه، يبدأ بالسعال، تنتابه حالة التقيؤ تملآ الدموع عينيه وهكذا ينقلب حاله أثر الدخان. وهذا بديهي لأن الرئة لم تصنع للدخان بل للهواء النقي.

ولكن بتكرار التدخين تعتاد الرئة على الدخان وتتخلى عن طبعها الأولي الذي كان ينفر من الدخان. وهكذا ينقلب ما كان يبعث على النفور والاضطراب إلى أداة للتسلية والترويح عن النفس وهنا نقول بأن الرئة قد تربت على استنشاق الدخان، وعلى أثر التكرار حصلت على طبع ثانوي وتركت طبعها الاول. ولهذا السبب فانها ترتاح لعملها غير الطبيعي وتستمر عليه.

إن الأنبياء لم يأتوا لأن يحولوا المجانين الوراثيين إلى عقلاء، أو يجعلوا من البلداء الفطريين نوابغ، لأن هذا ما لا يمكن أن يحدث… لأن الأنبياء يريدون أن يخضعوا البشر إلى مراقبة إيمانية وعملية في خصوص الصفات القابلة للتغيير على ضوء التربية الصحيحة، لا يصالهم إلى السعادة والكمال الانساني.

أما بالنسبة إلى الذين ينتمون إلى أصول عائلية فينمون فيهم قابلياتهم ومواهبهم ويخرجون الفضائل الكامنة من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة الفعلية لكيلا ينحرفوا عن الصراط المستقيم في مسير حياتهم. ويحفظوا ثروتهم الوراثية العظيمة من الملكات والفضائل، لكيلا يقعوا في هوة الفساد والجهل و الطيش على أثر مصاحبة الفساد والجهال والطائشين.

وأما بالنسبة إلى الذين ورثوا الصفات البذيئة من أبويهم فيعمل الأنبياء على إطفاء الاستعدادات الكامنة نحو الفساد فيهم بالتربية الصحيحة التدريجية واتخاذ الأساليب الأخلاقية الدقيقة. وبذلك يخرجونهم من طبائعهم الأولى إلى طبائع جديدة حاصلة من إحياء قوى الخير والصلاح في نفوسهم وتكون النتيجة أن يحوز هؤلاء على درجة لا بأس بها من الكمال… هذا العمل أمر ممكن في نظر العلم والدين. فما أكثر أولئك الذين كانوا متصفين بصفات رذيلة ثم زرع الاسلام في نفوسهم بذور الخير والصلاح واقتلع جذور الشر والفساد، فوصلوا بفضل التربية الاسلامية الرصينة إلى أوج السعادة.

“لوحدانية الانسان أصل مزدوج. فهي تأتي في وقت واحد من تركيب البويضة التي ينشأ منها وكذلك من تطوره ونموه ومن تاريخه… إن الخصائص الوراثية في البويضة ليست إلا ميول أو إمكانيات وهذه الميول تصبح حقيقة أو تظل تقديرية تبعاً للظروف التي تواجهها النطفة، فالطفل، ثم المراهق، إبان نموهم… وهكذا يتوقف أصل الانسان على الوراثة أكثر أهمية من النمو، أو العكس بالعكس؟… إن الملاحظات والتجارب تعلمنا أن الدور الذي تلعبه الوراثة والنمو يختلف في كل فرد، وإن قيمتها النسبية لا يمكن تحديدها عادة”14.

ظهور الاستعدادات الكامنة
يرى العلماء أن التربية عامل قوي جداً حيث تقدر أحياناً على أن توقف عمل الخواص الوراثية السيئة وتعود بالأفراد إلى طريق السعادة والكمال وقد لاتعطي التربية نتيجة حتمية كاملة… وهذا يتبع الخصوصيات الفطرية للأفراد حيث أنها متفاوتة.

ولكن الثابت أننا يجب أن ننظر إلى جميع الأفراد بعين القابلية ونحتمل أن تؤثر فيهم الأساليب التربوية الصالحة، فإن كانت هناك استعدادت كامنة للخير والكمال فانها تظهر بفضل التربية الصالحة وتخرج من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعل كما يقول المنطقيون.

“ولما كنا لا نعلم طبيعة هذا الاستعداد بالدقة، فيجب علينا أن نفترض أنه مناسب وأن نتصرف تبعاً لذلك. فمن المحتم أن يتلقى كل فرد تعليماً يؤدي إلى نمو صفاته المحتملة إلى أن يتبين بصفة قاطعة أن هذه الصفات غير موجودة”15.

التربية للجميع
إن الاسلام الذي لم تفته صغيرة ولا كبيرة من الوسائل المؤدية بالبشر إلى السعادة والكمال، لم تفته هذه الناحية فركز تعاليمه الرصينة على أسس التربية الصالحة. إن الاسلام يدعو جميع الناس من أي طبقة كانوا إلى الإيمان والطهارة، ولذلك فهو يرى كل فرد مهما كانت خصائصه العائلية الوراثية واستعداداته الفطرية قابلاً لتلقي الايمان والخلق الفاضل… وهو لا يخيب أمل أي فرد، بل يحاول البحث في أعماق فطرته للوصول إلى القيم الحية التي يمكن أن تنمى وتستخرج من بين زوايا النفس وتجلى فتبعث على الحياة من جديد.

ومن النماذج الحية لاعتناء الاسلام بتربية الأفراد الذين يرثون الصفات الرذيلة عن أبويهم سلوكه المفضل مع الأطفال اللاشرعيين. إن مما لا شك فيه أن ولد الزنا يحمل في فطرته صفات شريرة كما سنثبت ذلك إن شاء الله ولكن الاسلام يعتبره قابلاً للتربية بدليل أنه يدعوه لتلقي التعاليم الايمانية والخلقية والسلوك الخير المؤدي إلى السعادة.

ومن الواضح أنه لو كان منقذ البشرية ورسول الاسلام العظيم يرى في الانحراف والشقاء مصيراً حتمياً لأولاد الزنا ويعاملهم معاملة المجانين الفطريين الذين لا يقبلون العلاج… لما كان يدعوهم إلى دين الله16.

لقد وضع الاسلام وجميع الأديان السماوية قواعد وقوانين خاصة للزواج. ولذلك فقد اعتبرت الشرايع السماوية الخروج عن تلك القوانين أمراً غير مشروع، فالزنا يعتبر جريمة شنيعة. وكثير من الملل التي لا تملك شريعة سماوية قد وضعت قوانين خاصة لمنع الاختلاط غير المشروع، وبصورة موجزة فان العلقة الزوجية الصحيحة في نظر العالم مقيدة بشروط وحدود خاصة.

والطفل الذي يولد من طريق مشروع يكون ولداً قانونياً أما أولاد الزنا فهم يعرفون بالأطفال اللاشرعيين. وفي الاحصاءات الدولية للسكان يصرح بعدد الأطفال اللاشرعيين بعد انتهاء تعداد السكان، وفي هذا دلالة على اختلاف أولاد الزنا والأولاد القانونيين في نظر العالم.

“في قرار صدر أخيراً عن دائرة التحقيقات الاجتماعية في الولايات المتحدة الامريكية يحكي أن عدد الاطفال اللاشرعيين في العالم الماضي كان 208700 شخصاً. وهذا الرقم يرينا نسبة عالية في الارتفاع عن السنوات العشر الماضية إذ يبلغ 47% من الزيادة. إن القرار الآنف الذكر يضيف بأن قسماً كبيراً من هؤلاء الأطفال اللاشرعيين نشأوا من الشبان الذين لم يتقدموا في السن كما أن 40% من هؤلاء قد أولدتهم فتيات لا تزيد أعمارهن على العشرين سنة”17.

“لندن رويتر وكالة الأنباء الفرنسية… ذكر الدكتور: ج.. أسكوت مدير صحة لندن في تقرير رفعه أنه كان من بين كل عشرة أطفال طفل واحد ناشئ من العلاقات اللامشروعة في لندن في العام الماضي”.

“لقد أكد الدكتور أسكوت أن نسبة الأطفال اللاشرعيين آخذة في الأزدياد. حيث كان عددهم في عام 1957 لا يتجاوز 33838 بينما ارتفع إلى 53433 في السنة التالية”18.

الأطفال المنحرفون
يرى أئمة الاسلام أن أولاد الزنا مصابون بالانحراف الروحي، الأمر الذي يؤدي بهم إلى سوء الأخلاق ومخالفة القوانين والاستهانة بها. يقول الامام الصادق عليه السلام: “إنه يحن إلى الحرام، والاستخفاف بالدين، وسوء المحضر19.

وهنا يمكن أن يخطر السؤال الآتي على أذهان البعض فيقولون: إن الأطفال يوجدون من نطفة الأبوين، وإن الجهاز التناسلي في الرجل والمرأة يعمل عمله حسب نظام دقيق. وهذا العمل الطبيعي لا يختلف في العلاقة القانونية وغير القانونية. فأي أثر لإجراء صيغة الزواج أو صدور ورقة العقد في واقعية النطفة؟ ولماذا يجب أن يكون ولد الزنا مصاباً بالانحراف؟.

وبالرغم من أن الجواب على هذا السؤال قد اتضح من البحوث السابقة حيث ذكرنا فيها تأثير الحالات النفسية على البدن، وتأثر الروح بالأعمال الجسمانية… بالرغم من ذلك كله فاننا سنفصل القول في خصوص الاختلاط اللامشروع ذاكرين أسباب الانحراف في سلوك أولاد الزنا…

الاختلاط اللامشروع
سئل الامام الصادق عليه السلام:”لم حرم الله الزنا؟!

قال: لما فيه من الفساد، وذهاب المواريث، وانقطاع الأنساب… لا تعلم المرأة في الزنا: من أحبلها؟ ولا المولود يعلم: من أبوه؟. ولا أرحام موصولة، ولا قرابة معروفة…”20.

هناك عشرات المسائل الأخلاقية والنفسية والاجتماعية والتربوية والعائلية والاقتصادية والعاطفية سببت تحريم المشرعين الالهيين (أي الأنبياء) للزنا واعتباره أمراً مخالفاً للقانون.

الأطفال اللاشرعيون
وهناك نكتة لطيفة هي أن العالم المتمدن يعتبر الزنا مشكلة وظهور الأطفال اللاشرعيين مشكلة أخرى، كما أن الاسلام يعتبر الاختلاط اللامشروع بين الرجل والمرأة معصية، وحمل المرأة عن طريق الزنا معصية أخرى أفظع من الأولى. وإليك النصوص الآتية التي تثبت ذلك:

1- قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: “ما من ذنب أعظم عند الله تبارك وتعالى بعد الشرك من نطفة حرام وضعها امرء في رحم لا تحل له21.

2- فقال الرضا عليه السلام:”إن الدفق في الرحم إثم والعزل أهون له22 ويظهر من الحديث أن الزنا مع العزل (قذف النطفة خارج الرحم) أهون للزاني من الزنا مع قذف النطفة داخل الرحم لأنه يمنع اختلاط الأنساب على الأقل. 23

3- عن الامام الصادق عليه السلام: “إن أشد الناس عذاباً يوم القيادمة رجل أقر نطفته في رحم يحرم عليه“.

إن الزاني والزانية إذا لم يولد منهما طفل، فإن جريمتهما أنهما تجاوزا حريم القانون الجنسي، أما إذا حملت المرأة من الزنا، فإن الجريمة تتضاعف لأنه سيظهر في المجتمع ولد جبل على مخالفة القانون وارتكاب الجرائم. ومن الواضح أن خطر هذا أشد من الجريمة الأولى.

ولتوضيح وضع الأطفال اللاشرعيين، وبيان الفرق بينهم وبين الأطفال القانونيين علينا أن نبحث عن الحالات النفسية للمرأة التي حملت بصورة غير مشروعة لنقيسها بالحالات النفسية للنساء الشرعيات، ونحلل الفروق بينهما تماماً… ولأجل أن يلتفت المستمع الكريم إلى الموضوع بجد نقصر بحثنا على الحالات النفسية للنساء المسلمات فقط.

هناك ملايين النساء والفتيات المسلمات يعشن في الدول الاسلامية، وهن يختلفن بحسب درجات إيمانهن… فالبعض منهم معتقدات بالاسلام حقيقة ويعتبرن مخالفة التعاليم الاسلامية ذنباً يستحقن العقاب عليه… فإذا صادف وإن زلت امرأة من هذا النوع في سلوكها وارتكبت الزنا فهي تواجه حالتين من الاضطراب النفسي والضغط الروحي:

إحداهما
:
الاحساس بالخوف الشديد من الله لارتكابها ذنباً.

والثانية: الاضطراب والخوف من انفضاح أمرها أمام أهلها، والناس بصورة عامة…

أما النساء اللاتي لا يملكن من الايمان والتدين ما كانت تملكه الطائفة الأولى، فهؤلاء يمكن أن يرتكبن الزنا ويحسسن لذلك بخوف تجاه الله تعالى ولكنه ضعيف. ولكن إهتمامهن إلى الرأي العام أكبر. فهن يخشين تمام الخشية من نبذ الرأي العام ونفوره تجاههن ولا يرضين أبداً بأن يسميهن المجتمع (زانيات) أو (فاحشات). وحتى الرجال الذين لا يتورعون من الزنا لا يرضون بالاختلاط مع النساء المعروفات بالزنا، والمشهورات بهذا العمل الشنيع.

وهناك طائفة ثالثة من النساء ابتليت بترك العفة وارتكاب الزنا، إما إتباعاً للهوى أو للفقر والبؤس. هؤلاء النساء وإن كن يبدين الرضا بهذا العمل، ولكن في ضمائرهن عقدة لا تقبل الانكار. ومتى ما وجدن من يحفظ سرهن إنطلق لسان الضمير فيهن يتحدث له عن الشقاء والبؤس الذي يلاقينه، وأظهران عدم رضاهن بهذا العمل الشنيع. ولهذا فإذا صادفن من لا يعرف عنهن الفحشاء والفساد، ظهرن بمظهر العفيفة الطاهرة.

والخلاصة: إن التعاليم الدينية، والعادات الاجتماعية، والتقاليد العائلية قد أوجدت في نفوس جميع النساء والرجال المسلمين، سواء كانوا عدولاً أو فساقاً، متقين أو فاقدين للتقوى… أوجدت في ضمائرهم وجداناً لا يقبل الانكار من أن الزنا عمل قبيح، وأن الفاحشة تكون منفورة دائمة بين الناس.

الزواج القانوني
بعد أن تحدثنا عن بعض الحالات النفسية للمرأة التي تقوم باتصال غير مشروع لنتحدث عن العلاقات المشروعة التي تقوم على أساس إطاعة القانون.

فعندما يقيم الشاب والشابة زواجاً قانونياً، يراعيان فيه جميع القوانين والمقررات، لا نجد إضطراباً بسيطاً في ضمير الرجل والمرأة ولا يشعران في باطنهما بوحشة أو خوف من الله أو الناس. يمارسان إتصالهما بفكر هادئ وروح مطمئنة. وفي مثل هذه الظروف تنعقد النطفة بصورة طبيعية مائة في المائة. هذا مضافاً إلى أن المرأة في أيام الحمل ليست غير مضطربة فحسب، بل إنها فرحة في ضميرها ومستبشرة بالحمل. لأنها تعلم أن ذلك القران الخير قد أنتج ثماره، وما هي إلا أيام قلائل حتى يزين حجرها مولود سعيد، وعشرات أو مئات النساء والرجال سيأتون للتهنئة بولادته مستصحبين معهم باقات الزهور والهدايا الكثيرة!!

إرتياح البال
لقد جلب ارتياح بال الأبوين وحالتهما الطبيعية من جهة التأثير في البناء البدني والروحي للطفل إنتباه العلماء في العصر الحديث. ولم يفت الأئمة عليهم السلام هذا الأمر. بل أكدوا على أثر الاطمئنان النفسي وارتياح الضمير عند الأبوين في إيجاد الطفل. يقول الامام الحسن العسكري عليه السلام في موضوع الشبه بين الطفل وأبويه أو عدمه: “فإن الرجل إذا أتى أهله بقلب ساكن وعروق هادئة، وبدن غير مضطرب، استكنت تلك النطفة في الرحم، فخرج الرجل يشبه أباه وأمه24.

النطفة الطبيعية

إذا كان قلب الأبوين حين انعقاد النطفة منتظماً، وجريان الدم طبيعياً، والبدن خالياً من الاضطراب، فالطفل يكون شبيهاً لأبويه حسب القاعدة. إن أصح الحالات الطبيعية للطفل هو أن يشبه أبويه. وأصح الحالات الطبيعية للأبوين هو الكفيل بظهور ذلك الشبه الطبيعي.

والنتيجة التي نستنتجها من هذا البحث، هي: أن الرجل والمرأة اللذين يقيمان علاقة زوجية طاهرة مع مراعاة القوانين الدينية لا يحسان باضطراب وهلع حين الاتصال الجنسي، فالنطفة التي توجد منهما في تلك الحالة، وفقدان الاضطراب إلى حين الولادة يضمن نشوء إنسان طبيعي خال من الانحراف الفطري والخلقي.

أما الشاب والشابة اللذان يتصلان بغير زواج قانوني، فمما لا شك فيه أن حالتهما ليست هادئة وطبيعية مائة في المائة، وإذا كانا يهتمان بالتعاليم الدينية ويخافان من إنفضاح الأمر أمام أبويهما فان الاضطراب سيتضاعف أما إذا لم يكونا مرتبطين بالتعاليم الدينية فإن الخوف من الفضيحة أمام المجتمع كاف في إيجاد حالة من الهلع والاضطراب في الطرفين.

وإذا لم تنعقد نطفة من هذا الاتصال اللامشروع، ولم يستقر جنين في رحم المرأة، فإن الطرفين قد ارتكبا بذلك ذنباً في السر. أما إذا حملت المرأة من ذلك الاتصال فإن إفشاء السر بين الناس وانفضاح أمرهما سيعمل على ازدياد إضطرابها.

الاضطراب أيام الحمل
إن الفتاة التي تقدم على الزنا خفية عن أبويها، بمجرد شعورها بالحمل تضطرب أشد الاضطراب، وتنتابها رعشة تسري إلى فرائصها. ذلك لأن انتفاخ بطنها في أقرب وقت سيفضح سرها، ولذلك فانها تقضي لياليها بالأرق وتعيش أيامها غارقة في التفكير، والدموع السائلة والندم المتواصل… وما أكثر أولئك اللاتي أدى بهن الأمر إلى الانتحار والتخلص من هذه الحياة أو تحمل المشاق العظيمة في سبيل إجهاض الجنين اللاقانوني… الأمر الذي يجر معه الأمراض والآلام الشديدة.

أما إذا لم تقدم هذه المرأة على الانتحار، ولم تقم بإجهاض الجنين، وبعد انقضاء أيام الحمل تولد الطفل، هل تتصورون بأن هذا الطفل يمكن أن يكون سالماً وطبيعياً؟ فمضافاً إلى أن الاضطراب كان مستولياً على الأبوين حين انعقاد النطفة، ولم تنشأ النطفة الأولى لهذا الطفل بصورة طبيعية، فإن كابوس الاضطراب والقلق كان مسيطراً على المرأة طيلة تسعة أشهر (أيام الحمل) فهناك الغصص والآلام والهموم التي حولت تلك المرأة إلى مخلوقة ضعيفة عليلة… ولا يخفى أن الطفل كان شريكاً مع أمه في تلك الآلام والمحن.

ان التجارب العلمية الدقيقة أثبتت نقطتين مهمتين:

الأولى: أن المرأة إذا أصيبت في أيام الحمل بخوف شديد وانتابتها رعدة من جراء خوفها تظهر بقع على جسم الطفل.

والثانية: أن الاضطرابات العصبية للأم في أيام الحمل تؤدي إلى تولد الطفل عصبياً… فإذا كانت حادثة مخيفة بسيطة أو حالة عصبية في وقت قصير تخلف أثراً سيئاً في الطفل، فالقلق الذي يستمر تسعة أشهر لا بد وأن يكون أثره أعظم!!.

النقل القانوني والتهريب
إن الفرق بين الاتصال المشروع واللامشروع بين الرجل والمرأة مثل الفرق بين النقل القانوني والتهريب، وبين السفر إلى الخارج مع الجواز وبدونه… فالمسافر عن كل من الطريقين يحتمل أن يعبر الحدود ويدخل الدولة الأخرى، ولكن مع فارق مهم هو أن حامل الجواز الذي يدخل الدولة الأجنبية بواسطة سمة الدخول يمتاز باطمئنان وارتياح بال، يتنقل كيف يشاء ويتصل بمن يشاء، من دون أن يحس في باطنه قلقاً أو اضطراباً. ولكن المسافر الذي لا يحمل جوازاً يرى نفسه معرضاً للخطر في كل لحظة، فهو قلق مضطرب، حركاته غير متزنة يصحبها إرتباك وتلفت إلى اليمين والشمال، وحذر من مراقبة الأفراد له. إذا قابل فرداً ظن أنه يراقبه وسيرفع تقريراً عنه إلى الحكومة وما أسرع أن يلقى القبض عليه… وهكذا فهو يمتقع لونه مقابل سؤال بسيط، وترتعد فرائصه ويفقد توازنه.

كل هذه الاضطرابات والحالات غير الاعتيادية التي تنتابه، لأجل أن هذا المسافر قد دخل دولة أجنبية بدون جواز أو سمة دخول. إن العقد وإجراء الصيغة في الزواج بمثابة الجواز والسمة للسفر إلى الخارج.

الخروج على القانون
وتوجد بين النساء الملوثات بالانحرافات الجنسية، طائفة لا تملك الايمان كي يراقبن الخوف من الله ولا تملك سمعة حسنة في المجتمع كي يخفن من انفضاح الأمر، ولذلك فيرتكبن الزنا من دون اكتراث ولا يرين فرقاً بين الاتصال القانوني وغير القانوني. فإذا حملت هذه المرأة من الزنا، فبالرغم من أنها لم تصب بالاضطراب والقلق طلية أيام الحمل، ولكن في ضميرها نقص مهم، وفي فكرها إنحراف أهم، وهو الخروج على القانون… وهذه الصفة نفسها كسائر الصفات الرذيلة تخلق تربة مساعدة في الطفل للخروج على القانون. وفي كل مرة تحمل هذه المرأة من الزنا تؤثر حالتها النفسية في نفسية الطفل وتجر على المجتمع آثاراً سيئة.

يقول الامام الصادق عليه السلام: “لا تزوجوا المرأة المستعلنة بالزنا، ولا تزوجوا الرجل المستعلن بالزنا، إلا أن تعرفوا منهما التوبة25.

إن بعض النساء يتزوجن ولكن نفوسهن القذرة الدنيئة تميل إلى الرجال الأجانب، ومن الممكن أن ترتكب الزنا بالرغم من أنها ذات زوج وتستفيد من ذلك لأنها تجعل الزوج حصناً منيعاً أمام التهم الاجتماعية. إن ما لا شك فيه أن هذه المرأة مصابة بالانحراف النفسي. وحتى إذا حملت من زوجها القانوني، فإن الطفل بالرغم من كونه قانونياً حسب المقررات الشرعية ولكنه من جهة الانحراف الروحي والفساد النفسي لا يقل عن ولد الزنا، إذ ان الطفل يرث الصفات الرذيلة من أمه فهو ينزع إلى الإجرام والخروج على القانون دائماً، يقول النبي صلّى الله عليه وآله:

واشتد غضب الله على إمرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها، أو ذي محرم منها. وانها إن فعلت ذلك أحبط الله كل عمل لها فإن أوطأت فراشها غيره، كان حقاً على الله أن يحرقها بالنار بعد أن يعذبها في قبرها26.

كان الحجاج بن يوسف الثقفي فرداً غير طبيعي، وخطراً في نفس الوقت، والتاريخ أحصى له جرائم وجنايات عظيمة سودت وجه البشرية. إن مما لا شك فيه أن عوامل عديدة تد

28-08-2009
عدد
القراءات 14075

مصدر المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى