صحة وقائية

كيف يؤثر تفشي الأمراض في خيارات الشعوب السياسية؟

الكاتب :يونس أغيث الجنيدي
المصدر : www.ibelieveinsci.com

ملك البشر بالإضافة إلى جهازهم المناعي الفسيولوجي، جهازًا مناعيًا آخر سلوكي: يوصف على أنه خوارزمية تعمل في اللاوعي تساعدنا على البقاء محميين من الأمراض، تتضمن في آلية عملها مشاعر الخوف وتجنب الأشخاص غير المألوفين ومن الممكن أحيانًا المصابين بالمرض، وذلك تبعًا لما يقترحه علماء النفس. عندما يرتفع خطر الإصابة بالعدوى والمرض، يزداد معه سلوك «الحذر من التطفل»، ليبدو في النهاية على شكل سلوكيات وحتى أنماط اقتراع وإبداء رأي تنتخب الشخصيات المتعارف عليها وترفض المجموعات الأجنبية الغريبة، بما يمثل صفة جوهرية للأنظمة السياسية السلطوية.

حديثًا، كشفت دراسة جديدة -تعد الأضخم من نوعها تبحث في العلاقة بين انتشار الأمراض المعدية وطريقة التفكير- عن وجود علاقة قوية بين ارتفاع معدلات الأمراض المعدية وظهور أنماط من السلوكيات السلطوية بين عامة الناس والنخب السياسية وحتى صانعي القوانين.

ومع أن معظم البيانات المستخدمة في الدراسة تسبق بدء جائحة كوفيد-19، يقول علماء النفس من جامعة كامبريدج إن ازدياد رغبة الناس في «التشابه والطاعة» نتيجة الجائحة سيسبب ضربة موجعة للسياسية المتحررة عند صناديق الاقتراع. نُشرت نتائج الدراسة في مجلةJournal of Social and Political Psychology.

استخدم الباحثون بيانات عن الأمراض المعدية جُمعت في الولايات المتحدة في كل من تسعينيات القرن الماضي s1990 وبدايات القرن الحالي s2000 وإجابات عن استطلاع نفسي أجراه ما يقارب 206.000 شخص في الولايات المتحدة بين عامي 2017 و2018. وجدوا أنه كلما كانت المدن والولايات الأمريكية موبوءةً بالمرض كان سكانها أكثر ميلًا لاتباع سلوكيات سلطوية.

أعيد تكرار النتائج الأمريكية على مستوى عالمي باستخدام بيانات استطلاع أجراه أكثر من 51.000 شخص على امتداد 47 بلدًا مختلفًا، وبمقارنة نتائج كل بلد مع معدل مستوى الأمراض الوطني فيه.

امتلكت الولايات الأكثر سلطوية معدلات أمراض معدية من فيروس نقص المناعة البشرية والحصبة أعلى بأربع مرات من الولايات الأقل سلطوية، بينما كان معدل الأمراض المعدية أعلى بثلاث مرات في البلدان الأكثر سلطوية من تلك الأقل سلطوية.

وصل العلماء لهذه النتائج بعد الأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية الاقتصادية المؤثرة في طريقة التفكير، بما فيها المعتقدات الدينية وحالة عدم المساواة في الثروة والتعليم. وجدوا أيضًا أن الولايات المتحدة التي امتلكت معدلات عدوى مرضية أعلى كانت أكثر ميلًا للاقتراع بحق دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016.

إضافةً إلى ذلك، ترافقت المعدلات الأعلى من الأمراض المعدية في كل من الولايات المتحدة وبلدان العالم مع نص قوانين عمودية، أي تؤثر بصورة غير متساوية في مجموعات سكانية معينة، مثل قوانين الإجهاض أو عقوبات شديدة تجاه جرائم معينة، بينما لم يحدث هذا في القوانين الأفقية التي تؤثر في الجميع بصورة متساوية.

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة والخبير في علم نفس التفكير من جامعة كامبريدج الدكتور ليور زميغرود: «وجدنا علاقة ثابتة بين انتشار الأمراض المعدية والميل النفسي عند الناس للتشابه والتماثل وبنى السلطة الهرمية، التي تمثل جميعها دعائم السياسة السلطوية. ومن ثم تتنبأ المعدلات العالية من الأمراض المعدية بسلوكيات سياسية ونتائج مثل الاقتراع المحافظ والبنى القانونية السلطوية. إذ نرى أن هذه العلاقة تظهر مرارًا وتكرارًا على امتداد الكثير من المستويات التحليلية الجغرافية والتاريخية. وجدنا أيضًا أن تأثير معدلات الأمراض المعدية على السلوكيات السياسية منذ أكثر من عشرين عامًا ما زال قابلًا للقياس حتى عام 2016. وفي حال زادت جائحة كوفيد-19 من جاذبية السياسة السلطوية، فمن المحتمل أن يستمر تأثيرها أمدًا طويلًا».

اختبرت الدراسة أيضًا في حال كانت علاقة الأمراض المعدية مع السلطوية تنتج عن الأمراض المكتسبة من الحيوانات (حيوانية المصدر)، لكنها وجدت أنها تنتج عن الأمراض المنتقلة بين البشر فقط، بما يقترح أن هذه العلاقة تمثل جزءًا من سلوك الجهاز المناعي.

عمل علماء النفس من جامعة كامبريدج في عام 2017 مع مجلة TIME على إطلاق استطلاع من قسمين حول الشخصية. يقوم القسم الأول على روايات هاري بوتر، لكن يملك المشاركون حرية الانتقال المباشر للقسم الثاني من الاستطلاع القائم على البحث العلمي، الذي يملك اختبارات قياس لدرجة السلطوية.

عُرض على المشاركين أزواج من الصفات الشخصية ومن ثم سُئلوا أي صفة كانت الأهم ليمتلكها الطفل، مثل: الاستقلالية أو الاحترام، الطاعة أو الاعتماد على الذات. وقد أجاب نحو ربع مليون شخص على هذا القسم كاملًا وقدموا إجاباتهم عبر البريد أو رمزهم البريدي.

استخدم العلماء فيما يخص المستويات المرضية في الولايات المتحدة بيانات مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC بين عامي 1993 و2007. تتضمن معدلات أمراض التهاب الكبد الفيروسي والقوباء وفيروس نقص المناعة البشرية والحصبة وجدري الماء.
أحصى فريق كامبريدج بالنسبة للولايات المتحدة معدلات الإصابة بالكلاميديا والسيلان البني بين عامي 2002 و2010. أما بالنسبة للبلدان الـ 47 فصنعوا فهرسًا من تسعة أمراض معدية تتراوح بين السل الرئوي والملاريا.

يقول دكتور زميغرود: «تمثل هذه النتائج تحذيرًا بأن سلوكيات تجنب الأمراض تملك تأثيرات عميقة على السياسة، ومن المحتمل أن تؤثر جائحة كوفيد-19 في زيادة ميل الناس نحو التشابه والطاعة، ومن ثم تتحول هذه الميولات إلى تفضيلات سياسية سلطوية وأنماط اقتراع وقوانين. إذ يبدو أن الصحة والسياسة يرتبطان ببعضهما أكثر مما كنا نعتقد».

اقرأ أيضًا:

هل نحن مستعدون لسيناريو تفشي الأمراض المعدية ؟

ما الرابط بين موجة كوفيد-19 وتفشي إصابات الفطر الأسود؟

ترجمة: يونس الجنيدي

تدقيق: لبنى حمزة

مراجعة: نغم رابي

المصدر

لقراءة المقال من المصدر الاصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى