ثقافة

شبكة المعارف الإسلامية :: تغذية روح وجسد الإنسان

تغذية روح وجسد الإنسان

قال الله تعالى في كتابه: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(عبس:24)

طول مرحلة الطفولة عند الانسان
إن مرحلة الطفولة عند صغار الانسان أطول من جميع مراحل الطفولة عند اللبائن الأخرى. والمقصود من مرحلة الطفولة هو: الفترة التي لا يستغني فيها الطفل تماماً عن أبويه، بل هو محتاج إليهما فيها.

هناك بعض الحيوانات التي لا تملك دوراً طفولياً أصلاً كأغلب الأسماك والحشرات. إن السمكة تضع البيض في أحضان الطبيعة، فيتكامل البيض على أثر العوامل الطبيعية وبقلم القضاء الآلهي وفي اليوم الذي تخرج فيه صغار الأسماك من البيض تذهب نفسها وراء الحياة والطعام ولا تحتاج إلى رعاية الأبوين.

وهناك بعض الحيوانات التي تملك دوراً طفولياً كالسباع والطيور والدواب، لأنها بعد الولادة حتى فترة من الزمن تحتاج في التغذية والرعاية إلى الأبوين. والبعض منها يحتاج إلى الأم فقط، ولكنها بصورة عامة لا يتجاوز دور الطفولة عندها عن بضعة أسابيع أو أشهر فسرعان ما تنفصل عن الأبوين مستمرة في حياتها بصورة مستقلة. أما مرحلة الطفولة عند أطفال الانسان (أي أيام إحتياجهم إلى الأبوين) فهي تطول على مثيلاتها عند الحيوانات بكثير، وتمتد إلى فترة بعيدة.

إن البنيان الجسدي لصغار الحيوانات ينمو بسرعة، وبعد فترة قصيرة تكون جاهزة للانتفاع منها في طريق الحياة، أما النمو الجسمي لاطفال الانسان فهو يحتاج إلى وقت طويل… فيجب أن تنقضي أشهر عديدة حتى يستطيع الطفل أن يفتح أصابعه ويمسك بها شيئاً، ويستغرق سنة واحدة حتى يكون قادراً على المشي بعد الانكباب والنهوض، ويحتاج إلى عامين أو أكثر لكي يتفتح لسانه تدريجياً للتكلم، وتمر بعد ذلك أعوام كثيرة حتى يستطيع أن يدرك شيئاً عن العالم الخارجي بالنسبة إلى نفسه وأهله، وأعوام أطول ضرورية له لتكسبه نوعاً من الاستقلال والشخصية كي يستطيع بهما من العيش لوحده في المجتمع.

اللبائن ترضع صغارها لعدة أسابيع أو أشهر وتلتزم برعايتها، ثم تتركها، لأن الصغير قد جهز في هذه الفترة القصيرة بكل متطلبات الحياة ويقدر على إدارة نفسه بنفسه.

لكن المرأة ترضع طفلها عاملين كاملين تلتزم برعايته طوال هذه المدة وتعتني بصحته ونظافته وحمايته عن الحوادث فتحافظ عليه من البرد والحر والحريق، والغرق، والسقوط، وما شاكل ذلك… وعندما تفطمه، فليس طفلها إنساناً كاملاً بل هو طفل عاجز، يجب أن يخضع لرعاية الأبوين وتمر عليه السنين حتى يصبح إنساناً سوياً قادراً على الحياة المستقلة. على الرغم من أن سرعة النمو العضلي عند الحيوان وبطأه عند الانسان تعتبر من علل قصر أيام الطفولة عند الحيوان، ولكن ما لا شك فيه أن أحد الاسباب المهمة لطول فترة الطفولة عند الانسان يرتبط بموضوع التربية والتعليم. إن صغار الحيوان تتلقى أسلوب العيش والمعلومات الحياتية عن طريق الغريزة التي هي من نعم الله عليها بصورة تلقائية ولا تحتاج في ذلك إلى تعلم أو تربية. فالحيوان يحتاج إلى أمه إياماً قليلة ليأخذ منها الغذاء المناسب وتشملها الرعاية اللازمة كي يخوض معركة الحياة بعد ذلك… أما أطفال الانسان فانهم يجب أن يتلقوا من أمهاتهم بالاضافة إلى التغذية والصحة، مناهج مفصلة عن الحياة. وفي الواقع ان الأطفال يتلقون من أمهاتهم غذاءين: الغذاء المادي والغذاء الروحي. إن حجر الأم مضافاً إلى قيامه بالتغذية الجسدية، يعتبر مدرسة لنربية الطفل وإن فترة هذه المدرسة طويلة. فما لم يتخرج الطفل من هذه المدرسة لا يزال طفلاً، وهو يحتاج إلى الأم، ولا يليق للإنطلاق في الحياة.

التغذية السليمة
كما أن جسم الطفل يحتاج إلى غذاء، فإن روحه أيضاً تحتاج إلى غذاء. إن النمو الطبيعي والاعتيادي لجسم الطفل يكون نتيجة التغذية السليمة، والنمو الكامل لروح الطفل يخضع أيضاً لأسلوب التغذية التربوية الصحيحة والتنمية النفسية السليمة. يقول القرآن الكريم: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(عبس:24).

بديهي أن الانسان يجب أن يهتم بطعامه والظاهر أن المراد من الطعام هنا هو المواد النباتية التي يتغذى منها الانسان بقرينة الآيات اللاحقة التي تتحدث حول نزول المطر، وإخضرار الأعشاب ونمو الأشجار المثمرة. إن التفكر في المواد الغذائية والدقائق الموجودة في عالم النبات والحيوان يدفع الانسان إلى الإيمان بالله والمعاد، كما أنها تعتبر من زاوية العلوم الطبيعية مجالاً واسعاً للبحوث العلمية والاستنتاجات المفيدة منها. لكن الامام الباقر والامام الصادق عليهما السلام يفسران الطعام في هذه الآية بالعلم:

1- “عن أبي جعفر في قوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) قال: علمه الذي يأخذه، عمن يأخذه فلينظر الانسان إلى طعامه1.

2- “عن أبي عبد الله في قوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) قلت: ما طعامه ؟ قال: علمه الذي يأخذه، عمن يأخذه2.

غذاء الروح
بالاضافة إلى الحديثين السابقين نجد الأئمة عليهم السلام يعبرون في موارد أخرى عن التعاليم الروحية بـ (الغذاء) أو (الطعام)، ويعتبرون التعلم غذاء للروح. وسيكون بحثنا معتمداً على هذين الحديثين لننطلق منهما إلى التعليم والتربية على أساس هذا التعبير، أي باعتباره غذاء روحياً.

وعلى الرغم من أنه يمكن عقد المقارنه بين غذاء الروح والجسد من عدة جوانب والاستفادة من هذا التشبيه لأغراض مختلفة، لكن بحثنا هذا سيدور حول نقطتين:

الأولى
:
نظافة الغذاء وسلامته.
الثانية: كون الغذاء جامعاً، وكاملاً. وقبل الخوض في الحديث لا بأس بتقديم مقدمة في أهمية الغذاء للجسد والروح، ومجاري تغذية كل منهما.

يحتاج الانسان كسائر الأحياء إلى الغذاء، فبالغذاء يستطيع أن يستمر في حياته، وإذا لم يتناول طعاماً فانه يموت. إن جميع الشهوات والميول الانسانية التي هي مصدر النشاطات المختلفة تستيقظ بعد تناول الطعام وتدفع الانسان إلى الحركة والعمل والسعي. وفي العصور المظلمة كان بعض الناس يتوهمون أن الأنبياء لا يحتاجون إلى الطعام لمنزلتهم السامية، ولذلك فقد جاء القرآن الكريم مفنداً هذه النظرة بصراحة: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ(الأنبياء:8).

خطر الجوع
الجوع من أخطر حالات الانسان وأدقها تأثيراً، حتى كأن الجائع ينسى دينه وإيمانه، ويغفل عن الحنان والعاطفة. ومن أجل أن يملأ بطنه ينقلب إلى حيوان مفترس.

لقد حدث في البصرة في القرن الثالث من الهجرة انقلاب عظيم. فقد قام (صاحب الزنج) في السنوات القليلة التي حكم فيها بأعمال إجرامية شديدة من إهراق الدماء البريئة وما شاكل ذلك حتى ذهب ضحية سيفه آلاف الرجال والنساء والأطفال. أما الذين قدر لهم أن ينجوا بأرواحهم من طغيانه فقد كانوا يقضون النهار مختفين، ويخرجون ليلاً بقلوب مليئة بالرعب والخوف للحصول على بعض الطعام. وقد عطلت الأعمال وتركت المزارع واستولى على الناس قحط شديد، فاضطر الناس إلى أكل لحوم الكلاب والقطط وحتى أجساد الأموات فيما بعد. وكان يؤدي بهم الجوع أحياناً إلى أن يقتلوا الأشخاص المشرفين على الموت وأكل لحومهم والتاريخ يروي لنا قصه غريبة عن ذلك العصر. فقد وجدت إمرأة ماسكة رأساً مذبوحاً وهي تبكي، فسألوها عن سبب بكائها. فأجابت أن الجياع كانوا مجتمعين حول أختها لتموت فيأكلوا لحمها، وقبل أن تموت تماماً قطعوها وتقاسموا لحمها، ولكنهم ظلموني فلم يشركوني في لحمها بل أعطوني رأسها فقط لاطعم منه. إن هذه المرأة كانت لفرط الجوع قد نسيت عواطفها فلم تفكر في قتل أختها ولم تتأثر لذلك. بل كان بكاؤها لعدم إشراكها في لحمها3.

وكذلك روح الانسان، فهي حية بالغذاء الروحي، فالانسان المحروم من التربية المعنوية والبعيد عن العلم لا يملك حياة انسانية أبداً. فهو في صورة انسان لكنه في الواقع أخطر وأوطأ من أي حيوان مفترس.

طريق تغذي الجسم

إن جسم الانسان يشبه قلعة محكمة الأسوار، يحيط به الجلد كجدار يقوم حولها، والعروق التي تعتبر بمثابة الطرق الرئيسية والفرعية في هذه القلعة لا ترتبط بالمحيط الخارجي، أما المواد التي يحتاجها فانها تدخل فيه بواسطة طريقين رئيسيين هما: الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي. إن البدن يتصل بالبيئة الخارجية عن هذين الطريقين فهو يتلقى بهما المواد الغذائية والعناصر الضرورية للحياة ويستمر في القيام بأعماله.

ومع أن الجسم يملك قوى دفاعية منظمة، ويخضع الطريقان الآنفا الذكر لرقابة شديدة من جميع الجوانب، فقد يصادف دخول المواد المضرة والخطرة من هذين الطريقين إلى الجسم، فتؤدي إلى اضطراب الصحة وإحداث الأضرار العظيمة.

“تستمد المادة الغذائية التي يحملها الدم إلى الأنسجة من ثلاثة مصادر: من الهواء الخارجي عن طريق الرئتين، ومن سطح الأمعاء، وأخيراً من غدد الأندوكرين. وجميع المواد التي يستعملها الجسم، فيما عدا الأوكسجين تأتي عن طريق الأمعاء سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة… ويكاد الجدار المعوي يحمي الجسم حماية تامة من غزو ذرات تخص أنسجة كائنات أخرى، وذلك بمقاومة تسرب البروتينات الحيوانية أو النباتية إلى الدم. ومع ذلك فانه قد يسمح أحياناً لمثل هذه البروتينات بالدخول…”4.

طرق تغذي الروح

إن الجهاز الروحي للانسان بما فيه الروح، والنفس، والمخ، والعقل ليس متصلاُ مع المحيط الخارجي بصورة مباشرة. فهناك طريقان رئيسيان تربطان من الجهة المعنوية بين البيئة الخارجية والجهاز الروحي للانسان، هما: العين والأذن. فإن القسم الأكبر من الواردات الفكرية والتغذية المعنوية عند الانسان يحصل من هذين الطريقين. وكما وجدنا إمكان مرور المواد المضرة من حدود الأمعاء وحويصلات الرئتين أحياناُ بالرغم من وجود القوى الدفاعية التي تراقب الواردات الغذائية والتنفسية، يشتد هذا الخطر بالنسبة إلى الواردات الفكرية والتربوية عن طريق العين والأذن بلا رقابة أو تمييز بين الصحيح والفاسد منها، حيث تنفذ هذه الواردات بواسطة هذين الطريقين إلى النفس وتصل إلى أعماق الفكر وتؤثر آثارها الصالحة أو الفاسدة.

سلامة الطعام ونظافته
بعد هذه المقدمة الوجيزة ننتقل إلى صلب الموضوع فنقول: إن النقطة الأولى التي يجب أن نبحث عنها هنا هي مسألة سلامة الطعام ونظافته. إن مما لا شك فيه أن بعض النباتات وكذلك لحوم بعض الحيوانات لا تلائم البناء الانساني، وإذا تغذى شخص منها فانها تسبب مسموميته أو حدوث أمراض أخرى له. في العصور المتمادية كان الانسان لقلة الموارد الغذائية من جهة، وجهله بالغذاء المفيد والمضر من جهة أخرى يأكل كل حيوان يصطاده، ويتغذى على لحم الكلب، والقطة، والحوت، والفيل، وغيرها من الحيوانات والحشرات وحتى من لحوم الانسان واللحوم العفنة والفاسدة. ومن جراء ذلك فقد لاقى ملايين الناس حتفهم لتسمم الطعام أو أنهم فقدوا الاعتدال والسلامة في مزاجهم على الأقل. واليوم أيضاً توجد طوائف وشعوب تقتفي أثر ذلك السلوك الخاطئ ويأكلون من لحوم الحيوانات المفترسة والسباع وحتى من لحوم البشر إذا قدر لهم ذلك ولا يزالون يصابون بنفس العوارض والآلام.

“أثبتت البحوث الجغرافية للتغذية أن الانسان الذي يعيش في أحضان الطبيعة شأنه شأن الشعوب المتمدنة في العالم في عدم الالتزام بعقيدة معينة، وهو يأكل أي موجود حي، كالحية، والحشرات، والديدان، واللحوم المتعفنة، ولحم الكلب والفار وما شاكل ذلك… هذا عندما لا يجدون لحوم أبناء جنسهم”5.

إن إحدى الخدمات المهمة التي أسداها الأنبياء لهداية البشر هي الاهتمام بالمواد الغذائية. إن أولئك القادة الروحانيين قد قسموا الأطعمة منذ أمد بعيد إلى الخبيث والطيب، واعتبروا بعض الحيوانات محللة الأكل وبعضها محرمة الأكل، وأجازوا لأتباعهم أن يتغذوا مما يحل أكل لحمه ومنعوهم عن أكل ما لا يحل أكل لحمه منعاً باتاً.

الأطعمة المفيدة والمضرة

لقد استطاع الانسان في عصرنا هذا أن يعرف بفضل التقدم العلمي الأطعمة المفيدة والمضرة، إلى درجة ما. فالأمم المتمدنة تمتنع عن أكل اللحوم الفاسدة والحيوانات المريضة.

ولقد عرف العلماء المواد الغذائية والعناصر المعدنية وغير المعدنية الضرورية للانسان وتوصلوا إلى كمية المواد العضوية الموجودة في أنواع الخضراوات واللحوم والزيوت الحيوانية والنباتية، ولقد استطاعوا تعيين الكميات اللازمة من كل نوع لفرد واحد في الأعمار والحالات المختلفة في قوائم الاعاشة والتموين، فتوصلوا مثلاً إلى بيان نوعية الغذاء اللازم لطفل في السنة الثانية، أو صبي في العشرة، أو عامل يبذل جهداً عضلياً، أو أستاذاً يصرف جهداً فكرياً، أو شيخ عجوز يقضي وقته كله في الراحة.

إن معرفة الأطعمة المفيدة والمضرة من جهة، وازدياد إنتاج المواد الغذائية من جهة أخرى، عاملان رئيسيان في إنهاء الاضطراب الناجم من سوء التغذية في دول العالم المتمدن. فشعوب هذه الدول ليسوا مضطرين إلى أن يأكلوا من لحوم السباع والحيوانات المفترسة والميتة واللحوم المتعفنة أو أن يملأوا بطونهم من الأطعمة المسمومة والحيوانات المريضة والملوثة.

وعلى الرغم من الخطوات الواسعة التي قطعها علماء الغرب في هذا المضمار، فإنهم لم يتوصلوا بعد إلى معرفة جميع الجوانب المفيدة والمضرة في الأطعمة، فهناك جوانب كثيرة لم تصل إليها يد العلم.

“وبفضل التقدم العلمي في مجال صناعة الأدوية ومعرفة الأطعمة، ظهرت فوائد وخصائص عديدة في المواد الغذائية وازدادت أهمية الغذاء يوماً بعد يوم. وفي القرن الأخير قامت بحوث عميقة في المواد الغذائية وحصل الباحثون على نتائج ومعلومات دقيقة وقيمة، ولكنه يمكن القول بأنهم لم يتوصلوا بعد إلى معرفة فوائد جزء من الألف جزء بل جزء من المائة ألف جزء منها”6.

لقد حظر الاسلام بعض الأطعمة ومنع من استعمالها قبل أربعة عشر قرناً. واليوم نجد العالم المتحضر في أوروبا وأمريكا لا يرى مانعاً من أكلها. ان الشعوب الغربية تتغذى على دم البقر والغنم، أما في الاسلام فإن شرب الدم حرام. وكذلك يأكلون لحم الخنزير والأسماك المحرمة في الشريعة الاسلامية. والدول الأوروبية والأمريكية تتناول الخمر بكل حرية، أما في الشريعة الاسلامية فان الخمرة محرمة… إن مما لا شك فيه أن تداول هذه الأطعمة عندهم نتيجة قصور العلم في دنيا الغرب. ولو كان العلم الحديث متوصلاً إلى معرفة جميع جوانب الفائدة والضرر في الأطعمة لما كان يبيح تناول الدم أو شرب الخمرة أصلاً. وسوف لا تمضي مدة طويلة حتى يكشف العلم، الحقائق العلمية المتينة التي جاءت بها التعاليم الاسلامية فيعترف حينذاك بعظمة الاسلام.

أثر الطعام في روح الانسان
والطريف هنا أن أثر الطعام لا يقتصر على جسم الانسان منتجاً آثاره الصالحة أو الفاسدة، بل انه يترك من الجهة المعنوية آثاره الحسنة أو السيئة على روح الانسان، وهذا الأمر متسالم عليه من قبل العلماء المعاصرين. وقد صرح الاسلام بذلك في تعاليمه القيمة.

إن المختبرات العلمية في العصر الحديث قادرة على فحص المواد الغذائية من حيث العناصر الطبيعية المكونة لها وخواصها الكيمياوية إلى حد ما، أما الآثار المعنوية والأخلاقية للأطعمة فانها إما أن تكون غير قابلة للفحص المختبري أبداً، أو أن الوسائل الحديثة لم توفق لهذا الموضوع لحد الآن على الأقل، وعلى هذا فما أكثر الأطعمة التي تضر بسعادة الانسان من الجانب المعنوي والنفسي، والعلم قاصر عن إدراك تلك الحقائق في العصر الحاضر.

“إن تأثير المخلوطات الكيميائية التي يحتوى عليها الطعام على النشاط الفسيولوجي والعقلي لم يعرف معرفة تامة حتى الآن… فالرأي الطبي فيما يتعلق بهذه المسألة ليست له غير قيمة ضئيلة لأنه لم تجر تجارب ذات أمد كاف على البشر للتحقيق من تأثير طعام معين عليهم. وليس هناك شك في أن الشعور يتأثر بكمية الطعام وصفته”7.

“نحن نعرف كيف نغذي أطفالنا كي يصبحوا رشيقي القامة وعلى جانب كبير من الجمال وتقل وفياتهم. وذلك بمعونة علم معرفة الغذاء الحديث. لكن هذا العلم لم يعلمنا كيف نوجد جهازاً عصبياً متيناً، وفكراً معتدلاً وشجاعة، وحسن خلق، ومقدرة عقلية، وكيف نحميهم من الانهيار النفسي”8.

يقول الامام الرضا عليه السلام: “إن الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلا لما فيه من المنفعة والصلاح ولم يحرم إلا لما فيه الضرر والتلف والفساد9. فتحريم الأشياء إذن أو إباحتها عن أساس المصالح والمفاسد لا أكثر.

شرب الدم والقساوة
إن نظرة أئمة الاسلام إلى الأطعمة كانت تشمل جميع منافعها ومضارها الروحية والبدنية، وقد صرحوا في بعض الموارد بالمفاسد الروحية والنفسية لها عند التعرض لذكر اضرارها البدنية. وها هو كلام الامام الرضا عليه السلام في علة حرمة شرب الدم بعد ذكر الأضرار البدنية لذلك: “ويسيء الخلق، ويورث القسوة للقلب، وقلة الرأفة والرحمة، ولا يؤمن أن يقتل ولد والده10.

الخمر والاجرام
والامام الباقر عليه السلام حين يتطرق لعلة حرمة الخمر يقول: “إن مدمن الخمر كعابد وثن، ويورثه الارتعاش، ويهدم مروءته، ويحمله على التجاسر على المحارم من سفك الدماء، وركوب الزنا11.

إن العوارض التي تصيب البدن من جراء شرب الدم يمكن قياسها أما قساوة القلب فلا يمكن فحصها في المختبرات. وكذلك أثر الكحول على الأعصاب والابتلاء بالخرف فانه غير مخفي على العلماء، ولكن لا يمكن مشاهدة المروءة والقيم الأخلاقية في المختبر.

إن التغذية تلعب دوراً أساسياً في المسائل الاجتماعية في العصر الحديث. فالمؤسسات المختصة بهذا الموضوع والمجهزة بالوسائل العلمية المختلفة تفحص جميع جوانب الغذاء، بأن لا يكون فاسداً، وأن تكون المطاعم مطابقة للشروط الصحية من كل جانب… وبصورة موجزة فانها تعمل جهدها مستعينة بالوسائل العلمية والقوى التنفيذية الصارمة لكي تقف أمام تلوث الغذاء وفساده. فقد يصادف تسمم البعض من جراء تناول (الدوندرمة) وحينئذ تعمل جميع المؤسسات، والناس يعترضون، والجرائد تتحدث حول الموضوع، البائع يوقف ويتحقق معه: لماذا صنعت الدوندرمة من حليب فاسد وسببت تسمم مئات الأفراد !!.

وإذا لم تكن قيمة التغذية الروحية أعلى من قيمة التغذية المادية فهي ليست أقل منها. فمن الضروري أن يبذل الاهتمام للغذاء الروحي بنفس النسبة من الاهتمام بالغذاء المادي، والذي يرغب في أن يكون سعيداً يجب عليه أن يلتفت إلى سلامة غذائه الروحي كالتفاته إلى سلامة غذائه المادي. إن خطر التسمم الروحي أشد بكثير من خطر تسمم الجسم، فإذا تسمم ألف شخص في مدينة من جراء تناول طعام فاسد ولم تنجح علاجات الأطباء معهم وماتوا جميعاً فقد مات من تلك المدينة ألف شخص فقط. أما إذا أصيب ألف فرد في تلك المدينة بالتسمم الفكري والروحي فمن المحتمل أن يتسبب هؤلاء في تسمم أهل المدينة كلهم، وقد يؤدي وجود ألف فرد منحرف في دولة إلى انهيار تلك الدولة بأجمعها.

من السهل إعادة الصحة والسلامة لمن أصيب بالتسمم الناشىء من تناول طعام فاسد بالعناية الصحية الدقيقة، أما الفكر المسموم والمشبع بالأفكار الخاطئة والمنحرفة فإعادة السلامة إليه من الأمور الصعبة جداً. إن خطر إناء من الدوندرمة الفاسدة في محل أقل بكثير من خطر فيلم مسموم وهدام. وحين يقدم أبو الأسرة على شراء طعام لأطفاله يحاول التأكد من سلامة ذلك الطعام، أما حين يقدم على شراء كتاب أو مجلة ليضعها في متناول أيدي أطفاله فهو لا ينتبه إلى أن هذه المجلة إنما هي غذاء أرواحهم فإن كان فاسداً أصيبت الأسرة بأجمعها بذلك التسمم الفكري.

“عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ما لي أرى الناس إذا قرب إليهم الطعام ليلاً تكلفوا إنارة المصابيح ليبصروا ما يدخلون بطونهم، ولا يهتمون بغذاء النفس بأن ينيروا مصابيح ألبابهم بالعلم، ليسلموا من لواحق الجهالة والذنوب في اعتقادهم وأعمالهم12.

“قال الحسن بن علي عليه السلام: عجبت لمن يتفكر في مأكوله، كيف لا يتفكر في معقوله، فيجنب بطنه ما يؤذيه ن ويردع صدره ما يرديه13.

إن الذي يهتم بصحته لا يتناول طعاماً من يد شخص مصاب بالسل أو الجدري لأنه لا يطمئن إلى سلامة الطعام ونظافته. هناك أفراد مصابون بالأمراض الروحية والخلقية ولذلك فإن أقوالهم وكتاباتهم التي تعبر بمثابة غذاء روحي للناس ليست مأمونة، وذلك لأن من الممكن أن يلوث فساد الفكر ألسنتهم وأقلامهم أيضاً ويؤدي ذلك إلى انتشار الانحراف والفساد في المجتمع. إلى هذا يشير الامام الباقر والامام الصادق عليه السلام في تفسير الآية موضوع البحث: “فلينظر الانسان إلى طعامه، قال: علمه الذي يأخذه عمن يأخذه”فعلى الانسان أن ينتبه إلى علمه الذي هو غذاء روحه عمن يأخذه. فإن كان المعلم منحرفاً وفاسداً فلا يمكن الاطمئنان إلى سلامة أقواله وتعاليمه.

أهمية التغذية في الطفل
على الرغم من أن الاهتمام بسلامة الغذاء بنوعيه ضروري في جميع مراحل الحياة ويجب أن يخضع لرقابة شديدة دائماً، لكن مما لا شك فيه أن سلامة التغذية الروحية والمادية بالنسبة إلى الطفل أهم منها بالنسبة إلى الشاب أو الشيخ، لأن مرحلة الطفولة هي المتعهدة ببناء كيان الطفل روحياً وجسدياً، وإن خطأ واحدا يمكن أن يؤدي إلى انحراف الطفل عن طريق السعادة وبقاء آثارها السيئة طوال أيام حياته… ذلك أن اللبنة الأولى في بناء البيت إذا وضعت بصورة منحرفة استمر البناء في انحرافه مهما علا في السماء.

“إن كثيراً من الأفراد بالرغم من أنهم يملكون أسساً وراثية جيدة يعجزون عن إدارة حياتهم يسبب العيوب المكتسبة التي لا يقل تأثيرها عن العيوب الموروثة”.

“يحتمل أن يكون 25% من حالات البلاهة نتيجة الاختلالات الحادثة على نمو المخ طوال الحياة الجنينية أو عند الولادة، أو في المرحلة الأولى من حياة الطفل. إن اتزان الجهاز العصبي وسلامة التفكير يرتبطان إلى حد بعيد بتركيب المواد الغذائية في مراحل تكون المخ والنتوءات العصبية. من البديهي أن الجهاز العصبي والبنيان العام وشعور الأطفال الذين تغذوا من القهوة والخبز الأبيض والسكريات، والكحول أحياناً… يكون مصاباً وغير سليم”14.

“لقد علمنا علم التغذية الحديث: أن التغذية الفاسدة يمكن أن تؤثر في الطفل، فتوجد فيه نقائص بدنية وروحية غير قابلة للعلاج”15.

يمتاز المتقدمون في السن عن الأطفال في أنهم بفضل وجود العقل يملكون قوة دفاعية، فمن الممكن أن يقيسوا الأشياء التي يسمعونها أو يقرأونها في الكتب بعقولهم، فإن لم تكن صحيحة رفضوها… وبعبارة أخرى يستطيعون طرد الغذاء العقلي الفاسد من المخ ويمتنعون عن هضمه. أما الطفل فلضعف إدراكه لا يملك قوة دفاعية تجاه المستوردات الفكرية الفاسدة، فهو يتقبل كل كلام فارغ، وكل عقيدة باطلة، وكل أسطورة مسمومة، وكل قول هدام… ويثبت ذلك في تفكيره وتستمر آثاره الفاسدة إلى مدى الحياة.

الانحرافات الخلقية عند الطفل

كثيراً ما تتأثر نفوس الأطفال بالايحاءات الجاهلة التي تصدر من الأبوين تجاه الطفل فينشأون ضعفاء جبناء، أو كذابين خونة. إن للاعتقاد بنحوسة العدد “13” والتشاؤم من صوت البوم وما شاكل ذلك أصولاً ثابتة في أفكار بعض الناس، وقد تظهر أحياناً بصورة عقدة نفسية تجعل الحياة جحيماً لا يطاق. أكثر هذه الأفكار الخاطئة يرجع إلى أيام الطفولة ومنشؤها التربية الفاسدة والتغذية الروحية المنحرفة.

يقول المسيح عليه السلام في هذا الصدد: “بحق أقول لكم: إنه كما ينظر المريض إلى طيب الطعام فلا يلتذه مع ما يجده من شدة الوجع كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب المال16.

فالأطفال الناشئون على الأساليب التربوية الفاسدة لا يلتذون بحلاوة الفضيلة التي هي الطعام اللذيذ لروح الانسان، ذلك أن أرواحهم مريضة والمريض لا يلتذ بالطعام اللذيذ.

إلى هنا نكون قد انتهينا من النقطة الأولى في الموضوع، وهي البحث عن سلامة الغذاء ونظافته بكلا نوعيه. والآن لننتقل إلى النقطة الثانية في البحث، وهي: الغذاء الكامل.

الغذاء الكامل

الغذاء يجب أن يكون جامعاً وكاملاً، فالبحوث العلمية الحديثة لفتت أنظار الناس إلى هذه النقطة وهي أن البدن يحتاج لاستمرار حياته إلى المواد الغذائية المتنوعة. فلا يكفي نوع واحد أو نوعان لحفظ حياة الانسان وسلامته. فاللحم وحده أو المواد الدهنية وحدها، أو المواد السكرية فقط لا تشكل غذاء كاملاً. إن نقصان المواد الغذائية يؤدي إلى عوارض مختلفة كان يجهلها الانسان فيما مضى، فإن جانباً كبيراً من الأمراض والوفيات التي كانت تحدث في الماضي كان سببه نقصان المواد الغذائية الضرورية.

لقد ألف العلماء في موضوع الغذاء وتركيباته المختلفة كتباً عديدة وجرت بحوث دقيقة حوله في نقاط مختلفة من العالم. وهنا لا بأس من اقتباس بعض العبارات من تلك الكتب لزيادة الاطلاع.

“هناك ترابط وثيق بين النشاط الخلقي والفكري والغدي فان المواد التي تفرزها الغدد الواقعة فوق الكلية والتي تصنع (الهيبوفيزوثايروكسيد) هي التي أعدت دماغ باستور للاكتشافات التي تعتبر فاتحة للعصر الحديث في تاريخ البشرية. إن الذكاء وصلابة الايمان التي تجعل الانسان يتحمل المشاق العظيمة التي تعترض طريقه، وفي نفس الوقت ناتجة من الغدد الداخلية، وعدد الخلايا المخية… إن أبسط تغيير في مقدار الحديد والكالسيوم والفلزات من الدم يؤدي إلى فقدان الاتزان العضوي والنفسي عند الانسان”17.

“إن الاختلالات التي توجد طوال مرحلة الطفولة أو الشباب في بناء الغدد الداخلية والجهاز العصبي، تنعكس على الشعور دائماً. فانعدام اليود في المناطق المسكونة من مرتفعات الألب وهمالايا يوقف نمو غدة الثايروكسيد ويصاب الأطفال بالبلادة الثايروكسيدية”18.

“يلاحظ انتشار إنحناء العظام عند أطفال الفقراء خصوصاً في المدن الكبيرة، ويظهر ذلك بتكلس عظام البدن وعدم انتظام ونظافة الأسنان. وهذا المرض إنما هو نتيجة عدم كفاية الفيتامين D وعدم التوازن بين الكالسيوم والفسفور في البدن”19.

“إن خروج العينين من الحدقة مرض يمكن أن يؤدي إلى العمى، وسبب ذلك نقصان الفيتامين A في الطعام (المادة الصفراء التي توجد في الجزر والخضروات تتحول في البدن إلى فيتامين A أحياناً يكون فقر الدم مرتبطاً بالغذاء، إن عدم كفاية الحديد في الكريات يؤدي إلى نقصان المادة الملونة التنفسية في الدم أي الهيموغلوبين”20.

“وربما كان بطء نمو الأطفال والمراهقين وانحراف مزاج البالغين ناشئاً من قلة الحوامض العضوية في البدن”21.

التغذية السليمة

تشكل الروايات المتعلقة بالأطعمة والأشربة وإرشاد الناس إلى التغذية السليمة، جانباً واسعاً من التعاليم الاسلامية العظيمة، فهناك نصوص كثيرة حول اللحوم المفيدة والمضرة والتوازن في استعمالها، وكذلك الدهنيات والسكريات والفواكه والحبوب والخضروات.

إن الحقائق التي توصل إليها علماء البشر عن طريق التجارب العلمية في هذا المضمار، سبقهم إلى كشفها أئمة الاسلام عن طريق الوحي والالهام ولقد طبقوها على أنفسهم وأرشدوا أتباعهم إلى العمل بها أيضاً وهنا نشير إلى زاويتين منها فقط على سبيل المثال.

أ- النخالة:

“تشكل نخالة الغلات كالقمح والشعير والرز وما شاكل ذلك مصدراً مهماً من مصادر الفيتامين ب”22.

“يظهر مرض الكساح مصحوباً بالاختلالات العصبية والمعدية والقلبية، ويمكن أن يؤدي إلى الموت. لقد أثبت العالمان (ايكمان) و(كريتس) أن هذا المرض يحدث من فقدان نوع من الفيتامين BI في الطعام. إن حبة الرز الكاملة (مع القشرة) واجدة للفيتامين B1. لكن الحبة المهبوشة لا تحتوي على هذا الفيتامين”23.

والآن لننتقل إلى سيرة أئمتنا عليهم السلام في الأطعمة، وبالنسبة إلى النخالة بالخصوص:

“يقول سويد بن غفلة: دخلت على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يوماً وقد حان وقت تناول الغذاء فرأيته جالساً على جانب مائدة، وفي يده رغيف أرى قشار الشعير في وجهه، فذهبت إلى خادمته وقلت لها: يا فضة ألا تتقين الله في هذا الشيخ ؟! ألا تنخلون له طعاماً مما أرى فيه من النخالة ؟ فقالت: قد تقدم الينا أن لا ننخل له طعاماً… فرجع سويد إلى الإمام ثانية وذكر قصته مع فضة، فتبين أن الامام عليه السلام قد تعلم هذا الأسلوب من النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم… ثم تذكر عظمة النبي قائلاً: بأبي وأمي من لم ينخل له طعام”24.

وها هو الامام الصادق عليه السلام يتحدث عن طعام سليمان فيقول: “ويأكل هو الشعير غير منخول”25.

ب – الخضروات:
“كان البحارة والمكتشفون والجنود المرابطون في الأماكن القاحلة يصابون ـ لعدم وجود الفيتامين C في طعامهم ـ بمرض خطير يسمى بـ “رقة الدم”. إن حالة المصاب مؤلمة جداً، فالدم يجري من لثته، وأسنانه تسقط، يجري الدم من مؤخره، تلتهب رئتاه، تتفكك عظامه ويصاب بالإغماء الشديد والإعياء المذهل، ويموت بعد شهرين أو ثلاثة من معاناة الآلام الشديدة. إن الخضروات الطرية تعالج هذا المرض أو تمنع ظهوره. إن كيفية هذه المسألة قد اتضحت بفضل الاكتشافات الجديدة نسبياً في موضوع الفيتامينات”26.

وإذا ما تصفحنا سيرة أئمتنا عليهم السلام بهذا الصدد، نجد التأكيد الشديد على استعمال الخضروات مع الطعام. “عن أحمد بن هارون، قال: دخلت على الرضا عليه السلام فدعا بالمائدة، فلم يكن عليها بقل، فأمسك يده ثم قال: يا غلام أما علمت أني لا آكل على مائدة ليس عليها خضراء؟ فأت بها، قال: فذهب وأتى بالبقل، فمد يده فأكل وأكلت معه”27.

فهنا نجد الامام الرضا عليه السلام يمتنع عن أن يمد يده إلى مائدة ليس فيها شيء من الخضروات حتى تحضر له.

“إن جميع الأمراض ترتبط بسوء التغذية إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وإن علاج جميع الأمراض متوفر في المواد الغذائية. إن الغذاء الجيد لا يقتصر أثره على إشباع الانسان ووقايته من أشد الأمراض فقط، بل يمنحه عمراً طويلاً، ويجعله وسيماً ورشيقاً، وينشط دماغه ويقوي مواهبه”28.

العلاج بالغذاء
تعالج بعض الأمراض في العصر الحديث بواسطة الغذاء، وبذلك تعود للأفراد قوتهم وصحتهم، وعن طريق الغذاء الكامل المناسب نجد أنهم يحولون الوجوه الشاحبة إلى وجوه نضرة، والعيون الغائرة إلى براقة، ولقد راعى الاسلام في العصور الماضية هذه النكتة تماماً. فمن بين الروايات العديدة التي وردت في موضوع الأطعمة على اختلاف أنواعها نجد الرسول الأعظم والأئمة الكرام عليهم السلام قد عالجوا المرضى والعجزة بالارشادات الغذائية، وتجاوزوا ذلك إلى إرشادات حول تقوية الذكاء والحافظة عن طريق بعض الأطعمة. إن العسل من الأطعمة اللذيذة، ولقد تحدث القرآن عنه: ﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ(النحل:69).

إن العالم الحديث يمتنع قدر المستطاع عن استعمال الدواء. ذلك أن الدواء في نفس الوقت الذي يقع مفيداً من جهة يكون مضراً من جهة أخرى… يقول الامام الرضا عليه السلام بهذا الصدد: “ليس من دواء إلا ويهيج داء29. فأحسن طرق العلاج وآمنها، هو الاستفادة من المواد الغذائية المختلفة التي أودعها الخالق العظيم بين أحضان الطبيعة لفائدة البشر.

“الكل يعلمون أن العامل الوحيد في انتشار الأمراض التي تنتقل بالعدوى موجودات صغيرة جداً تسمى بـ (الميكروبات). وبعد أن اكتشف باستور وجود هذه الميكروبات، تصور الناس جميعاً أنهم يستطيعون اقتلاع جذور الأمراض بمقاومة انتشار الميكروبات، ولذلك فقد انتشر في أنحاء أوروبا طريقة شرب الماء المغلي والأطعمة المطبوخة تماماً”.

“كان الجميع يتوقعون هبوط نسبة الوفيات والاصابات بالأمراض يوماً بعد يوم، ولكن المؤسف أنه لم يتوقف فشل هذا التوقع عند عدم إنتاج هذه الطريقة في تقليل الاصابات، بل إن أكثر من نصف سكان أوروبا والأشخاص الواعون منهم بالخصوص، الذين كانوا مراقبين أكثر من غيرهم وكانوا يخافون من الميكروبات ويطيعون أوامر الأطباء بصورة عمياء قد أصيبوا بأمراض عديدة. وبديهي أن أمراض هؤلاء لم تكن من نوع الأمراض المعدية التي تنتقل بالجراثيم، بل كانت نتيجة الفرار من الأطعمة النيئة، وغلي الأطعمة التي تموت فيتاميناتها بالغليان”30.

تعادل المواد الغذائية
يستنتج مما مر: أن سلامة الانسان منوط بالتغذية الصحيحة والكاملة. إن الطعام يجب أن يكون حاوياً لجميع المواد اللازمة التي تحتاجها الأقسام المختلفة من الجسم. إن الاستفادة السليمة من النعم الالهية والانتفاع الجامع والمعتدل من الأطعمة المطبوخة والنية، من اللحوم المحللة والمواد الدهنية والسكرية والفواكه والخضروات كفيل بجعل الانسان قوياً وسليماً طيلة عمره.

وكذلك سلامة الروح وسعادتها. فهي منوطة بالتغذية الروحية الكاملة والسليمة. فالذين يريدون أن يحصلوا على روح سليمة ونفس طاهرة وقوية يجب عليهم الاهتمام بجميع ميولهم الروحية وعواطفهم المعنوية وإشباعها عن طريق التغذية الكاملة.

إنه يجب البحث عن الغذاء الروحي الكامل في مجموعة الايمان والعلم والفكر والأخلاق والعواطف الانسانية وغير ذلك من المزايا الروحية.

إن من الأطعمة الضرورية والمفيدة للبدن، اللحوم على اختلاف أنواعها (من لحوم الطيور والأنعام والأسماك). وتبعاً للتعاليم الدينية والعلمية يجب على الانسان أن يستفيد لحفظ حياته وسلامته من هذه المادة الحياتية المهمة، ولكن على ان لا يقتصر على اللحم وحده،لانه وحده لا يكون غذاء كاملاً، ولا يستطيع أن يحفظ للانسان حياته وصحته إلى الأبد. والفروع العلمية المختلفة من طبيعية ورياضية وأدبية تشبه أنواع اللحوم الضرورية، ولكن لا تشكل هذه العلوم وحدها غذاء روحياً كاملاً للانسان ولا تستطيع أن تحفظ للروح الانسانية حياتها وسلامتها إلى الأبد.

وما أكثر البحارة الذين كانوا يملكون في بواخرهم المقادير الكافية من اللحوم والمواد الدهنية والسكرية، ولكن حيث انهم كانوا فاقدين للخضروات، فقد خلت أطعمتهم من الفيتامين C، فأصيبوا بنزف اللثة والمخرج والتهاب الرئة، وماتوا أخيراً بأفظع صورة وأشد الآلام، وكذلك ما أكثر الأشخاص المطلعين على المقدار الكافي من مسائل العلوم الطبيعية والرياضية، ولكنهم عند هجوم المصائب عليهم، أصيبوا بالأمراض النفسية أو الروحية أو أقدموا على الانتحار لعدم وجود الرصيد الايماني والأخلاقي عندهم.

إن إصابة أولئك وموتهم كان لنقص المواد الغذائية البدنية، وإصابة هؤلاء وانتحارهم لنقص المواد الغذائية الروحية، ونتيجة كل منهما الشقاء والموت. فكما أن غذاء الجسد يتشكل من مجموعة من العناصر المختلفة: الدسم، السكر، الفسفور، الكالسيوم، الحديد، اليود، الفيتامين، ونظائرها، وأن فقدان أي عنصر منها يؤدي إلى عوارض خاصة كذلك غذاء الروح يتشكل من مجموعة من الثروات المختلفة: العلم، الإيمان، العفة، الأمانة، الشجاعة، التقوى، وأمثالها. وإن فقدان أي واحد منها يتضمن عواقب وخيمة.

“وبصورة كلية فإن نظام التغذية الفاسدة عبارة عن فقدان بعض العناصر وعدم تعادلها، من دون أن تظهر علائم بعضها في مقابل البعض الآخر. فحينذاك يصبح الجسم ضعيفاً ومستعداً لتقبل الأمراض المختلفة. وكما تقول (مدام راندوان) فانه يمكن الوصول إلى الأسباب الرئيسية لبعض الأمراض القاضية كالسل والسكر والسرطان في سلسلة من الأخطاء التي ترتكب بالنسبة إلى كيفية صنع الأطعمة طيلة أجيال عديدة. ان الجسم يستطيع أن يعيش مع وجود التغذية الناقصة وغير المتعادلة لفترة ما، ولكن سرعان ما تظهر الاختلالات وحينذاك فالألم يكون شديداً جداً. وقد يؤدي ذلك إلى انهيار الصحة تماماً. إذا ظهر مرض سار فإنا نقاوم الجراثيم الناقلة لذلك المرض ونكافحها، ولكننا لكشف العلة الأصلية في نشوء ألم ما نحتاج إلى دقة شديدة، وعلى أي حال فإن تشخيص المرض أصعب من إزالته بكثير”31.

الروح الضعيفة
لقد وجدنا أن الجسم يستطيع أن يعيش مع التغذية الناقصة، وينمو قليلاً. ولكن عندما يصاب بمرض سار فلا يستطيع مكافحته إذ يواجه اختلالات عديدة، فالآلام الشديدة تقض عليه مضجعه وقد تؤدي به إلى الموت.

وكذلك الروح فانها تستطيع أن تستمر على الحياة مع التغذية الروحية الناقصة، ويكون الفرد حينذاك فرداً اعتيادياً في المجتمع ظاهراً ولكن في المواقف الحرجة، وأمام الحوادث المؤلمة، لا يملك قدرة المقاومة وأخيراً يفشل في المعركة وينسحب بعد أن فقد شخصيته.

قد نجد شاباً مؤدباً، وقراً، يبدو اعتيادياً جداً، ولا يشاهد منه أي انحراف، يقضي الأيام في الذهاب إلى الثانوية، وحين يحين موعد الامتحان يستعد لذلك، ويجيب على الأسئلة، ولكنه يرسب في ثلاثة دروس فيتألم لهذه الحادثة كثيراً، ولا ينام ليله، تسوء أخلاقه ويتشاءم من النظر إلى أي انسان في الحياة… وبدلاً من أن يتصرف بتعقل ويصمم على أن يجتهد أكثر ويعد نفسه لامتحانات السنة القادمة، يختلي بنفسه وينهي حياته بتناول شيء من السم…

هذا الشاب لا بد وأن تكون تغذيته الروحية ناقصة، فلم يعلم في طفولته على التحمل والصلابة والصبر، فسقوطه أحدث اختلالات كبيرة في فكره وقضى عليه أخيراً.

وكما يعجز الجسم الذي نشأ على التغذية الناقصة من مكافحة الأمراض السارية، تعجز الروح التي تربت على التغذية الروحية الناقصة عن مجابهة الحوادث المؤلمة في الحياة.

إن من يصل إلى منزلة اجتماعية لائقة ولا يقدر على أن يتمالك نفسه من الظلم والتعدي، ومن يخسر شخصيته في مقابل الرشوة ويحكم على خلاف الحق والانصاف، ومن يسحق جميع مظاهر الشرف والأخلاق في سبيل إرضاء ميوله الجنسية، ومن يؤدي به الغنى والثروة إلى التكبر والأنانية… وبصورة موجزة: من ينحرف عن طريق الفضيلة والأخلاق في مقابل عامل روحي واحد… فذلك لأن روحه قد نشأت على التغذية الناقصة ولم تتغذ من جميع المواد الغذائية الروحية بصورة كاملة وسليمة.

قابلية المقاومة
قابلية مقاومة الجسم تظهر في هجوم الأمراض السارية، وقابلية مقاومة الروح تظهر في الحوادث والمصائب التي تلاقي البشر في مختلف مراحل حياتهم. يقول الامام علي عليه السلام: “في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال”32.

وعلى سبيل الشاهد، ننقل القصة التالية:

“… بينما المنصور بن أبي عامر في بعض غزواته إذ وقف على نشز من الأرض مرتفع، فرأى جيوش المسلمين من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله قد ملأوا السهل والجبل. فالتفت إلى مقدم العسكر وهو رجل يعرف بابن المضجعي، فقال له: كيف ترى هذا العسكر أيها الوزير ؟ قال: أرى جمعاً كثيراً وجيشاً واسعاً كبيراً، فقال له المنصور: ترى هل يكون في هذا الجيش ألف مقاتل من أهل الشجاعة والنجدة والبسالة ؟ فسكت إبن المضجعي فقال له المنصور: ما سكوتك أليس في هذا الجيش ألف مقاتل ؟ قال: لا، فتعجب المنصور. ثم قال: فهل فيهم خمسمائة مقاتل من الأبطال المعدودين ؟ قال: لا. فحنق المنصور ثم قال: أفيهم مائة رجل من الأبطال ؟ قال: لا، قال: أفيهم خمسون رجلاً من الأبطال ؟ قال: لا، فسبه المنصور وأغلظ عليه وأمر به، فأخرج على أسوأ حل. فلما توسطوا بلاد الروم اجتمعت الروم وتصادف الجمعان. فبرز علج من الروم بين الصفين شاكي السلاح وجعل يكر ويفر ويقول: هل من مبارز ؟! فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة، فقتله العلج. ففرج المشركون وصالحوا واضطرب المسلمون لها. ثم جعل العلج يموج بين الصفين وينادي: هل من مبارز ؟! إثنين لواحد. فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج، وجعل يكر ويحمل وينادي ويقول: هل من مبارز ؟! ثلاثة لواحد !!. فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله العلج، فصاح المشركون وذل المسلمون وكادت أن تكون كسرة فقيل للمنصور: ما لها إلا إبن المضجعي. فبعث إليه فحضر فقال له المنصور: ألا ترى ما صنع هذا العلج الكلب منذ هذا اليوم فقال: لقد رأيته فما الذي تريد ؟ قال: أن تكفي المسلمين شره. قال: الآن يكفي المسلمون شره إن شاء الله تعالى. ثم قصد إلى رجال يعرفهم. فاستقبله رجل من أهل الثغور على فرس قد تهرت أوراكها هزالاً وهو حامل قربة ماء بين يديه على الفرس والرجل في حليته ونفسه غير متصنع فقال له إبن المضجعي: ألا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم. قال: قد رأيته فما الذي تريد ؟… أن تكفي المسلمين شره ؟ قال: حباً وكرامة. ثم إنه وضع القربة بالأرض وبرز إليه غير مكترث به فتجاولا ساعة فلم يرى الناس إلا المسلم خارجاً إليهم يركض ولا يدرون ما هناك، وإذا برأس العلج يلعب بها في يده. ثم ألقى الرأس بين يدي المنصور فقال له إبن المضجعي: عن هؤلاء الرجال أخبرتك… ثم رد إلى ابن المضجعي منزلته وأكرمه ونصر الله جيوش المسلمين وعساكر الموحدين”33.

والخلاصة: إن كلا من الروح والجسد يحتاج في تأمين سعادته ووصوله إلى كماله اللائق به إلى الغذاء الكامل والجامع. وإن فقدان أي عنصر من الغذاء يهيىء تربة مساعدة للانحراف أو الضعف في الروح والجسد.

النمو السريع للطفل
وبالرغم من ضرورة المراقبة الغذائية اللازمة في جميع مراحل الحياة، لكن مرحلة الطفولة تحتاج إلى مراقبة أشد، ذلك أن الطفل ينمو في الأعوام الأولى من حياته بصورة أسرع، ويتكامل بناؤه الفكري أكثر سرعة.

“إن الجزء الوحيد من البدن الذي يستثنى من قانون التكاثر بالانشطار هو الجهاز العصبي أي المخ وشبكة الأعصاب، ذلك أن الوليد يأتي إلى الحياة مع الخلايا العصبية الكاملة، ولا يصنع الجهاز طيلة أيام حياته حتى خلية مخية أو عصبية واحدة. ولذلك فإن انعدام هذه الخلايا نتيجة لصدمة أو مرض لا يمكن أن يجبر. ومع هذا كله فإن المخ ينمو على الرغم من ثبات عدد خلاياه وهذا النمو يحصل في الأعوام الثلاثة الأولى بسرعة عجيبة بحيث يمكن إرجاع 95% من نمو الدماغ عند الانسان إلى تلك الأعوام الثلاثة”34

مسؤولية الوالدين
إن عبء مسؤولية الوالدين في هذه المراحل ثقيل جداً. فان الغفلة عن سلامة الغذاء المادي والروحي للطفل وكمالها تؤدي إلى عوارض غير قابلة للتدارك. فالطفل يكتمل بناؤه في الأعوام الأولى من حياته، ولا بد من الاعتناء بجميع جوانبه المادية والمعنوية. إن نقص التغذية الروحية أو الجسدية في هذه الأيام تتضمن نتائ

31-03-2011
عدد
القراءات 20255

مصدر المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى