ثقافة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | تسويغ المشروع والمصادر المعرفية


– تسويغ المشروع: يعتبر نصر حامد أبو زيد نفسه صاحب مشروع فكري نهضويّ، يتعدى في مندرجاته الأكاديمية وهمومها، لينخرط في المعركة الدائرة حول الإسلام بين العلمانيّين والإسلاميّين، فهو يقف -كما يقول – في صفّ القوى: “المقاومة للخرافة والأسطورة وقتل العقل” الساعية إلى تجديد الخطاب الدينيّ، وذلك من أجل تكوين وعي علميّ بالتراث لمناهضة المشروع الأصوليّ، لذلك نجده في موقع الفاعل السياسيّ، العامل على التغيّر من باب التجديد الفكريّ بوصفه مثقف عضوي في المجتمع الذي ينتمي إليه.

وهذا التجديد مزدوج الهدف، فهو من جهة يرمي إلى نقد التراث وتحليله مع إعطاء أهمية خاصة للقرآن الكريم. ومن جهة ثانية يسعى إلى تقديم تأويل علميّ أو فهم موضوعيّ للإسلام على نحو يختلف عن ما تقدمه الجماعات الإسلاميّة. فمشروع أبو زيد يتعدى الإطار الثقافيّ، يتقدم ليتحول إلى مشروع ذات طبيعة مجتمعيّة، لذلك كان اهتمامه التطبيقيّ الأول هو المرأة.

فنصر حامد أبو زيد، حاول أن يقوم بثورة ضد كلّ ما يختزن المجتمع من تيارات، وإن كان همه الأول مواجهة الإسلام السياسيّ وما يحمل في طياته من عناصر تؤدي إلى استمرار الإسلام حبيس الرؤية التقليدية بسبب تحوّله معهم إلى هوية: “يمثل التخلي عنها وقوعًا في العدمية وتعرضًا للضياع”[1].

وفي هذا الإطار طرح مشكلة التراث العربيّ – الإسلاميّ، واعتبرها مشكلة بنيوية لأنّ هذه المجتمعات قامت على أسس نصيّة، وأصبحت مهمة العقل محصورة في توليد نصوص، فالنصّ الأول المركزيّ ولّد نصوص السنة التي ولّدت بدورها بعدما اتحدت بالقرآن – بفضل الإمام الشافعي – النصوص الشارحة وعن النصين معًا تولّد الإجماع ثم جاء القياس ليقنن عملية توليد النصوص في الثقافة العربية، وهذا ما أدخل الثقافة والتراث عصر سيادة التقليد الذي لم ينجُ منه الفقه الحنفي، الذي تحوّل على أيدي تلامذة الإمام أبي حنيفة من المنهج العقليّ إلى منهج نصوصيّ، وذلك بحكم ارتباطهم بالسلطة السياسية[2].

وهكذا، حُكم على التراث الإسلاميّ أن يبقى أسير النصوصيّة في الفروع المعرفية كافة، بل يمكن الحديث عن توحد نصوص التراث بالدين وتحولهما إلى عنصرين مقدسين، بمعنى تحوّل التراث إلى نصّ من الدرجة الأولى، وتقتصر مهمة العقل معه على التكرار والشرح والترديد، وهذا ما أدى إلى ركود ثقافيّ أنتج ركودًا اجتماعيًّا، وهذا الأمر تعزز نتيجة عاملين:

  • التباس مفهوم الدولة وعدم وجود آلية واضحة لحركة السلطة فيها، حيث لم يشهد التاريخ الإسلاميّ انتقال سلميّ للسلطة فيه، فالدولة في الإسلام قد تحوّلت إلى قبيلة يترأسها شخص أعلى يربط نفسه دائمًا بالتاريخ والماضي لنيل المشروعية[3].
  • التباس العلاقة بالآخر، فالمجتمعات العربية جعلت آحادية المرجعية المستندة إلى النصوص الأصل الذي تعتمد عليه في حركتها والمنتج لكلّ معرفة وسلوك وممارسة، وعندما جاء الغربي عمّم هذه الصورة وثبتها، فأصبح المسلم يستعيد ماضيه ليربطه بحاضره، فيقوم بعمليات تقريب بين التراث والواقع الحضاري، وهذا ما أدى إلى عدم معالجة حقيقية للمشاكل التي يعاني منها المجتمع الإسلاميّ، وبالتالي جعل: “من قيم الإسلام تفسيره الجوهريّ للتقدم الأوروبيّ، و[…]القيم نفسها تفسيرًا للتخلف العربيّ وانحطاط العالم الإسلاميّ”[4].

ولم تستطع النهضة بكلّ مفرداتها من زعزعة هذا الواقع، خاصة أنّ الخطاب النهضويّ بدل من سعيه إلى تحليل أسباب تقهقر الأمّة الإسلامية وتخلفها، استخدم لغة نفعية، فرّقت بين النهضة كواقع معاش والعناصر المعرفيّة المؤسسة له، فأقرت الأخذ بالجانب التقني من الغرب وأبقت على العناصر التقليدية حيّة، وهذا ما أوجد خللًا لم يسمح بحصول تقدم حقيقيّ، فبقي كلّ شيء يعاني من خلل، فالدولة التي رفعت شعار التحديث وجدت نفسها في أزمة مما أدى بها للعودة إلى الخطاب الإسلاميّ لتبني مشروعيتها عليه، وهذا ما جعلها تحرص في صياغة قوانينها على البعد الدينيّ والحصول على موافقة المؤسسة الدينية، بل وتتبنّى في نظامها الاقتصادي مفاهيم “الاقتصاد الإسلاميّ”، الذي يحتلّ ركنًا خاصًا داخل كلّ البنوك. وصار هناك الزيّ الإسلامي، والشعار الإسلاميّ، والبرامج الإسلاميّة، في الإذاعة والتليفزيون، وصار بعض الناس يحملون لقب “المفكّر الإسلاميّ”. الخطر هنا في هذه الأسلمة، التي لا هدف وراءها سوى سحب بساط احتكار الإسلام من تحت أقدام المعارضة. يمكن القول باختصار: إنّ النظام السياسي يسجن نفسه في خندق المعارضة الإسلامية، وهو يظنّ أنّه يحاربها. فالإسلامويّة انتصرت بأسلمة المجتمع والدولة، دون الوصول إلى السلطة[5]، وهذا ما يدعو إلى إعادة النظر الجذرية في المشروع النهضويّ، من خلال قراءة نقديّة حقيقية.

وفي هذا المجال يؤكد نصر حامد أبو زيد على ضرورة استحضار خطاب هتكيّ، لا يكتفي بعرض المسائل بشكل نقديّ، إنّما يقوم  على استحضار الأسئلة المكبوتة والمحرمة والإفصاح عنها، مما يجعلها خاضعة للعقل، تنتج من خلال عقل منهجيّ يتميز بوضوح اللغة التي يتعامل بها، انطلاقًا من كون اللغة هي الفكر، وهذا ما يجعل النصوص جميعها ذات طبيعة واحدة غير متمايزة، ذلك أنّ المتلقي وهو الإنسان واحد لا فرق بين بعده العقليّ وبعده العاطفيّ، وبهذا ينتقل العقل من ماضويته إلى الدينامية، مما ينقل المجتمع أيضًا من المستسلم إلى المبدع في ظلّ دولة تقوم على الحرية وتحفظ حقّ التعدد، ويقول أبو زيد: “وفي المأزق الحالي الذي يعانيه مشروع الدولة، بين ضغط الجماعات السلفيّة وتطرفها من جهة، وضغط ما يسمى النظام العالميّ الجديد من جهة أخرى، وذلك كلّه في ظلّ حالة التشرذم والتشظيّ العربية، وتراجع كلّ مشروعات العدل الاجتماعيّ لحساب سيطرة المشروع الفرديّ في سياق ازدهار الانفتاح الاقتصادي المعتمد على سيطرة المشروع الفرديّ أساسًا، تعددت المشروعات الطائفية لا الفكرية، ولأنّ الخطر الجاثم في هذه الطائفية أقسى من إمكانيات الدولة وحدها، بدأ النظام السياسيّ يتوجه إلى المثقفين والمفكرين طالبًا منهم العون، أعني من أولئك الذين تناقض معهم إلى حدّ النفي والسجن والفصل والحصار في أفضل الأحوال. وتظلّ الخشية مجرد توجه نفعيّ للخروج من أزمته الحالية الخانقة. لكن الخشية الأشد والأخطر والأقسى أن تكون استجابة المثقفين والمفكرين مرتهنة  -بوعيّ أو بدون وعيّ – بالشروط النفعية البراجماتية للنظام السياسيّ”[6].

لذلك، لا بدّ من القيام بحركة جدية على المستوى الفكري، يجري من خلالها قطع الحبل السريّ الذي يربط الفكر بالسياسة دون أن يعني ذلك أن لا يكون المثقف في موقع سياسيّ محدد، ولكن يعني هذا الكلام: “إنّ للفكر آلياته وأهدافه وللسياسة آلياتها وأهدافها ومن الخطر أن يتنازل الأول عن آلياته ليكون في خدمة الثاني، حتى في حالة تبني الدولة لمشروع فكري محدد الملامح أيديولوجيًّا، فواجب المفكر المنتمي إلى تلك الأيديولوجيا ألا يتنازل عن استقلاله ليبرر السلوك السياسيّ”[7].

4- المصادر المعرفية لنص حامد أبو زيد: تتعدد المصادر المعرفية لنصر حامد أبو زيد، وهي تقسم إلى نوعين: أحدهما داخلي نبع من التراث الإسلاميّ، والآخر خارجيّ نتج عن اطلاعه على العلوم الإنسانيّة في الغرب وما أنتجنه من علوم ومعارف، وفي هذا المجال بالإمكان تحديد المؤثرات التالية:

4– أ: المصادر الداخلية التراثية: يحشد نصر حامد أبو زيد الكثير من الأسماء التي عملت على تفسير وتأويل النص القرآنيّ، وهنا بعض الأسماء التي عرضها في مشروعه:

  • ابن عباس: يعطي أبو زيد ابن عباس موقعًا متميّزًا، ويعود سبب ذلك إلى ما اعتبره نزعة عقلية عنده، قدمت للفكر الاعتزاليّ، وهذا ما يظهر في تأويله للكرسيّ بالعلم[8].
  • مقاتل بن سليمان: ويعتبر من الشخصيات التي قدمت لمفهوم المجاز في الإسلام والانتقال من معنى إلى معنى ضمن اللفظ الواحد، ويظهر ذلك في معالجة كلمة “ماء”: “فهو يرى أنّ لها وجوهًا ثلاثة هي المطر والنطفة والوجه الثالث: الماء: يعني القرآن الكريم. كما أنّ الماء حياة الناس كذلك القرآن حياة لمن آمن به”[9].
  • أبو عبيدة: ينظر إليه باعتباره مقدمًا للأسلوبية من خلال حديثه عن المحذوف والاستعارة والتشبيه، ويعتبر أبو زيد: “وهو وإن كان لم يبين الفارق بين مستوى التعبير المجازي والتعبير الحقيقيّ، فإنّ مجرد توقفه أمام هذه النماذج ووضعه إياها ضمن المجاز يعدّ نقلة كبيرة في إنضاج مفهوم المجاز وتطويره”[10].
  • الفراء: وينظر إليه باعتباره قد حقق تقدّمًا حقيقيًّا على مستوى التأويل، حينما استخدم مفردات كالتجوز والاتساع وعرض القرآن الكريم على كلام العرب.
  • ابن قتيبة: استفاد منه آليات التعامل مع المجاز، فبالنسبة إليه استطاع توسيع ابن قتيبة من توسيع دائرة المجاز في اللغة لتشمل الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار والتعريض والإفصاح والكناية والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجمع والجميع مخاطبة الواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم وبلفظ العموم لمعنى الخصوص، وغيرها من المسائل: “وهي كلّها ظواهر أسلوبية تعني التغيّر في الدلالة والخروج بها عن دلالة المواضعة الشائعة”[11].
  • عبد القاهر الجرجاني: يبدو أبو زيد متأثرًا بمفهوم “النظم” كما قدمه عبد القاهر الجرجاني، والذي يعتبر فيه أنّ هذا المفهوم يتعدى جانب اللفظ إلى بناء الجملة عبر: “قوانين النحو في سيرورتها وتعدد إمكاناتها ولا نهائية الاختيارات المتاحة لدى المتكلم”[12]، وذلك من خلال تفاعل الدلالات مع بعضها، وما يمكنها أن تقدمه للقارىء من مجموع هذه القوانين والدلالات، وهو يعتبر أنّ هذا الكلام للجرجاني يمكن الاستفادة منه في مفهوم النصّ، مما يساعد في توسيع أفقه.

وهنا نلاحظ أنّ أبا زيد كان يسعى إلى إضفاء مشروعية على عمله التأويل من خلال إظهار انشغال المجتمع الإسلاميّ بهذا النوع من العمل، وهو وإن اعتبر هذه المنجزات غير كافية وبحاجة لاستكمال لكنّها في ناحية الأمر لفتت النظر إلى ضرورة استخدامها.

  • المعتزلة: يعتبر نصر حامد أنّ أصول مشروعه التأويليّ تعود إلى المعتزلة، فهم من خلال بلورتهم لمفهوم المجاز أنقذوا النصوص من مصير الجمود في وقت أحاطت فيه الثقافات الفارسية والهندية واليونانية[13]، فالمعتزلة من خلال التأويل قدمت للفكر الإسلاميّ الرافعة الدلالية لأيّ إشارة في النص كان من المحتمل أن تتحول إلى شاهد تاريخيّ معزول عن الواقع [14].

كما استفاد أبو زيد من البعد العقلي في فكر المعتزلة لا سيما أثناء مناقشتهم للصفات الإلهية، فهم اعتبروا الدليل العقليّ مرشدًا إلى ما يجوز على الله من الصفات وما لا يجوز خاصة في صفات الفعل، وهذا ما يجعل العقل قادرًا على الاستدلال على وجود الله قبل ورود الشرع[15].

ويتبنى أبو زيد رؤية المعتزلة التي تقول بخلق القرآن، ويعتبرها معبّرة عن رؤية المجتمع والفكر في ذلك الزمان، حيث قدمت رؤية دينامية حيوية، تجمع بين المطلق والنسبيّ، وهذا ما استفادت منه الحضارة الأوروبية في المجالات العلمية لاحقًا.

فبالنسبة لنصر حامد أبو زيد تشكل هذه القضية ببعدها الفلسفيّ الوحيّ خطوة إلى الإمام باتجاه جعل الوحي واقعة تاريخية: “ترتبط أساسًا بالبعد الإنسانيّ من ثنائية الله والإنسان أو المطلق والمحدود، الوحيّ في هذا الفهم تحقيق لمصالح الإنسان على الأرض لأنّه خطاب للإنسان بلغته، وإذا مضينا  في التحليل الفلسفيّ إلى غايته نصل إلى الخطاب الإلهيّ خطاب تاريخيّ وبما هو تاريخيّ فإنّ معناه لا يتحقق إلا من خلال التأويل الإنسانيّ”[16].

هذا وقد أورد أبو زيد أسماء العديد من الشخصيات الاعتزالية منها:

  • الجاحظ في مبحثه حول الاسم والمسمى في اللغة، حيث ينقل عنه: “لا يجوز أن يعلّمه (أي يعلم الله آدم) الاسم ويدع المعنى، ويعلمه لدلالة ولا يضع المدلول عليه، والاسم بل معنى لغو كالظرف الخالي”[17].
  • القاضي عبد الجبار ومفهوم القصدية، وهو مرتبط بالاتفاق الجماعي عن طريق المواضعة ولا يصح أن يكون القصد فرديًّا وإلا لما فهم القصد وأصبحت الدلالة اللغوية مفتقرة لما يبينها عند المتلقيّ[18].
  • ابن عربي: استخدم أبو زيد ابن عربي بشكل جليّ، وجعله عمدة عمله وموضوعًا لرسالته العلمية، وفي هذا المجال نراه يعود إلى فكرة الخيال التي اعتبرت أنّ الوجود يماثل الخيال، كمقام بالتفريق بين ظاهر الوجود وباطنه، ورأى ضرورة النفاذ من الظاهر الحسيّ المتعين إلى الباطن الروحيّ العميق في رحلة تأويلية بطلها الإنسان.

هذا، وناقش أبو زيد كثيرًا تصورات ابن عربي لكثير من المفاهيم القرآنية، كما ناقش موضوعات ترتبط بها كالتنزيه والتشبيه والمحكم والمتشابه، والجبر والاختيار، والثواب والعقاب، كنماذج قدمها شرح من خلالها آلية تأويل ابن عربي للقرآن الكريم.

فبالنسبة إليه، أقام ابن عربي والفكر الصوفيّ مساحة واسعة للتأويل، وذلك بطرح فكرة الترميز التي تجعل المعاني والدلالات تعبر عن آفاق أرحب وذلك باعتماد القراءات المتعددة واللانهائية المعاني، وهذا ما يفتح أفق النص ويجعله يتجدد بشكل مستمر، وهذا ما مكن ابن عربي: “من طرح مفاهيم جديدة مغايرة تجعل التأويل أمرًا مشرعًا على مستوى الوجود وعلى مستوى النص، وتجعل فعل القراءة فعلًا شاملًا لا يقصر مفهوم النص على النص اللغوي بل يمتد ليشمل الوجود فيحيل الوجود كله إلى نص بالمعنى السيميوطيقي”[19].

فأبو زيد يرى أنّ المجتمعات العربية بحاجة لاستعادة هذه الشخصية لمواجهة تصاعد التيارات السلفية، فالتجربة الروحية هي الوحيد القادرة على إنعاش الآداب والفنون والموسيقى لأنّها: “الإطار الجامع للدين والفن، هذه هي أهمية استحضار ابن عربي في السياق العام[…و] استحضار ابن عربي في السياق الإسلاميّ -واستعادته من أفق التهميش إلى فضاء المتن مرة أخرى- لا يقلّ أهمية، وذلك بسبب سيطرة بعض الاتجاهات والأفكار السلفية على مجمل الخطاب الإسلاميّ في السنوات الأخيرة من القرن العشرين”[20].

  • ابن رشد: واهتم أبو زيد بابن رشد وجعله سندًا لمشروعية ما يقوم به على صعيد التأويل، فهذا الفيلسوف أقرّ بالتأويل باعتباره العاصم من وجود تعارض بين الخطاب الدينيّ والبرهان، فالخطاب الشرعي موجه لجميع الناس على اختلاف مشاربهم وقدراتهم الذهنية ـ فإنّ هذه الطبيعة الشمولية تجعل التأويل المجازي ضرورة من حيث إنّ الوسيلة المثلى للمحافظة على انفتاح الخطاب القرآني، يقول أبو زيد: “هكذا ينتهي ابن رشد إلى أنّ البرهان – الذي هو معرفة العالم بقوانين الفلسفة – أساسيّ وضروريّ لمعرفة الدين والشرع، وينتهي كذلك إلى أنّ ما ظاهره في الخطاب الشرعيّ مخالف للبرهان لا بد أن يقبل التأويل، بشرط تصفح الخطاب كله بكلّ أجزائه وتفاصيله”[21].

وعند هذه النقطة تكتمل لدينا المصادر المعرفية التراثيّة في فكر نصر حامد أبو زيد، والتي إذا دقق فيها، تذهب باتجاهين لغويّ وفلسفيّ، ولكنّها تجتمع على أرضيّة واحدة هي العقلانية.

4-ب: المصادر الخارجية الغربية: استفاد أبو زيد من معطيات الفلسفة الغربية باتجاهاتها المتعددة، لذلك نجد حضورًا لعدد كبير من الأسماء منها:

  • جادامر: تأثر أبو زيد بالفيلسوف الألماني جادامر (1900- 2003)، الذي يعتبر الإنسان محكوم إلى مكانته في التاريخ التي لا يمكن ردها إلى آراء من سبقوا من أصحاب الفكر والفعل، لذلك فإنّ فهم النص ما أو حادثة ما مرهون بتصورات الإنسان المعاشة وانحيازاته، ومن أجل هذا الأمر فالتأويل هو ديالوج كامل أو ممكن. ولكن أبو زيد لم يلتزم بهذه الهيرمنيوطيقا الجدلية، فعدّلها باتجاه جدلي مادي[22].

فنصر حامد أبو زيد ينظر إلى جادمر المعدل معه باعتباره خشبة الخلاص التي يمكن من خلالها النظر إلى التراث الإسلاميّ، فهذه الشخصية: “نقطة بدء أصيلة للنظر إلى علاقة المفسر بالنصّ لا في النصوص الأدبية، ونظرية الأدب فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الدينيّ حول تفسير القرآن منذ أقدم عصوره وحتى الآن، لنرى كيف اختلفت الرؤى، ومدى تأثير رؤية كل عصر -من خلال ظروفه- للنصّ القرآني، ونرى دلالة تعدد التفسيرات -في النص الديني والنص الأدبي معًا – على موقف المفسر من واقعة معاصرة أيًا كان ادعاء الموضوعية الذي يدعيه هذا المفسر أو ذاك”[23].

  • بول ريكور: وقد استفاد منه معنى الهرمنيوطيقا المتمثل باعتباره نشاط فكري يقوم على أساس تفكيك رموز المعنى المختفي في المعنى الظاهر والكشف عن مستوى الدلالات الضمنية في الدلالات اللفظية. وتبدو استفادات أبو زيد واضحة في تبنيه للمستويات الثلاثة للغة المتمثلة بالكلمة والجملة والخطاب، لا سيما المستوى الأخير حين تجاوز مفهوم النص إلى مفهوم الخطاب، ويصف أبو زيد عمل ريكور فيقول: “ينتهي[ريكور إلى]ربط النص بالكاتب، ويؤكد في نفس الوقت استقلاله من حيث المعنى. وتصبح مهمة المفسر هي النفاذ إلى عالم النص وحل مستويات المعنى الكامن فيه، الظاهر والباطن، الحرفي والمجازي، المباشر وغير المباشر، وتتساوى عند ريكور -من الوجهة الهرمنيوطيقية- النصوص الأدبية والأساطير والأحلام، طالما أنّ هذين الأخيرين قد تجسدا لغة”[24].
  • مارتن هيدجر: بنى نصر حامد أبو زيد مسألة الوجود في منهجه التأويليّ على نفس أسس فكرة الأنطولوجيا عند هيدجر عبر ربطها باللغة، وهو من أجل ذلك حشد لها ما استطاع من نصوص، ذلك لأنّ فلسفة هيدجر: “تفتح آفاقًا متنوعة للنظر في بنية الكينونة الإنسانية، من خلال مجموع الكائنات المتجسدة والعينية من جهة، وفي سياق الجوانب المختلفة للعالم من جهة أخرى”[25]، يقول أبو زيد: “يقيم مارتن هيدجر الهرمينوطيقا على أساس فلسفيّ، أو يقيم الفلسفة على أساس هرمنيوطيقيّ، وكلا العبارتين صحيح، طالما أنّ الفلسفة هي فهم الوجود، وأنّ الفهم هو أساس الفلسفة وجوهر الوجود في نفس الوقت”[26]، فأبو زيد يركز على المعنى من ناحية وجودية.
  • أدموند هوسرل: يُظهر أبو زيد تأثرًا بهوسرل لا سيما من خلال حديثه عن تأثير الوجود بالإنسان من خلال اختبار اللغة في إدراكه. وهو في كثير من الأحيان يوحد بينه وبين هرمنيوطيقا هيدجر، ويقول بهذا الخصوص: إنّ المنهج الظاهري يقوم على أساس ترك الأشياء لتتجلى أو تظهر كما هي دون فرض مقولاتنا عليها، لسنا نحن الذين نشير للأشياء أو ندركها ـ بل الأشياء تكشف لنا نفسها، إنّ الأصل الحقيقيّ للفهم هو أن نستسلم لقوة الشيء ليكشف لنا ذاته”[27].
  • شلير ماخر: يبدي أبو زيد اهتمامًا بهذا الفيلسوف الألماني، لأنّه جعل الهرمنيوطيقا فنًا مستقلًا بذاته، فتأويليته جعلت النص بمثابة وسيط روحيّ بين المبدع والقارئ، فالنص من خلال طابعه اللغوي عندما ينتقل إلى القارئ يتعامل مع بعده النفسيّ، لذلك على المفسِّر معالجة جانبين الأول لغويّ والثاني نفسيّ ينفذ إلى الطبيعة البشرية، وأيّ اقتصار على جانب واحد يؤدي إلى ضياع النص، وبالرغم من اهتمامه بهذا الفيلسوف إلا أنّ أبو زيد يعتبر أنّ هناك إشكال في معالجته، تتمثل في إعطاء المؤلف ودوره مساحة كبيرة على حساب المفسر، وهذا ما جعله لا يتوافق بشكل كامل مع مراداته.
  • ديلثي: استفاد نصر حامد أبو زيد من ديلثي التركيز على التجربة لتكون هي الوسيط بين القارئ والنص من خلال اللغة، وهذا ما يجعل كلّ قراءة عملية ذاتية تنطلق من عيشه الخاص للتجربة، وهذا ما يحوّل الإنسان إلى كائن تاريخيّ أي يفهم نفسه من خلال التجارب الموضوعية للحياة، فالتاريخ ليس قابعًا في الماضي، ولكنّه معطى متغير يتغيّر بتغيّر فهمنا له في كلّ عصر من خلال ما تبقى لنا من تعبيرات عنه وكلما تشابهت الجوانب الموضوعية بين الحاضر والماضي كلما كان فهمنا للماضي أفضل”[28].

ومن خلال هذا الفهم يتم التخلّص من المعنى الثابت وأدخل النص في مجال التغيّر النابع من تغيّر الوقائع التي يعيشها الإنسان في تجاربه الوجودية.

  • جاك دريدا: يتبنى نصر حامد أبو زيد تفكيكية جاك دريدا من حيث هي قراءة تركيبية نقدية نظرية مخربة، ولكنّها تستطيع مراجعة التفكير التقليديّ، وهذه القراءة الفلسفية تسمح بزعزعة التقليد، وتشكك بالأفكار المتداولة حول النص والأفكار الموروثة عن العلامة واللغة والمؤلف والقارىء ودور التاريخ وكلّ ما له علاقة بعملية التفسير وأشكال الكتابة النقدية[29]، بالتالي تقضي على لانهائية المعنى، يقول أبو زيد: “نظرية التأويل بالمعنى المعاصر هي نظرية تحاول أن تبرز هذه العلاقات المركبة والمعقدة بين النص من حيث تاريخيته وبنيته؛ وبين القراءات من حيث انعدام البراءة في القراءات، وتفتح المجال لأنّه ليس هناك قراءات صحيحة”[30].

هذا، وتأثر بفكرة معنى المعنى إذ يعني به العلاقة التضمنية اللانهائية والإحالة غير المحدودة من دال إلى دال، وقوته هي نوع من الالتباس الخالص اللامتناهي، والذي لا يستقر على مدلول.

  • كلود ليفي شتراوس: وجد نصر حامد أبو زيد في الأنثربولوجيا البنيوية لكلود ليفي شتراوس حلًّا لإشكالية الموضوعية العلمية لتحليل مادة الشعر، وذلك عبر نقل التحليل البنيوي للغة الذي أسسه دي سوسير إلى أنظمة وأنساق غير لغوية لتصبح عملية نقله إلى نظام الأدب ممكن أخيرًا. من هنا فهو رحب بهذه البنيوية باعتبارها ترفض التفسير الموثوق، فهي تفسيرات ممكنة فقط ولا تغلق الباب أمام أي تفسيرات ممكنة أخرى.
  • لوي ألتوسير: واستفاد منه بالحديث عن وجود علاقة جدلية بين الماضي والحاضر، وبين التراث والباحث، وبناءًا على هذه الجدلية لا توجد قراءات بريئة، فكلّ قراءة يقدم عليها الباحث تكون محكومة إلى عناصر أيديولوجية، لذلك هو عندما يعود إلى أيّ مادة يعود بشكل انتقائي ليختار منه.

يلاحظ من خلال المصادر المعرفية اهتمام نصر حامد أبو زيد بالتراث اللغويّ العربيّ والغربيّ بشكل كبير، هذا دون أن ننسى  الدراسات الإناسية والاجتماعية التي شكلت أرضية لعمله، مع اعتماد الرؤية المعتزلية والصوفية التي تسمح له بفتح أفق النص ومنعه من التحجر كما يرى، وهو في سياق عمله على المصادر العربية يعمل على إخضاعها للنسق الغربيّ من التفسير.

 

 

مصادر البحث:

[1]  نصر حامد أبو زيد، النص، السلطة، الحقيقة إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، مصدر سابق، الصفحة 13.

[2]  انظر: المصدر نفسه، الصفحة 19.

[3]  النص، السلطة، الحقيقة إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، مصدر سابق، الصفحتان 21 و22.

[4]  المصدر نفسه، الصفحة 24.

[5]  أنظر: نصر حامد أبو زيد، الفزع من العلمانية: فصل الدين عن الدولة، جريدة الحياة، عدد الثلاثاء 6 تموز 2010.

[6] النص، السلطة، الحقيقة إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، مصدر سابق، الصفحة 56.

[7] المصدر نفسه، الصفحة 57.

[8] نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، الصفحة 97.

[9] الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، مصدر سابق، الصفحة 99.

[10] المصدر نفسه، الصفحة 102.

[11] المصدر نفسه، الصفحة 93.

[12] النص، السلطة، الحقيقة إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، مصدر سابق، الصفحة 84.

[13] أنظر: نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل، مصدر سابق، الصفحة 117.

[14] انظر: المصدر نفسه، الصفحة 264.

[15]  أنظر: نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، الصفحة 74.

[16]  النص، السلطة، الحقيقة إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، مصدر سابق، الصفحة 33.

[17] أبو عثمان عمرو الكناني (الجاحظ)، رسائل الجاحظ، (القاهرة: مطبعة التقدم، الطبعة 1)، الجزء 1، الصفحة 262.

[18]  الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، مصدر سابق، الصفحة 78.

[19] نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، مصدر سابق، الصفحة 101.

[20] نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلّم ابن عربي، مصدر سابق، الصفحتان 28 و29.

[21] النص، السلطة، الحقيقة إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، مصدر سابق، الصفحة 274.

[22] أنظر هذه الفكرة في: نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، مصدر سابق، الصفحة 43.

[23] المصدر نفسه، الصفحة 49.

[24] المصدر نفسه، الصفحتان 46 و47.

[25] إبراهيم أحمد، أنطولوجيا اللغة عند مارتن هيدجر، (بيروت/ الجزائر: الدار العربية ناشرون، منشورات الاختلاف، الطبعة 1، 2008)، الصفحة 13.

[26]  نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، مصدر سابق، الصفحة 30.

[27]  المصدر نفسه، الصفحة 32.

[28]  إشكاليات القراءة وآليات التأويل، مصدر سابق، الصفحة 28.

[29] انظر: عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة، (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، أبريل 1998)، من الصفحة 291 إلى الصفحة 293.

[30] عدنان حسين أحمد، نصر حامد أبو زيد يتساءل هل هناك نظرية في التأويل القرآني، الجزء الرابع، الحوار المتمدن، العدد 746، 16-2-2004،

http://www.ahewar.org.


الدكتور أحمد ماجد

الدكتور أحمد ماجد



من مواليد خربة سلم، قضاء بنت جبيل. حاز الإجازة في الفلسفة من الجامعة اللبنانيّة 1991. كما حاز ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1997 عن أطروحة تحت عنوان “المصطلح الفلسفيّ عند صدر الدين الشيرازي”، تألّفت اللجنة المشاركة في النقاش من الدكتور رفيق العجم والدكتور علي زيعور والدكتور عادل فاخوري.
حاز أيضًا الدكتوراه في الجامعة الإسلاميّة في لبنان عن رسالة تحت عنوان “مكانة الإنسان في النصّ والتراث الإسلاميّين في القرون الثلاث الأولى للهجرة”، تألّفت لجنة المناقشة من كلّ من الدكاترة: الدكتور علي الشامي، الدكتور هادي فضل الله، الدكتورة سعاد الحكيم، الدكتور ابراهيم بيضون، الدكتور وليد خوري.

عمل في مجال التعليم في عدد من الثانويّات منذ 20 عامًا.
عمل في الصحافة، وكتب في عدد من الوكالات والمجلّات اللبنانيّة والعربية الفلسفية المحكمة.
باحث في قسم الدراسات في معهد المعارف الحكمية.
أستاذ مادة منهجية البحث العلمي في معهد المعارف الحكمية.
عمل مدير تحرير لعدد من المجلّات، منها مجلّة المحجّة.
كتب في تاريخ الأديان

من كتبه:

المعجم المفهرس لألفاظ الصحيفة السجّاديّة بالاشتراك مع الشيخ سمير خير الدين.
تحقيق الصحيفة السجّاديّة.
الخطاب عند سماحة السيّد حسن نصر الله.
تحقيق كتاب الأصول الثلاثة لصدر الدين الشيرازي.
الحاكمية .. دراسة في المفهوم.
العلوم العقلية في الإسلام. – بالإضافة إلى عدد كبير من الأبحاث والدراسات.
العلمانية
شارك في عدد من الكتب منها:

الكتاب التكريمي بالدكتور حسن حنفي، نشر في القاهرة من قبل جامعة الزقازيق
الكتاب التكريمي بالدكتور عبد الرحمن بدوي
مؤتمر الديمقراطية دراسة علوم الإنسان في جبيل برعاية الأونسكو
النتائج السياسية للحرب العالمية الأولى/ التشكلات اليسارية/ مجلة البيان المصرية
شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية.



الكاتب : الدكتور أحمد ماجد
الموقع :maarefhekmiya.org
نشر الخبر اول مرة بتاريخ : 2021-09-08 13:04:39

رابط الخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى